مقال فصل في الاحتجاج بإجماع أهل المدينة الشيخ محمد علي فركوس

فصل في الاحتجاج بإجماع أهل المدينة
الأحد 11 سبتمبر 2016    الموافق لـ : 08 ذي الحجة 1437

الجزء الثامن

 

فـصل
[ في الاحتجاج بإجماع أهل المدينة ]

 

• قال الباجي ‑رحمه الله‑ في [ص 281]:

«...وَإِنَّمَا عَوَّلَ مَالِكٌ ‑رَحِمَهُ اللهُ‑ وَمُحَقِّقُو أَصْحَابهِ عَلَى الاحْتِجَاجِ بذَلِكَ فِيمَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ كَمَسْأَلَةِ الأَذَانِ، وَالصَّاعِ، وَتَرْكِ الجَهْرِ ببسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الفَرِيضَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مَنَ المَسَائِلِ».

[م] والمراد بحُجِّية عملِ أهلِ المدينةِ في هذه المسألة ما كان طريقه النقل المستفيض وهو ضربٌ من إجماع أهل المدينة، وهو حُجَّة باتفاق(١)، أمَّا العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان رضي الله عنه فهذا حُجَّة عند الجمهور؛ لأنه لا يعلم لأهل المدينة عملٌ قديمٌ على عهد الخلفاء الراشدين مخالفٌ لسُنَّةِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم(٢)، ويذهب بعضُ المالكية إلى أنَّ إجماعَ أهلِ المدينةِ حُجَّة مُطلقًا سواء كان طريقه النقل أو طريقه الاجتهاد، خلافًا لأكثر المالكية وسائر العلماء، وهو الصحيح من مذهب مالك ‑رحمه الله‑ أنَّ ما كان طريقه الاجتهاد فإنَّ أهلَ المدينة كغيرهم من الأئمَّة فلا حُجَّة فيه على من خالفهم(٣)، وهو مذهب جمهور العلماء؛ لأنَّ أهلَ المدينة بعضُ الأُمَّة، والعصمة عن الخطأ تثبت لجميع الأُمَّة لا لبعضها(٤)، وإجماعُ أهلِ المدينةِ من وجوه الترجيح باتفاق المالكية وهو مذهب الشافعي ورواية عند أحمد.

هذا، والخلاف فيما طريقه الاجتهاد معنويٌّ يتفرَّع منه جملةٌ من الآثار منها:

‑ مسألة الحامل تترك الصلاة إذا رأت الدم؛ لأنها تحيض ‑عند مالك‑ بحُجَّة إجماع أهل المدينة(٥)، خلافًا للأحناف والحنابلة، فالحاملُ ‑عندهم‑ لا تحيض، وإنما الدم الذي تراه هو دم عِلَّة أو استحاضة فلا يجوز لها أن تترك الصلاة(٦).

‑ ومن ذلك ‑أيضًا‑ الزكاة في الفواكه والخضروات، فمذهب مالك: أنه لا زكاة في شيء من الفواكه والبقول، ويحتجُّ على ذلك بما عليه أهل المدينة(٧)، وهو مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله، أمَّا أبو حنيفة ‑رحمه الله‑ فذهب إلى وجوب الزكاة في كلِّ ما أخرجت الأرض من زرع أو تمر إلاَّ الحطب والقصب والحشيش(٨).

‑ ومن ذلك فائتة السفر فإنه يقضيها المصلي ‑عند مالك رحمه الله‑ كما فاتته، واحتجَّ بعمل أهل المدينة(٩)، وبه قال الأحناف خلافًا للشافعية والحنابلة الذين ذهبوا إلى أنَّ الفائتة يقضيها صلاة حضر(١٠).

وكذلك البِكْرُ يزوِّجها أبوها من غير استئمار عملاً بإجماع أهل المدينة(١١)، وعليه مالك وكذا الشافعي وأحمد رحمهم الله مع اختلاف مأخذهما، أمَّا الأحناف فيقرِّرون وجوب الاستئمار وهو شرط في صِحَّة النكاح(١٢).

‑ وكذلك المرأة التي فارقها زوجها الثاني وعادت إلى الأوَّل عادت بما تبقى من الطلاق واحتجَّ مالك ‑رحمه الله‑ بعمل أهل المدينة(١٣)، وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد في أصحِّ الروايتين عنه، خلافًا لأبي حنيفة الذي يرى أنَّ زواجها بالثاني يهدم ما دون الثلاث كما يهدم الثلاث(١٤).

