تقريب الأفهام إلى ما في مباحث النية من الأحكام1

المؤلف : الشيخ محمد علي فركوس

القسم :أصول فقه

التصنيف :

تاريخ :2016-09-11

شاهده :677

الحجم:0

تقريب الأفهام إلى ما في مباحث النية من الأحكام1

مقدمة:

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، أمّا بعد:

فيغلب استعمال لفظ النيّة عند الفقهاء للدلالة على القصد بمعنيَيْه:

• قصد الفعل المراد تحقيقه وإحرازه أوّلاً، وهو قصد العبادة ويسمّى النيّة المباشرة أو النيّة الأولى،

• والثاني قصد الغاية المبتغاة من وراء تلك العبادة أو ذلك الفعل، وهو قصد المعبود، ويسمّيه علماء التوحيد والسلوك ﺑ«الإخلاص» أو النيّة غير المباشرة أو النيّة الثانية، وقد نصّ ابن تيميّة(١) رحمه الله (ت: 728) على هذا التّقسيم بقوله: «أنّ النيّة المعهودة في العبادات تشتمل على أمرين: على قصد العبادة وعلى قصد المعبود.

وقصد المعبود هو الأصل الذي دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البيّنة: 5]، وقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»(٢) فإنّه صلّى الله عليه وسلّم ميّز بين مقصودٍ ومقصودٍ، وهذا المقصود -في الجملة- لا بدّ منه في كلّ فعل اختياريّ..

وأمّا قصد العبادة فقصدُ العمل الخاصّ، فإنّ من أراد اللهَ والدّارَ الآخرة بعمله: فقد يريده بصلاةٍ وقد يريده بحجٍّ، وكذلك مَن قصد طاعتَه بامتثال ما أمره به فقد أطاعه في هذا العمل، وقد يقصد طاعته في هذا العمل، فهذا القصد الثاني مثل قصد الصلاة دون الصوم، ثمّ صلاة الظهر دون صلاة العصر، ثمّ الفرض دون النفل، وهي النيّة التي تُذْكَر غالبًا في كتب الفقه المتأخّرة، وكلّ واحدة من النيّتين فرضٌ في الجملة.

أمّا الأولى: فبها يتميّز من يعبد الله مخلصًا له الدّين ممّن يعبد الطّاغوتَ أو يشرك بعبادة ربّه، ومن يريد حرث الآخرة ممّن يريد حرث الدّنيا، وهو الدّين الخالص لله الذي تشترك فيه جميع الشّرائع، الذي نهى الأنبياءَ عن التّفرّق فيه كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشّورى: 13]. وأمّا النّيّة الثانية: فبها تتميّز أنواع العبادات وأجناس الشرائع، فيتميّز المصلّي من الحاجّ والصائم، ويتميّز من يصلّي الظهر ويصوم قضاء رمضانَ ممّن يصلّي العصر ويصوم شيئًا من شوّالٍ، ويتميّز من يتصدّق عن زكاة ماله ممّن يتصدّق من نذرٍ عليه أو كفّارةٍ.

وأصناف العبادات ممّا تتنوّع فيه الشرائع، إذ الدينُ لا قِوامَ له إلاّ الشريعة، إذ أعمال القلوب لا تتمّ إلاّ بأعمال الأبدان، كما أنّ الروح لا قوام لها إلاّ البدن»(٣) [بتصرّفٍ].

وهذا المعنى أفصح عنه ابن حزمٍ(٤) رحمه الله (ت: 456) من قبلُ حيث اعتبر النيّة «سرّ العبوديّة وروحها، ومحلّها من العمل محلّ الرّوح من الجسد، ومحالٌ أن يُعتبر في العبوديّة عملٌ لا روح له معه، بل هو بمنزلة الجسد الخراب»(٥).

