مقال أربعُ سنواتٍ وأيامٌ معدودات.. أيّهما هزّ العالم أكثر؟ الشيخ محمد بن عثمان العنجري

أربعُ سنواتٍ وأيامٌ معدودات.. أيّهما هزّ العالم أكثر؟
الخميس 25 ذي الحجة 1447 هـ   الموافق لـ : 11 جوان 2026 م
1.4M
60

أربعُ سنواتٍ وأيامٌ معدودات.. أيّهما هزّ العالم أكثر؟

• في 2025 عراقجي أعلن عبر "واشنطن بوست".. تريليون دولار للشركات الأمريكية!
• فنزويلا تملك أكبر احتياطي نفطي.. فلماذا فشلت ونجح الخليج؟
• عون وباسيل رهنا لبنان لحزب الله مقابل المناصب.. فهل حدث هذا في الكويت؟
• نفط أذربيجان يصل المحتل الإسرائيلي يوميًّا أمام أعين إيران.. وصواريخ إيران تُوجَّه للكويت!

قراءة استراتيجية في حقيقة ثقل دول الخليج العربي.. أبناء الجزيرة العربية

أربعُ سنواتٍ من الحرب الروسية الأوكرانية، والأسواق العالمية تدار بانتظام، والطائرات تحلّق، والموانئ تعمل — كأن شيئًا لم يكن. حتى جاءت أيامٌ معدودات اعتدى فيها نظام ولاية الفقيه على أمن دول الخليج العربي المسلم، فارتجّت البورصات قبل أن يُطلق أحدٌ رصاصةً واحدة، وقفز الذهب، واضطربت سلاسل الإمداد من طوكيو إلى لندن، وتوقّف العالم عن النوم.

فأيّ الحربين كانت الأكبر؟

الجواب يكشف حقيقةً يتجاهلها الكثيرون: أن دول الخليج العربي ليست مجرد منطقةٍ نفطية، بل هي صمّام التنفس الاقتصادي للكوكب. وحين تتعطل هذه المنظومة الحيوية ولو لأسابيع، يختنق العالم — شرقُه وغربُه، صديقُه وعدوُّه على حدٍّ سواء.

هذه المعادلة الحاكمة لم تعد تحليلاً على ورق، بل واقع عاشه الجميع ورآه — في الطاقة والغذاء والتضخم وأمن الإمداد. فالعالم الذي طوّع اقتصاده مع غياب الحبوب الأوكرانية وتقليص الغاز الروسي، يدرك تمامًا أنه لا يملك ترف «التعايش» مع شلل الثقل الإنتاجي والمالي للخليج، أو انقطاع تدفقاتها عن الأسواق العالمية.

ماذا استفاد شعب دول الخليج من هذه الحقيقة؟

الجواب يبدأ بالاعتراف بفضل من صنعوا هذا الثقل. ففنزويلا تملك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وروسيا تجلس فوق بحرٍ من الثروات، ودولٌ بترولية كثيرة تمتلك أجود أنواع النفط — لم تحقق عُشر ما حققته دول الخليج لشعوبها من حضورٍ دولي وازدهارٍ داخلي. فوجود النفط وحده لا يصنع نجاحًا، ولا يبني مطارًا، ولا يُقيم دولة.

الفارق، بعد فضل الله، هو إدارة ولاة الأمر في دول الخليج العربي. وهنا مثالٌ يوضح المعنى: انظر إلى الألمانيتين قبل سقوط جدار برلين — شعبٌ واحد، لغةٌ واحدة، تاريخٌ واحد، لكن بالتباين الاستراتيجي والإداري والفكري أربعين سنة اختلفت النتيجة. ثم انظر اليوم إلى الكوريتين، فلن تحتاج بعدها إلى مزيدٍ من الشرح.

ولاةُ أمر دول الخليج، على مدى خمسين عامًا، أداروا هذه الثروة بعقلٍ استراتيجي حوّل المنطقة من صحراء إلى شريكٍ لا يستغني عنه العالم — وقد أثبتته الأحداث في أقل من مئة يوم، ما عجزت حرب روسيا وأوكرانيا عن إثباته في أربع سنوات.