‑ ومن ذلك قَبول شهادة المجلود حدًّا إذا تاب وأَصلَحَ قُبلت شهادته عند مالك استدلاَلاً بإجماع أهل المدينة(١٥)، وإلى هذا ذهب الشافعي وغيرُه، خلافًا لأبي حنيفة فإنَّها تُردُّ شهادته عنده(١٦).

‑ ومن ذلك عدم توريث ذوي الأرحام، وقد اعتمد مالك في «الموطإ» على إجماع أهل المدينة(١٧)، وهو مخالف لما عليه الجمهور من توريثهم(١٨).

 

فـصْلٌ
[ في الإجماع السكوتي ]

 

• قال الباجي ‑رحمه الله‑ في [ص 282]:

«إِذَا قَالَ الصَّحَابيُّ أَوْ الإِمَامُ قَوْلاً أَوْ حَكَمَ بحُكْمٍ وَظَهَرَ ذَلِكَ وَانْتَشَرَ انْتِشَارًا لاَ يَخْفَى مِثْلُهُ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخَالِفٌ وَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ مُنْكِرٌ فَإِنَّهُ إِجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ قَاطِعَةٌ».

[م] هذه المسألة معروفة عند الأصوليِّين بالإجماع السُّكوتي، وقد اختلف العلماء في كونه إجماعًا وحُجَّةً، فالذي عليه جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والحنابلة أنَّ الإجماع السكوتي حُجَّة وإجماع، وعند الشافعية حُجَّة وفي تسميته إجماعًا قولان، وفي أحد النَّقلين عن الشافعي أنه حُجَّة وليس بإجماع، وبه قال أبو هاشم(١٩) والصيرفي، واختاره الآمدي وابن الحاجب، خلافًا لمن يرى أنه ليس بإجماع ولا حُجَّة وهو مذهب داود الظاهري وابنه أبي بكر والباقلاني وغيرِهم، وهو الرواية الأخرى عن الشافعي، واختارها الغزالي والفخر الرازي، وفي المسألة أقوال أخرى(٢٠).

والصحيحُ ما ذهب إليه المصنِّفُ من أنَّ الإجماع السكوتي إجماعٌ وحُجَّة تقريرًا لمذهب الجمهور، فإن نقل بعدد التواتر كان إجماعًا قطعيًّا كالإجماع على تحريم ربا الجاهلية، ووجوب الحجِّ مرَّة واحدة في العمر، وعلى وجوب الزكاة في الذهب، وعلى كفر تارك الصلاة الجاحد لوجوبها وقتله كفرًا ما لم يتب(٢١)، أما الظنِّيُّ من الإجماع السكوتي وهو ما نقل بعدد الآحاد، فهو حُجَّة ظَنِّية. ويدلّ على صِحة الإجماع السكوتي:

أنَّ المعهود في كلِّ عصر أن يتولى كبار العلماء إبداء الرأي، ويسلم الباقون لهم، فظهر بذلك أنَّ سكوت الباقين إقرارٌ لهم على الحُكم الذي انتهوا إليه، ولا يخفى ‑من جهة أخرى‑ أنَّ السكوت مُعتبر في المسائل الاعتقادية أي يدلُّ على رِضى الساكت؛ لأنه لا يحلُّ السكوت فيها على الباطل، فتُلحق بها المسائل الاجتهادية بجامع أنَّ الحقَّ واحدٌ، فلا يجوز السكوت في موضع بيان المخالفة؛ لأنَّ الساكت عن الحقِّ شيطانٌ أخرسُ، إِذِ السكوت عن الباطل باطلٌ؛ ولأنه ترك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد شهد اللهُ على هذه الأُمَّة أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وهذا يتَّصف به أهل العلم والعدالة، وعليه فيكون سكوتُهم عن موافقةِ مَنْ أعلن رأيَه في المسألة مُعتبرًا، ولأنه وقع ذلك من التابعين عند عدم وجود نصٍّ، فقد عملوا بقول لصحابي انتشر وسكت عن الإنكار بقيةُ الصحابة، فدلَّ ذلك على اتفاق التابعين على وجوب العمل به، وعدم العدول عنه إلى غيره(٢٢).