هذا، والنّيّات تشكّل مباحثَ هامّةً في مختلف العلوم وأبواب الفقه، وهي غير محصورةٍ بعددٍ، وإن صرّح الشّافعيّ -رحمه الله- أنّ حديث النّيّة يدخل في سبعين بابًا من الفقه، وما ترك لمبطلٍ ولا مضارٍّ ولا محتالٍ حجّةً إلى لقاء الله تعالى(٦)، فقد علّق النّوويّ(٧) رحمه الله (ت: 676) على ذلك بأنّه لم يُرِدِ انحصار أبوابه في هذا العدد، بل إنّها أكثر من ذلك(٨)، وقال السيوطيّ(٩) رحمه الله (ت: 911) في آخِرِ قاعدة «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ما نصّه: «اشتملت قاعدة «الأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا» على عدّة قواعدَ كما تَبيّن ذلك مشروحًا، وقد أتينا على عيون مسائلها، وإلاّ فمسائلها لا تحصى وفروعها لا تستقصى»(١٠).

لذلك كان أمر النيّات محلّ عناية العلماء على اختلاف تخصّصاتهم، فحظيت موضوعاتها بالتّأليف والتناول، وأُفردت لها مؤلفاتٌ ورسائلُ، منها: ما ألّفه ابن تيميّة رحمه الله (ت: 728) في كتابٍ فريدٍ سمّاه «الأعمال بالنّيّات»(١١)، كما وضع أبو العبّاس القرافيّ(١٢) رحمه الله (ت: 684) مؤلَّفه الموسوم ﺑ«الأمنية في إدراك النيّة»(١٣)، وشرح السيوطيّ رحمه الله (ت: 911) حديث النيّات في كتاب بعنوان: «منتهى الآمال شرح حديث: إِنَّمَا الأَعْمَالُ»(١٤)، وكذا شرحه محمد عارف بن أحمد في مؤلَّفٍ سمّاه: «الذّخيرة المَرْضِيّة في شرح: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ»(١٥)، وللدكتور صالح بن غانم السدلان كتابٌ بعنوان: «النيّة وأثرها في الأحكام الشرعيّة»(١٦)، وللدكتور عمر سليمان الأشقر -أيضًا- مؤلَّفٌ موسومٌ ﺑ«مقاصد المكلَّفين فيما يُتعبَّد به لربّ العالمين» أو «النيّات في العبادات»(١٧)، وكذا لمحمّد رؤوف بهنسيّ مؤلَّفٌ بعنوان: «النيّة في الشريعة الإسلاميّة»(١٨) وغيرهم.

ونظرًا لعظيم موقع النيّات وخطرها على الأعمال؛ فقد رأيت من المفيد أن أُسْهِمَ في تقريب مادّتها وموضوعاتها إلى الأفهام، وإظهار حقيقتها وما يتّصل بها من أحكامٍ في هذه الرسالة المتواضعة التي سمّيْتُها: «تقريب الأفهام إلى ما في مباحث النيّة من الأحكام».

وأخيرًا أسأل اللهَ تعالى العونَ والتوفيق والسداد في تحقيق المبتغى والمزيد من كلّ عملٍ جادٍّ، فهو نِعْمَ المعين على الخير، وخير كفيلٍ بالثّواب، وصدق الشاعر إذ يقول:

إِذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللهِ لِلْفَتَى   فَأَوَّلُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ(١٩)

وقال آخَرُ:

إِذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللهِ لِلْفَتَى   أَتَتْهُ الرَّزَايَا مِنْ وُجُوهِ الفَوَائِدِ(٢٠)

وقال آخَرُ:

إِذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللهِ لِلْفَتَى   فَكُلُّ مُعِينٍ مَا عَدَا اللهَ خَاذِلُ(٢١)

والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدّين، وسلّم تسليمًا.

 

المبحث الأوّل: معنى النيّة في اللغة والاصطلاح

النيّة في -الاشتقاق اللغويّ- مصدر نوى الشيء ينويه نيّةً ونواةً، وأصلها «نِوْيَة» بكسر النّون وسكون الواو، ووزنها فِعْلَة اجتمعت الواو والياء وسُبِقَتْ إحداهما بالسّكون فقُلبتِ الواو ياءً وأُدغمت في الياء(٢٢)، والنّيّة وإن كانت مصدرًا فإنّها تُجمع على نيّاتٍ باعتبار تنوّعها.

