مقال عتاباً أيها الأئمة الشيخ علي بن يحيى الحدادي

عتاباً أيها الأئمة
الخميس 3 مارس 2016    الموافق لـ : 23 جمادة الأولى 1437

كلمة عتاب أوجهها لعدد من زملائي أئمة المساجد الذين كانت تجلجل حناجرهم بالدعاء في الصلوات المفروضة لبعض النوازل التي نزلت ببعض بلاد المسلمين، وكثير من ذلك القنوت لم يكن بإذن ولي الأمر، مع أن الفتوى في بلادنا – حرسها الله – أن يكون تقدير النوازل وتوجيه الأئمة بالدعاء فيها موكول إلى ولي الأمر ومن ينيبه في هذا الشأن العظيم.
وقد نزلت ببلادنا نازلة عظيمة، وهي نازلة الفئة الضالة المارقة التي تبنت سبل الخوارج وتنكبت سبيل الحق فكفرت بغير مكفر، وسفكت الدماء بغير عذر، وروعت الآمنين، وأتلفت الأموال، وجنت على دين الإسلام يوم زعمت أنها تنطلق من منطلق شرعي، وجنت على مفهوم الجهاد الإسلامي يوم زعمت أن فسادها هو إحياء للجهاد الشرعي، وجنت على الدعوة الإسلامية، يوم تعطلت بسببها كثير من الجهود الدعوية الخيرة إلى غير ذلك من المفاسد والرزايا.
ونظراً لعظم النازلة وهول الفاجعة وفداحة المصائب التي مرت والمخاطر المتوقعة فقد وجه معالي وزير الشؤون الإسلامية الوزير العالم الناصح صالح آل الشيخ حفظه الله بالقنوت في الصلوات الجهرية على الفئة الضالة تأسياً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم حيث قنت في بعض النوازل الكبيرة التي وقعت في عصره، وتأسياً بسنة الخليفة الراشد علي بن أبي طالب الذي قنت على الخوارج، ولما يرجى من استجابة الله عزوجل لدعاء عموم المؤمنين برفع هذه المصيبة العظيمة.
وقد كنا ننتظر بفارغ الصبر هذا التوجيه والحمد لله الذي وفق إلى إصداره.
ولكن المؤسف حقاً هو تهاون كثير من الأئمة بالقنوت في هذه النازلة، فكثير منهم لا يقنت، وكثير من القلة التي قنتت تحاشت الدعاء على الفئة الضالة وإنما أخذت تدعو على بعض الدول الكافرة، وهذا دون شك أمر يدعو للأسى والأسف.
والسؤال : لماذا لا يقنتون؟
أهو بسبب الخوف، فما هو إذن إلا وسواس من الشيطان الرجيم وقد قال تعالى (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) أي إن الشيطان يخوف المؤمنين بأوليائه، فنهانا الله عز وجل عن الخوف من الشيطان وجنده خوفاً يترتب عليه ترك الواجبات الشرعية، وهذا هو النوع المحرم من الخوف. أيها الأئمة إن الآجال مكتوبة مقدرة موقتة لا تتقدم ساعة ولا تتأخر، فلم الخوف إذن؟.
أم كان ترك القنوت بسبب التحرج الشرعي حيث قال من قال إن القنوت لا يكون إلا على الكفار وهذا تحرج في غير محله بل هو من الورع البارد الذي لا يدل عليه دليل، فكيف يتحرجون من تطبيق سنة نبوية فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقنت على المشركين نظراً لشركهم وكفرهم وإنما قنت على من قنت منهم لما فعلوا بالمسلمين من القتل والتعذيب والأذى والظلم، وهذا معنى كونها نازلة، وهذا المعنى موجود بأجلى صوره في فتنة الفئة المارقة التي قتلت الأنفس المعصومة وفعلت الأفاعيل _ عاملها الله بما تستحق_ .
ولهذا الضرر العظيم قنت علي رضي الله عنه على الخوارج مع أنه لا يرى كفرهم، وعلي من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالتمسك بسنتهم كما في قوله صلى الله عليه وسلم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي).
أم كان ترك القنوت حتى لا يقال بأنكم مداهنون. أتباع السلطان ؟ نعم قد يوسوس الشيطان لبعض من نقص حظه من العلم والفقه أن يظن أن التزامه بالقنوت أنه من المداهنة، وأين المداهنة المذمومة شرعاً من القنوت المندوب إليه شرعاً ، وأين المداهنة المحرمة شرعاً من طاعة ولاة الأمور الواجبة في غير معصية شرعاً؟
إن معنى المداهنة أن تضيع شيئاً من الدين حفظاً للدنيا. فهل هذا المعنى موجود في التزام الأئمة بالقنوت ؟ هيهات. بل التزام الإمام بالقنوت دليل على وعيه وعلمه وفقهه ونصحه.
ثم هل اتباع أمر ولاة الأمر عيب يعاب به الشخص ويلمز بسببه بالألقاب السيئة المنفرة؟ أم أنه واجب شرعي يلزم المؤمن سواء سخط الناس أم رضوا؟ لا شك أن الجواب الثاني هو الصحيح.
وقبل أن أختم كلمتي أحب أن أنبه إلى أنني لمست من بعض الناس تحرجاً من التأمين عند الدعاء وباعث الحرج لديهم هو استعظامهم أن يدعوا على شباب مغرر به ظاهره الصلاح ولا يريد إلا الخير.
وهذه كلها ظنون فاسدة مبنية على تخيلات وأوهام فاسدة فلا مكان للتحرج من الدعاء على قوم سلكوا سبيل الخوارج من التكفير والقتل وشق عصا الطاعة وفعلوا ما فعلوا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الخوارج (شر الخلق والخليقة) وقال عنهم (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) وقال عنهم (كلاب النار) هذا وهو يصف الخوارج بأنهم أشد الناس عبادة من صلاة وصيام وقراءة قرآن ويصفهم بأنهم يقولون من قول خير البرية وهذه الأوصاف كلها لم تمنع النبي صلى الله عليه وسلم من الأمر بقتالهم واستئصالهم ، وهكذا القوم الذين قنت عليهم علي رضي الله عنه بل وقاتلهم كان عامتهم قد أكل الثرى جباههم وركبهم لطول ما صلوا وسجدوا. فهل شفع لهم هذا الحال أو نفعهم ؟ لا والله.
إن العبادة والقصد الحسن لا ينفعان صاحبهما إذا لم يكن العمل والمعتقد موافقاً لهدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وإذا لم يكن موافقاً لمنهاج السلف الصالح كما قال صلى الله عليه وسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وكما قال تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) وكما قال تعالى (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم) وكما قال تعالى (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا).فهذه هي المعايير العظيمة التي يقاس بها الحق من الباطل. وليس المعيار صلاح الصورة، أو حسن القصد، والله المسؤول أن يعجل بالقضاء على هذه المحنة، وأن يديم على هذه البلاد أمنها واستقرارها واجتماع كلمتها على ولاة أمرها إنه جواد كريم.
علي بن يحيى الحدادي
إمام وخطيب جامع عائشة بالرياض