أمَّا قول الصحابي إذا لم ينتشر ولم يُعرف له مخالف فقد اختلف العلماء في حُجِّيته على غيره على آراء مختلفة، فمذهب جمهور الأشاعرة والمعتزلة والشافعي في قولٍ وروايةٍ عن أحمدَ إنكار حُجِّية قولِ الصحابيِّ، وهو رأيٌ منسوبٌ إلى جمهور الأصوليِّين، واختاره الكرخي وابن حزم والغزالي والآمدي وابن الحاجب والشوكاني وغيرُهم، وذهب أئمَّة الحنفية والمشهور عن مالك وأكثرُ المالكية، والحنابلة، وبعضُ الشافعية إلى أنه حُجَّة شرعية مقدَّمة على القياس خلافًا لمن يقول بحُجِّيته إذا انضمَّ إليه قياس، وهو ظاهر مذهب الشافعي في الجديد، أو من يرى حُجِّيته فيما خالف القياس، وهو مذهب الحنفية وغيرهم(٢٣)، والقول بمذهب الصحابيِّ إذا لم يخالف فيه قول صحابي آخر ولم ينتشر حُجَّة شرعية أقوى نظرًا؛ لأنَّ قوله مرجَّحٌ على رأي التابعي وهو أقرب إلى إصابة الحقِّ وأبعد عن الخطإ، وقد خصَّ اللهُ تعالى الصحابة رضي الله عنهم بتوقُّد الأذهان وفصاحة اللسان، فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم، شهدوا التنزيل وعرفوا التأويل ووقفوا على أحوال النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ومرادِه في كلامه على ما لم يقف عليه غيرُهم، فكانوا أبرَّ الأُمَّة قلوبًا وأعمقَهم علمًا وأقلَّهم تكلُّفًا، وقد أثنى اللهُ عليهم بقوله سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 110]، فمن كان هذا شأنه فإنَّ قولَه أولى بالاتباع وأحظى في إصابة الحقّ.

وممَّا يتفرَّع على الاختلاف في الإجماع السكوتي الظنِّي:

مسألة زكاة عروض التجارة، فمن قال بحُجِّيته قال بوجوب زكاة عروض التجارة، وهو مذهب الجمهور الذين استدلُّوا بالآية والحديث والآثار، ولما صحَّ عن عبد الله بن عمر رضي الله عهما قال: «ليس في العروض زكاة إلاَّ ما كان للتجارة»(٢٤)، ولم يعلم أنَّ أحدًا منهم خالف في ذلك فهو إجماع سكوتي(٢٥)، ومن مَنَعَ حُجِّيَّة الإجماع السكوتي استحكم البراءة الأصلية التي تؤيِّدها قاعدة: «الأصل في الأموال التحريم» ومنع وجوب الزكاة في عروض التجارة، وبهذا قال ابن حزم(٢٦) والشوكاني(٢٧).

فـصْلٌ
[ في إحداث قولٍ ثالثٍ فيما إذا اختلف الصحابة على قولين ]

 

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 285]:

«إِذَا اخْتَلَفَتِ الصَّحَابَةُ فِي حُكْمٍ عَلَى قَوْلَيْنِ لَمْ يَجُزْ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ، هَذَا قَوْلُ كَافَّةِ أَصْحَابنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعيِّ، وَقَالَ دَاوُدُ: يَجُوزُ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ».

[م] مذهب الأكثرين أنَّ إحداثَ قولٍ ثالثٍ في مسألةٍ اختلف فيها على قولين ممنوعٌ، وبه قال محمَّدُ بنُ الحسن الشيبانيُّ(٢٨)، خلافًا لبعض الحنفية والمتكلِّمين وأهلِ الظاهر، وفي المسألةِ رأي ثالثٌ يُفصِّل، ووجهه: إن كان إحداث قول ثالث يترتب عليه الخروج عمَّا أجمعوا عليه فلا يجوز إحداثه وإلاَّ جاز، واختاره الفخر الرازيّ والآمدي وابنُ حاجب والبيضاويُّ والقرافي وابنُ السبكي(٢٩) وغيرُهم(٣٠).