والنّيّة في مدلولها اللّغويّ تدور على القصد، وإن كان غالب استعمالها على العزم، قال الفيوميّ(٢٣): «خُصّت النّيّة في غالب الاستعمال بعزم القلب على أمرٍ من الأمور»(٢٤)، وجاء في «اللّسان»: «نويتُ نيّةً ونواةً أي عزمتُ وانتويتُ مثله»(٢٥).

والنّيّة في الاصطلاح الشّرعيّ لها ثلاثة معانٍ: أعَمُّ وعامٌ وخاصٌّ.

أ- النّيّة بمعناها الأعمّ هي: «عمل القلب»(٢٦) كما عرّفها ابن القيّم(٢٧) رحمه الله (ت: 751) أو «وجهة القلب»(٢٨) كما عرّفها التّيميّ(٢٩) رحمه الله (ت: 172)، لكنّ هذا التّعريف السابق بعمومه المطلق غير مانعٍ من اشتماله على ما ليس بقصدٍ ولا عزمٍ إن كان إرادةً، إذ الإرادة قد لا تكون نيّةً كالشّهوة والمشيئة والهمّ والهاجس والخاطر وحديث النّفس، ومن جهةٍ أخرى فإنّ عمل القلب ووجهته قد لا يكون إرادةً بل رغبةً أو رهبةً أو خجلاً أو كراهيةً أو خوفًا أو حبًّا وما إلى ذلك، لذلك كان تعريف النّيّة بأنّها عمل القلب ووجهته أعَمَّ من المعرَّف.

ب- النّيّة بمعناها العامّ: فقد عرّفها القرافيّ(٣٠) رحمه الله (ت: 684) بقوله: «قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله»(٣١)، والقاضي البيضاويّ(٣٢) رحمه الله (ت: 685) بأنّها: «عبارةٌ عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافِقًا لغرضٍ من جلب نفعٍ أو دفع ضرٍّ حالاً أو مآلًا»(٣٣)، والتّعريف مقيَّدٌ بما يميّزه عمّا عداه، وتظهر شموليّة هذا المعنى العامّ للأعمال الدّنيويّة والأخرويّة، فضلاً عن عموم تناوُله للإرادة الجازمة منها وغير الجازمة.

ج- أمّا النّيّة بمعناها الخاصّ فقد عرّفها البيضاويّ(٣٤) رحمه الله (ت: 685) ـ أيضًا ـ بأنّها: «الإرادة المتوجّهة نحو الفعل ابتغاءً لوجه الله تعالى وامتثالاً لحكمه»(٣٥)، أو هي: «قصد الطّاعة والتّقرّبُ إلى الله تعالى في إيجاد الفعل(٣٦) أو الكفِّ عنه».

المبحث الثّاني: في حكم النّيّة والحكمة منها:

أوّلاً: في حكم النّيّة

النّيّة سرّ العبوديّة وروح العمل ولبّه وقوامه، وقد اختلف العلماء في حكمها في العبادات على أقوالٍ:

فمذهب الأحناف والمالكيّة والحنابلة وبعض الشّافعيّة أنّ النّيّة في العبادات شرطٌ في صحّتها(٣٧)، لاقتضاء حديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» معنى الشّرط، أي أنّ الحديث يفيد عدم صحّة المشروط عند انتفاء الشّرط، ولأنّ النّيّة متقدِّمة على العبادة وخارجةٌ عن ماهيّتها، بل العبادة متوقّفة عليها لا تصحّ إلاّ بها، إذ لو كانت ركنًا لاحتاجت إلى نيّة أخرى تندرج فيها، وهو محال لِلُزوم الدّور.

أمّا أكثر الشّافعيّة فإنّ النّيّة في العبادات -عندهم- ركنٌ في صحّتها لأنّ ركن الشّيء ما يتمّ به وهو داخلٌ فيه، والنّيّة داخلةٌ في العبادة لاقترانها بها وانتظامها مع سائر الأركان.