فكّ الشفرة.. لماذا يعادي البعض هذا النموذج الخليجي الناجح؟

قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا، إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، وقال ﷺ: «فإنَّ كلَّ ذي نعمةٍ محسودٌ».

دليلان من الكتاب والسنة يصفان ظاهرةً إنسانيةً قديمةً قِدَم التاريخ: النجاح يولّد الحسد، والحسد يولّد العداء، والعداء يبحث دائمًا عن مسوّغ.

والمسوّغ الجاهز دائمًا هو التقليل من الحقائق — وهو تقليلٌ يسقط من تلقاء نفسه. فدول الخليج العربي التي يحاول بعضهم اختزالها في آبار النفط، هي اليوم شريكٌ مؤثر في الاقتصاد العالمي، ومركزٌ للطاقة والتجارة والاستثمار والدبلوماسية، يهاجر إليها أغنياء العالم وأسرهم من شتى بقاع الأرض. والجزيرة العربية التي انطلقت منها رسالة الإسلام إلى العالم لا تُقاس قيمتها بما في باطن أرضها فحسب، بل بما صنعه أبناؤها على مستوى العالم.

الحسد لا يُفسَّر بالمنطق، بل يُفهم بالنتائج. ومن يعادي نموذجًا ناجحًا لا لشيء إلا لأنه ناجح — فذلك دليلٌ على عجزه، لا على خطأ النموذج.

ماذا تعلّمنا من مطرقة واشنطن وسندان نظام ولاية الفقيه؟

لعقودٍ طويلة وجدت دول الخليج العربي — والكويت في مقدمتها —: حليفٌ غربي كبير تجمعه بواشنطن علاقاتٌ راسخة ومصالح مشتركة وشراكاتٌ أمنية واقتصادية ممتدة. فالعلاقة مع أمريكا علاقةُ شراكةٍ ومصالح متبادلة.

أما على الضفة الأخرى، فنظام ولاية الفقيه ليس خصمًا يختلف معك في الرأي، بل عدوٌّ أطلق آلاف الصواريخ على أرض الجزيرة العربية وسالت بسببها دماء طاهرة، ونهجه أن يوفد أذرعه المسلحة في بلدان شتى — اليمن والعراق ولبنان — تحت شعار تصدير الثورة الخمينية التي لم تجلب لمن استقبلها سوى الدمار والفقر والفتنة.

من هذا الواقع سطَّر ولاةُ أمر دول الخليج — جزاهم الله عن شعوبهم خيرًا — درسًا بالغًا في التمييز بين الحليف والعدو: فأحسنوا إدارة علاقاتهم مع حلفائهم من موقع تبادل المصالح ، وواجهوا أعداءهم من موقع القوة والحذر. فالتمييز بين الحليف والعدو ليس ترفًا دبلوماسيًّا، بل هو أول قواعد البقاء.

بين مشروع الدولة ومشروع الثورة

والأعجب أن الجهة التي تزعم تصدير النموذج تتآكل من الداخل؛ فإيران نسيجٌ مضطرب من عشر قوميات وعشرات اللغات، والرفض الشعبي لولاية الفقيه يتجدد كلما سنحت فرصة. ولم يدفع هذا التصدعُ النظامَ إلى مراجعة نفسه، بل إلى تصدير أزماته: دويلة حزب الله في لبنان، ونار الحوثي في اليمن، وميليشيات العراق، وخلايا الخليج الغادرة — كلها تُموَّل من قوت شعبٍ لا يتجاوز دخل فرده 3,410 دولارات سنويًّا. وفي المقابل، اختارت دول الخليج — بكل ما تملك من قوة وثروة — طريق الدولة لا الميليشيا، والبناء لا التخريب. مشروعٌ يصنع الازدهار، وآخر لا يُحسن إلا تصدير الخراب والفتن.

لماذا يستنكر أتباع نظام ولاية الفقيه علينا ما أجازوه لأنفسهم؟

قبل أن يرفع أتباع خط الخميني صوتهم استنكارًا للقواعد العسكرية الأمريكية في بعض دول الخليج، فليجيبوا عن عشر حقائق موثقة لا يُماري فيها إلا مكابر حاقد:

أولًا (إيران-غيت):
حين اشتدت الحرب العراقية الإيرانية، استجلب نظام ولاية الفقيه أسلحةً وصواريخ ومعداتٍ عسكرية أمريكية وإسرائيلية، متعاونًا مع دولة الاحتلال في فضيحةٍ موثقة عُرفت بـ«إيران-غيت»؛ ولم يكن هذا من رواية خصومهم، بل من شهادة حسين علي منتظري — خليفة خميني آنذاك — في مذكراته الصادرة عام 2000.