والظاهرُ عدمُ اختصاصِ المسألة بالصحابة، بل هي شاملة لأهل عصر من العصور إذا اختلفوا على قولين، فهل يعدُّ هذا الاختلاف إجماعًا عليهما؟ وينبني على اعتباره مسألتان:

الأولى: إنه لا يجوز لمن بعدَهم الإجماعُ على إحداث قولٍ ثالث مثل: اختلاف الصحابة في الإخوة مع الجدِّ، فيرى بعضُهم أنَّ الجدَّ أبٌ يحجب الأخَ، ويرى غيرُهم أنَّ الجدَّ والأخَ يرثان فكلا المذهبين يُجمعان على أنَّ للجدِّ نصيبًا، فالقول بأنَّ الأخَ يحجب الجدَّ خرق للإجماع، ومذهب الجمهور هو الصحيح؛ لأنَّ إحداث قولٍ ثالثٍ إذا كان رافعًا لِمَا اتفق الأوَّلون فمخالفته لا تجوز؛ لأنَّ في ذلك نسبة الأُمَّة إلى ضياع الحقِّ والغَفلة عنه، وذلك باطلٌ قطعًا، وينبني عليه ‑أيضًا‑ القول بخلوِّ العصر عن قائمٍ لله بحُجَّته، وأنه لم يبق من أهل ذلك العصر على الحقِّ أحدٌ، وهذا باطلٌ ‑أيضًا‑.

أمَّا إحداثُ تفصيلٍ لا يرفع ما اتفق عليه القولان فلا يُعَدُّ هذا التفصيلُ قولاً جديدًا، فلا مانع منه، والمسألة تكون اجتهادية ولم يرد فيها ما يخالف الإجماع، ومثاله: قول بعضهم في متروك التسمية يُؤكلُ مُطلقًا، ويمنعه بعضُهم الآخرُ مُطلقًا، فالقول بأنه يُؤكلُ في ترك التسمية نسيانًا لا عمدًا تفصيلٌ؛ لأنه وافق كلاًّ من القولين في شيء، فهو في حالة النسيان وافق المجيزين وفي حالة العمد وافق المانعين(٣١).

المسألة الثانية: وهي أنَّ الصحابة إذا اختلفوا على قولين لم يجز لمن بعدهم الإجماع على أحد القولين؛ لأنَّ نزاع الصحابة واختلافَهم لا يمكن أن يكون على خلاف الإجماع فلا يصحُّ إجماعٌ يخالفه بعضُ الصحابة، وعليه فالمسائل على نوعين:

النوع الأول: ما للصحابة فيها قول أو أقوال فيجب اتباع ما عليه الصحابة من إجماع أو اختلاف، فما كان فيه من إجماع فظاهر، وما كان عليه من اختلاف فالموقف الصحيح هو التَّخيّر من أقوالهم بالدليل، وجعلها من المسائل الاجتهادية التي تُرَدُّ إلى الدليل؛ لأنَّ في انعقاد الإجماع بعد اختلافهم نسبة الأُمَّة إلى تضييع الحقّ والغفلة عن الدليل الذي أوجب الإجماع، ولذلك لا يجوز الخروج عمَّا سَنَّهُ الصحابة من مسائل الإجماع والخلاف(٣٢). قال ابن تيمية: «وذلك أنَّ إجماعَهم لا يكون إلاَّ معصومًا، وإذا تنازعوا فالحقّ لا يخرج عنهم، فيمكن طلب الحقّ في بعض أقاويلهم، ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسُّنَّة على خلافه»(٣٣).

النوع الثاني: ليس للصحابة فيها كلام منقول عنهم في حكم المسائل الحادثة بعدهم، فهذا النوع يسوغ لمن بعدهم الإجماع فيه كما يجوز الاختلاف على ما يبيِّنه الدليل الشرعي ويُقرِّرُه.

 

فـصْلٌ
[ في انعقاد الإجماع على الحكم من جهة القياس ]

 

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 286]:

«يَصِحُّ أَنْ يَنْعَقِدَ الإِجْمَاعُ عَلَى الحُكْمِ مِنْ جِهَةِ القِيَاسِ فِي قَوْلِ كَافةِ الفُقَهَاءِ، وَذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَريُّ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَصِحُّ وُجُودُهُ، وَلَوْ وُجِدَ لَكَانَ دَلِيلاً، وَقَالَ دَاوُدُ: لاَ يَصِحُّ ذَلِكَ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ القِيَاسَ لَيْسَ بدَلِيلٍ».