وذهب أبو حامدٍ الغزّاليّ(٣٨) رحمه الله (ت: 505) إلى عدّ النّيّة ركنًا في الصّوم دون الصّلاة، ونفى أن تكون من الأركان(٣٩). ووقع عند بعض الشّافعيّة العكس حيث عدّوا النّيّة في الصّلاة ركنًا وفي الصّوم شرطًا من جهة أنّ النّيّة في الصّوم متقدِّمةٌ عليه.

ويرجع سبب الخلاف -عند التّأمّل- إلى اعتبار النّيّة متقدِّمةً على العبادة أو مقارِنةً لأوّلها ومنتظِمَةً في الأركان وجوبًا، فمَنْ اعتبر الأوّلَ قال بأنّ النّيّة شرطٌ، ومن رأى الثّانِيَ قال بأنّها ركنٌ، ومن خصّص تقدُّمَها في بعض العبادات دون أخرى قال بالتّفصيل.

وما اختاره العلائيّ(٤٠) رحمه الله (ت: 761) من تفصيلٍ بين ما يتوقّف اعتبار الصّحّة أو حصول الثّواب له وجاهتُه حيث يقول: «فما كانتِ النّيّة معتبَرةً في صحّته فهي ركنٌ فيه، وما يصحّ بدونها ولكنْ يتوقّف حصول الثّواب عليها، كالمباحات والكفّ عن المعاصي فنيّة التّقرّب شرطٌ في الثّواب»(٤١).

ثانيًا: في الحكمة من النّيّة(٤٢)

والحكمة من مشروعيّة النّيّة تظهر في شقّين، ويستتبع بفرعٍ عنهما:

الشّقّ الأوّل: تمييز العبادات عن العادات

فالنّيّة تميّز بين العبادات والعادات لوجود تداخُلٍ وشراكةٍ بينهما، حيث إنّ أكثر العبادات لها مثيلٌ في العادات، الأمر الذي يقتضي وجوب التّمييز بينهما، لذلك شُرِعَتِ النّيّةُ لأجل هذه الحكمة في شقّها الأوّل.

فمِن أمثلة ذلك ما يلي:

1) الغسل: فقد يكون للعبادة ابتغاءَ الأجر كالغسل من الأحداث، وقد يكون لغرض التّبرّد والتّنظّف والاستحمام وإزالة الأقذار أو يكون للمداواة. وتردّدُ الغسل بين هذه المقاصد يستدعي نيّةً تميّز بينها لينالَ فاعله الثّواب باعتبار فعله قربةً إلى الله عزّ وجلّ عمّا يُفْعَل عادةً لأغراضِ العبادِ.

2) الجلوس في المسجد: قد يكون لمجرَّد ابتغاء الرّاحة فيعدّ من العادات، وقد يكون انتظارًا للصّلاة أو لغرض الاعتكاف فيكون من العبادات، ولا يفرِّق بين الفعلين السّابقَيْنِ إلاّ النّيّة المميِّزة.

3) الإمساك عن المفَطِّرات: قد يصوم الممسك عن المفَطِّرات قربةً لله تعالى فيعدّ من العبادات، وقد يكون إمساكه عنها لغرض الحمية أو التّداوي، أو لعدم الحاجة إليها فيكون من العادات، فوجبَتِ النّيّة ليحصلَ التّمييز بين الذي لله عزّ وجلّ وبين ما عداه.

4) الضّحايا والهدايا: فقد يتردّد الذّبح بين مقاصدَ مختلفةٍ، فقد يكون لتغذية الأبدان وضيافة الضّيفان فيكون مشروعًا مباحًا أو مستحَبًّا، أو يضحّي تقرُّبًا إلى الله تعالى فتكونُ أضحيته المقدَّمة عبادةً مأجورًا عليها، أو يذبح لغير الله تقرُّبًا لقبرٍ أو صنمٍ فيكونُ شركًا محرَّمًا، مأزورًا صاحبُه مؤاخَذًا عليه، فلمّا تردّد الذّبحُ بين هذه المقاصد وجب تمييز ما يُتقرَّب به إلى الله تعالى عمّا يفعله لغيره، لأنّ النّيّة تؤثّر في الفعل الواحد فيصير بها تارةً حرامًا وتارةً حلالاً(٤٣).