ثانيًا (خزائن للشيطان):
في 8 أبريل 2025، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عبر صحيفة "واشنطن بوست" أن أمام الشركات الأمريكية فرصةً استثماريةً في إيران تُقدَّر بتريليون دولار؛ فأيُّ «شيطانٍ أكبر» هذا الذي تُفتح له خزائن الاقتصاد وأبواب دولتك؟

ثالثًا (شريان إسرائيل):
نفط أذربيجان الذي يغطي نصف احتياجات المحتل الإسرائيلي يتدفق من بحر قزوين المشترك مع إيران، ويمر أمام أعين النظام وأذرعه يوميًّا دون أن يعترضه صاروخٌ واحد — فالنفط الذاهب إلى إسرائيل لا يستفزهم. أما صواريخهم فقد عرفت طريقها جيدًا إلى مطار الكويت المدني.

رابعًا (امتيازات النخبة):
بينما يُشحن البسطاء بهتافات «الموت لأمريكا»، يعيش أبناء كبار رجالات النظام وأقاربهم في الولايات المتحدة؛ يدرسون في جامعاتها ويعملون في مؤسساتها — فمنهم ساشا لاريجاني ابنة رئيس مجلس الشورى السابق علي لاريجاني، وليلى ابنة الرئيس الأسبق محمد خاتمي، ضمن عشرات الحالات الموثقة؛ فالشعار والأيديولوجيا للأتباع، والامتيازات والغرب لنخبة ولاية الفقيه.

خامسًا (المفاوضات المباشرة):
في الوقت الذي يُحرِّم فيه نظام ولاية الفقيه وأذرعُه على دول الخليج العربي حقَّ التعاون مع واشنطن، جلست طهران في باكستان على طاولة مفاوضاتٍ مباشرة مع الأمريكيين؛ حمايةً لنظامها، وإنقاذًا لكرسيِّ ولاية الفقيه.

سادسًا (الحواضن الغربية):
الثورة الإيرانية لم تنطلق من حوزات قم، بل من "نوفل لوشاتو" في فرنسا؛ حيث أقام الخميني وأمّنت له باريس الحماية والإعلام بترتيباتٍ وتسهيلاتٍ استخباراتية غربية، ليعود إلى طهران على متن طائرة فرنسية خاصة.

سابعًا (بوصلة العداء):
عدد الصواريخ والمسيّرات التي وجّهها الحرس الثوري نحو مدن الخليج العربي ومطاراته ومنشآته يفوق بأضعاف ما وجّهه نحو إسرائيل — مما يكشف بوصلة العداء الحقيقية في عقيدته العسكرية.

ثامنًا (غزو أفغانستان):
عملتْ دولة ولاية الفقيه مع الولايات المتحدة في الحرب على طالبان عام 2001؛ واعترف نائب الرئيس الإيراني الأسبق محمد علي أبطحي صراحةً: «لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابل بهذه السهولة».

تاسعًا (غزو العراق):
تكرّر التحالف السري مع «الشيطان الأكبر» بزعمهم في غزو العراق عام 2003؛ حتى أقرّ رئيس النظام الأسبق محمود أحمدي نجاد لاحقًا: «تعاونّا معهم في أفغانستان، وتعاونّا معهم في العراق».

عاشرًا (طبابة النخبة):
توثّق مذكرات رفسنجاني كيف كان قادة النظام يقصدون المستشفيات الغربية للعلاج، مبيحين لأنفسهم أرقى الرعاية والخدمات في الغرب؛ أما الشعارات الثورية فتركوها للبسطاء يرددونها. تلك هي دولة ولاية الفقيه.