[م] الظاهرية منعوا صِحَّةَ الإجماع على الحكم من جهة القياس بناءً على أصلهم في نفي القياس، وإنكار داود ‑رحمه الله‑ معلل على نحو ما قرَّره المصنِّف، أمَّا ابنُ جرير الطبري فيرى أنَّ القياس حُجَّة ولكن الإجماع إذا صدر منه لم يكن مقطوعًا بصِحَّته، ولم يمنعه مُطلقًا، وقالت الشيعة والقاشاني من المعتزلة(٣٤) بالمنع، أمَّا ما عليه الجمهور فإثبات ذلك صِحَّة ووقوعًا، غير أنهم يختلفون في كون الإجماع حُجَّة تحرم مخالفته أم لا تحرم ؟ وفي المسألة قولان آخران(٣٥).

ومذهب الجمهور أقوى لوقوع الإجماع على الحكم من جهة القياس، و«الوُقُوعُ دَلِيلُ الجَوَازِ»، كإجماعهم على خلافة أبي بكر رضي الله عنه عملاً بقياس الإمامة الكبرى وهي الخلافة على الإمامة الصغرى وهي الصلاة، وكإجماعهم على كتابة المصحف قياسًا على حفظه في الصدور، وإجماعِهم على تحريم شحم الخنزير قياسًا على تحريم لحمه، وإجماعِهم على قتال مانعي الزكاة قياسًا على تارك الصلاة.

هذا، وسبب الخلاف في هذه المسألة راجع إلى صلاحية الدليل الظَّنِّي مستندًا للإجماع، فالجمهور على جوازه لكون النصوص المثبتة للإجماع وردت عامَّة وشاملة للإجماع المستند للدليل القطعي والظنّي، ولما كان القياس يفيد الظنّ فإنه يصلح مستندًا للإجماع.

أمَّا القول بأنه لو استند الإجماع على القياس مع العلم أنَّ القياس يجوز مخالفته اتفاقًا للزم جواز مخالفة الإجماع تبعًا لمستنده، والمعلوم عدم جواز مخالفة الإجماع قولاً واحدًا لأهل العلم، فلذلك لا يجوز انعقاد الإجماع على الحكم من جهة القياس من أجل المخالفة.

فجوابه أنَّ القياس إنما تجوز مخالفته قبل الإجماع عليه، أمَّا بعد الإجماع فلا يسوغ مخالفته بالإجماع عليه.

 

بَـابُ
الكلام في معقول الأَصل

[ في لحن الخطاب ]

 

• قال الباجي ‑رحمه الله‑ في [ص 288] ‑بعد أنَّ قسم معقول الأصل إلى: لحن الخطاب وفحوى الخطاب، والحصر، ومعنى الخطاب‑ ما نصه:

«فَأَمَّا لَحْنُ الخِطَابِ فَهُوَ الضَّمِيرُ الَّذِي لاَ يَتِمُّ الكَلاَمُ إِلاَّ به».

 


١-  «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (20/204-306).

٢-  المصدر السابق نفسه (20/308).

٣-  انظر: «إحكام الفصول» للباجي (480)، «ترتيب المدارك» للقاضي عياض (1/68)، «منتهى السول» لابن الحاجب (57)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (334)، «نشر البنود» للعلوي (2/89)، «الجواهر الثمينة» للمشاط (207)، «الفكر السامي» للحجوي (1/2/388)، «المذكرة» للشنقيطي (154).

٤-  انظر المصادر المثبتة على هامش «الإشارة» (282).

٥-  «موطأ مالك» (1/78).

٦-  انظر: «المغني» لابن قدامة (1/361)، وقال: «والحامل لا تحيض إلاَّ أن تراه قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة فيكون دم نفاس».

٧-  «موطأ مالك» (1/263).

٨-  «الهداية» للمرغيناني (2/3).

٩-  «الموطأ» لمالك (1/32).

١٠-    «الهداية» للمرغيناني (1/405)، « المغني» لابن قدامة (2/282).

١١-    «الموطأ» لمالك (2/63).

١٢-    «الهداية» للمرغيناني (2/395).

١٣-    «الموطأ» لمالك (2/71).

١٤-    «الهداية» للمرغيناني (3/178).

١٥-    «موطأ» مالك (2/199).

١٦-    والمسألة متفرِّعة ‑أيضًا‑ من قاعدة «الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة بالواو» انظر: «الهداية» للمرغيناني (2/16).

١٧-    «موطأ مالك بشرح تنوير الحوالك» (2/58).

١٨-    انظر المسألة مفصَّلةً في مؤلَّفنا «ذوو الأرحام في أحكام المواريث».