5) دفع المال: متردِّدٌ بين غرضٍ دنيويٍّ كالهبة والهديّة وغيرهما من سائر التّبرّعات وبين غرضٍ أخرويٍّ يُتقرَّب به إلى الله تعالى امتثالاً لأمره كالزّكاة والصّدقات والكفّارات، والنّيّة تميّز بين هذه الأفعال.

الشّقّ الثّاني: تمييز مراتب العبادة

فالنّيّة تميّز بين مراتب العبادات بعضها عن بعض، فمن أمثلة ذلك:

في العبادات المحضة: تميّز النّيّة مرتبة صلاة الفرض غير المنذور عن المنذور، كما تميّز في الفرض غير المنذور بين صبحٍ وظهرٍ وعصرٍ ومغربٍ وعشاءٍ، وهذه إلى أداءٍ وقضاءٍ.

وتميّز النّيّة رتبة الفرض من النّفل، والنّفل الرّاتب من المطلق، والرّاتب من غير الرّاتب.

وتميّز بين ركعتَيِ الفريضة وركعتَيِ الاستسقاء والعيد والجمعة وتحيّة المسجد وركعتَيِ التّطوّع ونحو ذلك. وفي الصّوم تميّز النّيّة بين صوم الفرض والنّفل والكفّارة والقضاء والنذر.

وفي العبادات الماليّة: تميّز النّيّة مرتبة الزّكاة الواجبة من الصّدقة النّافلة، والواجبة من المنذورة والنّافلة وتميّز بين مرتبة الحجّ والعمرة، وبين الحجّ المفروض والمنذور والنّافلة، ولمّا تباينت مراتبها احتيج إلى نيّةٍ فاصلةٍ فشُرِعَتْ لأجل التّمييز بينها.

- فرعٌ توضيحيٌّ

يتفرّع عن المقصود من مشروعيّة النّيّة أنّ العبادة الخالصة التي لا تكون عادةً ولا تلتبس بغيرها لا تُشترَط فيها نيّةٌ زائدةٌ عن قصد الفعل: كالإيمان بالله، ومعرفته، وتعظيمه والخوف منه، ورجائه، والحياء من جلاله، والمهابة من سلطانه، والتّوكّل عليه والمحبّة له، والتّسبيح له والتّهليل، وقراءة القرآن وسائر الأذكار، لأنّها قرباتٌ متميِّزةٌ بصورتِها لا لَبْسَ فيها فلا تحتاج إلى نيّة الإضافة إلى الله تعالى إلاّ إذا كانت منذورةً فيُشترَط فيها نيّة التّمييز بين الفرض وغيره(٤٤).

قال الزّركشيّ(٤٥) رحمه الله (ت: 794): «قال الشّيخ عزّ الدّين(٤٦): لا مدخل للنّيّة في قراءة القرآن والأذكار وصدقة التّطوّع ودفن الميّت ونحوها ممّا لا يقع إلاّ على وجه العبادة»(٤٧).

فالعبادات المحضة -إذن- التي لا تتداخل مع غيرها تصير طاعةً بقصد فعلها، فلا تحتاج إلى نيّة الإضافة ولا إلى نيّة التّخصيص؛ لأنّها منصرِفةٌ إلى الله تعالى بطبيعتها لا يستحقّها سواه، فيكفي فيها القصد إلى الفعل وإلاّ لَلَزِمَ أن تحتاج النّيّة إلى نيّةٍ أخرى، الأمرُ الذي يؤدّي إلى التّسلسل والدّور وهما محالان. وهذا بخلاف ما يلتبس بغيره من العادات والعبادات؛ فإنّه لا يكفي مجرَّد قصد الفعل، بل لا بد من نيّةٍ زائدةٍ مميِّزةٍ لتردُّدِ الأعمالِ بين كونِها طاعةً وغيرَ طاعةٍ، ولأنّ المقصود من النّيّة تمييز العمل وتمييز المعمول له، والقرباتُ الخاصّةُ لله المستحَقَّة له التي لا تلتبس بالعادات لا تحتاج إلى نيّةٍ مميِّزةٍ لعدم اللَّبس والاشتباه(٤٨).