أمام هذه الشهادات العشر الدامغة يسقط الاستنكار ويتهافت. والجواب الذي لا ردّ عليه: لماذا تستنكرون علينا ما أجزتموه لأنفسكم؟

مخالب دولة ولاية الفقيه.. ووهم العفو على الشعب الكويتي

ولعل الشاهد الأكبر على هذا الخراب ما جرى في أغسطس 2015؛ حين ضُبطت «خلية العبدلي» بأطنان من المتفجرات وترسانة أسلحة هرّبها الحرس الثوري وحزب الله لنحر الكويت من الوريد إلى الوريد. والمفارقة المبكية أن هناك من سعى جاهدًا وأخرج هؤلاء من السجون تحت لافتات العفو تكسبًا انتخابيًّا رخيصًا، في سلوكٍ يُحاكي تمامًا المدرسة اللبنانية التي يمثلها ميشال عون وجبران باسيل؛ عبر رهن القرار السيادي وتوفير الغطاء السياسي لميليشيات حزب الله مقابل حصد المناصب وتأمين السلطة.

إن من ساوم على ترسانةٍ أُعِدّت لتفجير وطن هو أشد خطرًا وأعظم شرًّا ممن سرق ناقلات النفط في وضح النهار؛ فالأول استهدف مالًا، أما هؤلاء فقد ساوموا على كيان الدولة ووجودها، مصداقًا لما أكده بكل حسم صاحب السمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد الصباح — حفظه الله: «ما حصل في ملف العفو لهو خير شاهد على مدى الإضرار بمصالح البلاد ومكتسباتها الوطنية».

ما الذي دعا الكويت ودول الخليج إلى القواعد الأمريكية؟

ليس خيالًا ولا وهمًا، بل سجلٌّ دموي موثق بالتواريخ والأسماء، عاشته الكويت تحديدًا على أرضها قبل وثائقها. ولعل أضخم المحطات دلالةً: اجتياحُ النظام العراقي البائد للكويت في أغسطس 1990 واحتلالها بالكامل؛ فكان هذا الغزو الصارخ هو السبب المباشر لتأسيس وترسيخ الوجود العسكري الأمريكي الدائم في المنطقة. فمن يستنكر اليوم هذا الوجود، فليجب أولًا: ماذا كان مصير الكويت لو تُرِكت وحدها؟

لكن الخطر لم يكن عراقيًّا وحده؛ فقبل الغزو وبعده، كانت اليد الإيرانية تعمل في الظلام عبر محطات سوداء:

ديسمبر 1983:
هُزّت الكويت بستة تفجيرات متزامنة استهدفت السفارتين الأمريكية والفرنسية والمطار والمنشآت النفطية؛ خطط لها عماد مغنية، ونفذتها خلايا شارك فيها أبو مهدي المهندس.

مايو 1985:
سيارةٌ مفخخة تستهدف موكب أمير البلاد الشيخ جابر الأحمد الصباح رحمه الله، في محاولة اغتيال آثمة للضغط من أجل الإفراج عن مداني تفجيرات 1983.

يوليو 1985:
تفجير غادر في مقاهي الشرق والسالمية الشعبية وسط الأطفال والعائلات والمدنيين؛ ترويعًا للداخل الكويتي.

أبريل 1988:
اختطاف الطائرة الكويتية «الجابرية» رحلة 422 بقيادة عماد مغنية؛ أسابيع من الرعب انتهت بتصفية الشهيدين إن شاء الله عبد الله الخالدي وخالد الأيوب، وإلقاء جثمانيهما على مدرج مطار لارنكا بقبرص في تحدٍّ سافر.

أغسطس 2015:
خلية العبدلي — ترسانة أسلحة وأطنان متفجرات مهرَّبة بأوامر الحرس الثوري وحزب الله، كأخطر اختراق أمني في تاريخ الكويت الحديث، ثم جاء من يسعى لشمول منفذيها بعفوٍ سياسي — وكأن الدم لا ثمن له.

وما عانته الكويت تجرعته سائر دول الخليج؛ ففي السعودية نظّم الحرس الثوري أحداث الحج الدامية عام 1987 فسقط في الحرم أكثر من أربعمئة قتيل، وفي البحرين والإمارات وقطر فُكِّكت خلايا وتنظيمات نائمة مموّلة من طهران لزعزعة الاستقرار.