١٩-    هو أبو هاشم عبد السلام بن شيخ المعتزلة أبي عليٍّ محمَّد بن عبد الوهاب الجُبَّائي البصري، وهو من رؤوس المعتزلة وابن شيخهم، ألف كتبًا كثيرة منها: «تفسير القرآن»، و«الجامع الكبير»، و«الأبواب الكبير»، توفي سنة (321ﻫ).

انظر: «الفَرق بين الفِرق» للبغدادي (184)، «طبقات المفسرين» للداودي (1/307)، «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (11/55)، «البداية والنهاية» لابن كثير (11/176)، «المنتظم» لابن الجوزي (6/261)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (3/183)، «شذرات الذهب» لابن العماد (2/289).

٢٠-    انظر المصادر الأصولية المثبة على هامش «الإشارة» (284).

٢١-    «سلالة الفوائد الأصولية» للسديس (63).

٢٢-    انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (384).

٢٣-    انظر تفصيل المسألة في «المعتمد» لأبي الحسين (2/539)، «المسائل الأصولية» لأبي يعلى (49)، «التبصرة» للشيرازي (395)، «الإحكام» لابن حزم (4/219)، «البرهان» للجويني (2/1358)، «أصول السرخسي» (2/105)، «المستصفى للغزالي» (1/260)، «المحصول» للرازي (2/3/178)، «الإحكام» للآمدي (3/195)، «المسودة» لآل تيمية (336)، «القواعد والفوائد» للبعلي (295)، «فواتح الرحموت» للأنصاري (140)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (243)، «مذكرة الشنقيطي» (164).

٢٤-    حديث موقوف عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال الألباني في «تمام المنة» (364): «أخرجه الإمام الشافعي في الأم بسند صحيح».

٢٥-    «أضواء البيان» للشنقيطي (2/458).

٢٦-    «المحلى» لابن حزم (6/233).

٢٧-    «السيل الجرار» للشوكاني (2/26).

٢٨-    هو أبو عبد الله محمّد بن الحسن بن فرقد الشيباني الكوفي، سمع من أبي حنيفة، وتأثَّر بمذهبه في الأخذ بالرأي، وتفقَّه على أبي يوسف وأخذ عنه الشافعي وأثنى عليه، تولى قضاء الرقة ثمّ خراسان، ودَوَّنَ فقه أبي حنيفة ونشره، له مؤلفات منها: «الجامع الكبير والصغير»، و«السير الكبير والصغير»، و«الآثار»، و«الزيادات والنوادر» توفي بالري سنة (189ﻫ).

انظر ترجمته في: «الفهرست» للنديم (257)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (7/227)، «المجروحين» لابن حبان (2/275)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (4/184)، «اللباب» لابن الأثير (2219)، «سير أعلام النبلاء» (9/134)، «دول الإسلام» كلاهما للذهبي (1/120)، «لسان الميزان» لابن حجر (5/121)، «شذرات الذهب» لابن العماد (1/321).

٢٩-    هو أبو نصر تاج الدين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي الأنصاري الخزرجي السبكي الشافعي، كان عالِمًا بالفقه ماهرًا في الأصول، بارعًا في الحديث والأدب، شارك في العربية، وكانت له يد في النظم والنثر، انتهت إليه رئاسة القضاء والمناصب بالشام، من مصنفاته: «رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب»، و«جمع الجوامع»، و«منع الموانع»، و«المنهاج» في الأصول، و«الأشباه والنظائر» في القواعد، توفي بالطاعون سنة (771ﻫ).

انظر ترجمته في: «البداية والنهاية» لابن كثير (14/316)، «الدرر الكامنة» لابن حجر (2/425)، «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة (3/104)، «البدر الطالع» للشوكاني (1/410)، «شذرات الذهب» لابن العماد (6/221)، «الفكر السامي» للحجوي (2/4/345).

٣٠-    انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (285).

٣١-    «مذكرة الشنقيطي» (156-157).

٣٢-    «الفقيه والمتفقه» للخطيب البغدادي (1/173).

٣٣-    «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (13/24).

٣٤-    ليس له ترجمة موسعة سوى أنه أبو عمر القاشاني من الطبقة الثانية عشرة أصحاب القاضي أبي الحسن عبد الجبار المعتزلي، المتوفى (415ﻫ). انظر: «فرق وطبقات المعتزلة» للقاضي عبد الجبار (126)، و«فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» للبلخي والقاضي عبد الجبار والجشمي (390).

٣٥-    انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (286).