هذا، والمعلوم أنّ الأفعال الاختياريّة لا تصدر إلاّ بقصدٍ وإرادةٍ، والنّيّة اللاّزمة المتعيِّنة للعبادات إنّما هي نيّة إرادة وجه الله تعالى بالإخلاص له، والأفعالُ والقربات الواقعة من غير قصدٍ لا اعتبارَ لها شرعًا، فلو اشتغل أهلُ الأعذار كالمجنون والمعتوه والمخطئ والساهي والغافل والنّائم بشيءٍ من العبادات فإنّه لا يُعْتَدّ بها إن كانت طاعاتٍ، ولا يُعاقَبون عليها إن كانت معاصِيَ لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، ومَن نام عن صلاةٍ أو نَسِيَها حتّى خرج وقتُها فلْيُصَلِّها إذا ذكرها ولا إثم عليه ولا تفريطَ؛ لثبوت الحديث في ذلك(٤٩)، ومَن أكل أو شرب ناسيًا فلا إثم عليه وصومُه صحيحٌ؛ لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «مَنْ نَسِيَ -وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ»(٥٠)، ولقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»(٥١)، ومن كان مرائِيًا بعمله أو طالبًا لثناءٍ أو محمدةٍ؛ فإنّ عملَه يَبْطُل لانتفاء شرط الإخلاص لقولِه تعالى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] أو ينقص ثوابه بقدر نقص إخلاصه.

الجزائر في: 23 من ذي القعدة 1431ﻫ

الموافق ﻟ: 31 أكـتـوبـر 2010م


«يتبع»


١- انظر ترجمته في مؤلّفي: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» ص (28).

٢- أخرجه البخاري في «الإيمان» باب ما جاء أنّ الأعمال بالنيّة والحسبة ولكلّ امرئٍ ما نوى (1/ 20)، ومسلم في «الإمارة» (2/ 920) رقم (1907)، من حديث عمر بن الخطّاب رضي الله عنه.

٣- «مجموع الفتاوى» لابن تيميّة (26/ 23-25).

٤- انظر ترجمته في مؤلّفي: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» ص (243).

٥- «إحكام الأحكام» لابن حزم (2/ 706-707).

٦- انظر: «الأشباه والنظائر» للسيوطي (9)، «فيض القدير» للمناوي (1/ 32).

٧- انظر ترجمته في مؤلّفي: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» ص (401).

٨- انظر: «شرح البخاري» للعيني (1/ 22).

٩- هو جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المصري الشافعي، الإمام الفقيه، الحافظ المحدّث، المؤرّخ الأديب، له مصنّفات كثيرةٌ نافعةٌ منها: «الأشباه والنظائر في فروع الشافعيّة»، و«الأشباه والنّظائر في العربيّة»، و«طبقات الحفّاظ»، و«طبقات المفسّرين»، و«الحاوي للفتاوي»، توفّي رحمه الله سنة (911).

انظر ترجمته في: «حسن المحاضرة» للسيوطي (1/ 335)، «الكواكب السائرة» للغزّي (1/ 226)، «شذرات الذهب» لابن العماد (8/ 51)، «البدر الطالع» للشوكاني (1/ 328)، «الضوء اللامع» للسخاوي (4/ 65)، «الفكر السامي» للحجوي (2/ 4/ 351).

١٠- «الأشباه والنظائر» للسيوطي (49).

١١- وهو كتاب مطبوع حقّقه وخرّج أحاديثه عبد الله حجّاج - دار الشهاب - باتنة - الجزائر.

١٢- انظر ترجمته في مؤلّفي: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» ص (22).