هذا هو السجل الكويتي والخليجي بالتواريخ والأسماء؛ فمن يسأل لماذا استعانت دولنا بقوات دولية لحماية شعوبها ومقدراتها، فليقرأ هذه الصفحات الملطخة بالدماء أولًا ثم يتكلم.

الخليج والمستقبل.. من مربع الدفاع إلى صناعة القرار الدولي

لم تعد عواصم الخليج العربي تنتظر ما يقرره الآخرون، بل باتت تصنعه بتوفيق الله تعالى؛ واللغة هنا للأرقام والوقائع لا للإنشاء والخطابات الفارغة:

المال السيادي:
كل دولار يُنفقه المستثمرون السياديون حول العالم مجتمعين في الأسواق والشركات والمشاريع، 43 سنتًا منه خليجي؛ إذ رصد التقرير السنوي لمؤسسة Global SWF أن الصناديق الخليجية السبعة الكبرى ضخّت 43% من إجمالي الإنفاق السيادي العالمي في 2025 — وهو رقم قياسي لم يسبق تسجيله.

الذكاء الاصطناعي:
وفق تقرير Global SWF ذاته، قادت الصناديق الخليجية 63% من إجمالي الإنفاق السيادي العالمي على الذكاء الاصطناعي خلال الفترة الممتدة من 2020 إلى 2025 — متجاوزةً كافة الصناديق الغربية والآسيوية مجتمعةً.

طاقة المستقبل:
تضخّ الصناديق الخليجية مليارات الدولارات في قطاعات التحول الأخضر — من الهيدروجين والطاقة الشمسية إلى الأمونيا الخضراء — ضمن استراتيجية تنويع شاملة تمتد من الرياض إلى مسقط.

الدبلوماسية والسيادة:
وساطاتٌ رصينة بين موسكو وكييف، واتفاقيات سلام في أفريقيا، واستضافة قمم قادة المناخ الدولية، وصولًا لإطلاق "التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين" من الرياض. ولعل أبلغ اعتراف رسمي بهذا الثقل موافقة المفوضية الأوروبية على نظام "تأشيرة شنغن كاسكاد" لمواطني الخليج — خمس سنوات متعددة السفرات تفتح 29 دولة من المحاولة الأولى — وهو إقرارٌ صريح بوزن المواطن والسيادة الخليجية.

شهادة الصين:
زار الرئيس شي جين بينغ الرياض بوصفها شريكًا استراتيجيًّا في الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، وحضر القمم الخليجية والعربية والصينية بنفسه، مختتمًا زيارته ببيان تاريخي يدعم دولة الإمارات في استعادة جزرها المحتلة؛ فاستدعت طهران السفير الصيني غاضبةً بعد أن أدركت أن الصين اختارت الانحياز للحق الخليجي.

شهادة أمريكا:
جاءت أولى الجولات الرسمية الخارجية للرئيس ترامب في ولايته الثانية ابتداءً إلى السعودية ثم إلى الإمارات وقطر، كاسرًا تقليدًا راسخًا في العرف السياسي الأمريكي يقضي بأن تكون كندا أو المكسيك المحطة الأولى، متجاوزًا عواصم أوروبا وإسرائيل.

بعد توفيق الله تعالى، حين يجتمع البذلُ والجهد والإدارة مع الرؤية الاستراتيجية، لا يحتاج الثقل الحقيقي لدول الخليج العربي إلى إذنٍ من أحد.

الخليج.. ليس مشروع تصدير ثورة ودماء، بل مشروع حضارة

الأرقام لا تكذب، والبورصات لا تنحاز، والرؤساء لا يُغيّرون تقاليدهم الدبلوماسية الراسخة مجاملةً بل للمصلحة والثقل والقوة. ومن يقرأ المشهد بعين غير مثقلة بالأيديولوجيا يدرك أن دول الخليج العربي لم تعد تُعرَّف بما تحت أرضها، بل بما بنته فوقها. وحين يُقارن المنصف بين نظامٍ صدّر الثورة فأنتج الخراب، ودولٍ صدّرت الاستثمار فأنتجت الازدهار؛ فإن البناء يبقى، والعبث يذهب، وسنة الله في خلقه لن تتبدل.

كتبه: محمد عثمان العنجري
الخميس 25 ذو الحجة 1447هـ
الموافق 11 يونيو 2026