١٣- طبع مرّات عديدة، وممّن حقّقه د. مساعد بن قاسم الفالح، ونشرته مكتبة الحرمين - الرياض (1408ﻫ/ 1988م).

١٤- وهو كتاب مطبوع ومتداول حقّقه: مصطفى عبد القادر عطا - دار الكتب العلميّة - بيروت - لبنان، الطبعة الأولى (1406ﻫ/ 1986م).

١٥- كتاب مخطوط بدار الكتب الظاهريّة - دمشق.

١٦- نشرته مكتبة الخريجي - الرياض - سنة (1404ﻫ/ 1984م).

١٧- نشرته مكتبة الفلاح - الكويت – سنة (1401ﻫ/ 1981م).

١٨- طبع ثانية سنة (1407ﻫ/ 1987م) - مؤسسة الخليج العربي - القاهرة.

١٩- انظر: «نفح الطيب» للمقري (6/ 177).

٢٠- انظر: المصدر السابق (6/ 310، 314).

٢١- انظر: «ديوان عبد الغفّار الأخرس» (903).

٢٢- انظر: «منتهى الآمال» للسيوطي (81).

٢٣- هو أبو العباس أحمد بن محمد بن علي المقرئ الفيّومي المصري ثمّ الحموي الشامي، فقيه ولغوي، من مؤلفاته: «المصباح المنير في غريب الشرح الكبير» و«نثر الجمان في تراجم الأعيان» وديوان خطب، توفّي سنة (770).

انظر ترجمته في: «الدرر الكامنة» لابن حجر (1/ 314)، «بغية الوعاة» للسيوطي (170)، «كشف الظنون» لحاجي خليفة (1710)، «الأعلام» للزركلي (1/ 224)، «معجم المؤلّفين» لكحالة (1/ 281).

٢٤- «المصباح المنير» للفيومي (2/ 632).

٢٥- «لسان العرب» لابن منظور (14/ 343).

٢٦- «بدائع الفوائد» لابن القيم (3/ 192).

٢٧- انظر ترجمته في مؤلّفي: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» ص (344).

٢٨- «شرح البخاري» للكرماني (1/ 18)، «عمدة القاري» للعيني (1/ 23)، «منتهى الآمال» للسيوطي (82).

٢٩- هو أبو محمد سليمان بن بلال القرشي التيمي الفقيه المفتي، أحد علماء البصرة، قال ابن سعد: «كان بربريا جميلا، حسن الهيئة عاقلا، وكان يفتي بالبلد، وولي خراج المدينة .. وكان ثقة كثير الحديث»، توفّي سنة (172).

انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (5/ 420)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (4/ 103)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (7/ 425)، «تهذيب التهذيب» لابن حجر (4/ 175)، «طبقات الحفاظ» للسيوطي (71)، «شذرات الذهب» لابن العماد (1/ 280).

٣٠- انظر ترجمته في مؤلّفي: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» ص (22).

٣١- «الذخيرة» للقرافي (1/ 240)، «مواهب الجليل» للحطاب (2/ 230).

٣٢- انظر ترجمته في مؤلّفي: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» ص (223).

٣٣- انظر: «الأشباه والنظائر» للسيوطي (30)، «فيض القدير» للمناوي (1/ 30)، «الأشباه والنظائر» لابن نجيم (24).

٣٤- انظر ترجمته في مؤلّفي: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» ص (223).

٣٥- انظر: «منتهى الآمال» للسيوطي (81).

٣٦- انظر: «الأشباه والنظائر» لابن نجيم (24).

٣٧- انظر: «المغني» لابن قدامة (1/ 110)، «الإنصاف» للمرداوي (1/ 142)، ويستثني الأحناف الوضوء والغسل فإنّ النية فيهما سنة [«حاشية ابن عابدين» (1/ 80)].

٣٨- انظر ترجمته في مؤلّفي: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» ص (378).

٣٩- انظر: «الأشباه والنظائر» للسيوطي (43).

٤٠- هو أبو سعيد صلاح الدين خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي الدمشقي، كان إماما في الفقه والأصول والنحو، متفنّنا في علم الحديث ومعرفة الرجال، أديبا شاعرا، من مؤلّفاته: «تنقيح الفهوم في صيغ العموم»، و«المجموع المذهّب في قواعد المذهب»، و«جامع التحصيل في أحكام المراسيل»، و«الأربعين في أعمال المتّقين»، توفّي سنة (761).

انظر ترجمته في: «الدرر الكامنة» لابن حجر (2/ 90)، «طبقات الشافعية» للسبكي (6/ 104)، «طبقات الشافعية» للإسنوي (2/ 109)، «شذرات الذهب» لابن العماد (6/ 190)، «معجم المؤلفين» لكحالة (1/ 688).

٤١- «الأشباه والنظائر» (43)، «منتهى الآمال» (141) كلاهما للسيوطي.

٤٢- انظر: «قواعد الأحكام» لابن عبد السلام (1/ 201)، «الأشباه والنظائر» لابن السبكي (1/ 57)، «الأشباه والنظائر» للسيوطي (12)، «الأشباه والنظائر» لابن نجيم (24).

٤٣- انظر: «منتهى الآمال» للسيوطي (119).

٤٤- انظر: «الأشباه والنظائر» للسيوطي (12)، «الأشباه والنظائر» لابن نجيم (25).

٤٥- هو أبو عبد الله بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله المصري الزركشي الشافعي الفقيه الأصولي المحدّث، له مصنفات منها: «البحر المحيط»، و«شرح جمع الجوامع»، و«سلاسل الذهب» في الأصول، و«تخريج أحاديث الرافعي»، و«البرهان في علوم القرآن»، توفّي رحمه الله سنة (794).

انظر ترجمته في: «الدرر الكامنة» لابن حجر (3/ 397)، «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة (3/ 167)، «إنباء الغمر» لابن حجر (3/ 138)، «شذرات الذهب» لابن العماد (6/ 335)، «الفتح المبين» للمراغي (2/ 217).

٤٦- هو أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي الشافعي، المعروف ﺑ«العز بن عبد السلام» وﺑ«الشيخ عزّ الدين»، برع في علوم شتّى، وتولى مناصب متعدّدة، ومن أشهر كتبه: «قواعد الأحكام في مصالح الأنام»، و«شجرة المعارف»، و«مجاز القرآن» المسمّى ﺑ«الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز».

انظر ترجمته في: «طبقات الشافعية» للسبكي (8/ 209)، «فوات الوفيات» لابن شاكر (1/ 594)، «مرآة الجنان» لليافعي (4/ 153)، «طبقات الشافعية» للإسنوي (2/ 84)، «البداية والنهاية» لابن كثير (13/ 235)، «طبقات المفسّرين» للداودي (1/ 315)، «حسن المحاضرة» للسيوطي (1/ 314)، «شذرات الذهب» لابن العماد (5/ 301).

٤٧- «المنثور في القواعد» للزركشي (3/ 288)، «منتهى الآمال» للسيوطي (121).

٤٧- «قواعد الأحكام» لابن عبد السلام (1/ 178).

٤٩- أخرجه البخاري في «مواقيت الصلاة» باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر ولا يعيد إلا تلك الصلاة (1/ 146)، ومسلم في «المساجد ومواضع الصلاة» (1/ 308) رقم (684)، من حديث أنس رضي الله عنه.

٥٠- أخرجه البخاري في «الصوم» باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا (1/ 462)، ومسلم في «الصيام» (1/ 512) رقم (1155)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

٥١- أخرجه ابن ماجه في «الطلاق» باب طلاق المكره والناسي (2045)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وللحديث طرق أخرى منها: حديث أبي ذر، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وابن عمر رضي الله عنهم، قال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (371): «ومجموع هذه الطرق يظهر أنّ للحديث أصلاً»، وحسّنه النووي في «الأربعين» (328) وأقره الحافظ في «التلخيص الحبير» (1/ 281)، وصححه ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (350)، والألباني في «إرواء الغليل» (1/ 123).