عقيدة السلف وأصحاب الحديث شرح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي الدرس 50

شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث الدرس 50 قول المعطلة في قوله تعالى وجاء ربك والملك صفا
الأربعاء 24 شوال 1438 هـ   الموافق لـ : 19 جويلية 2017 م
تحميل الشريط

عناصر الشريط

تفريغ الشريط

قول المعطلة في قوله تعالى: "وجاء ربك والملك صفا صفا"

وقرأت لأبي عبد الله بن أبي حفص البخاري وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافع، وأبو حفص هذا كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني قال أبو عبد الله عن ابن أبي حفص هذا عبد الله بن عثمان وهو عبدان -شيخ مرو -، يقول: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة قلنا لهؤلاء: أرأيتم قول الله -عز وجل-: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وقوله -عز وجل-: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ فهل يجيء ربنا -كما قال- وهل يجيء الملك صفا صفا؟

قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفا صفا، وأما الرب -تعالى- فإنا لا ندري ما عَنَى بذلك، ولا ندري كيف جيئته، فقلنا لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته، ولكن نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيتم من أنكر أن الملك لا يجيء صفا صفا، ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب، قلنا: فكذلك من أنكر أن الله -سبحانه- لا يجيء فهو كافر مكذب.

قال أبو عبد الله بن أبي حفص البخاري أيضا في كتابه: ذكر إبراهيم بن الأشعث قال سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا قال لك الجهمي: أنا لا أؤمن برب يزول عن مكانه، -في نسخة: ينزل- فقل أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء.

وهذه القصة التي ذكرها المؤلف -رحمه الله- عن أبي حفص وهو من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني وهو الصاحب الثاني للإمام أبي حنيفة أنه سمع محمد بن الحسن يقول: قال حماد بن أبي حنيفة قلنا لهؤلاء -يعني: المعطلة الذين ينفون صفات الله- أرأيتم قول الله -عز وجل-: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا يعني: هل تؤمنون بهذا؟ فقالوا: أما الملائكة فيجيئون صفا صفا، وأما الرب فإنا لا ندري ما عنى بذلك، يعني: المعطلة قالوا: نثبت أن الملائكة يجيئون صفا، ويجيئون، ولا نثبت أن الله يجيء، قالوا: الملائكة نثبت مجيئهم، وأما الرب فلا نثبت مجيئه، لا ندري كيف مجيئه.

قال: قلت لهم: إنا لن نكلفكم أن تعلموا كيفية جيئته، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، يقول: أنتم لستم مكلفين بهذه الكيفية، لكن مكلفين بالإيمان والصفة، آمنوا بأن الله يجيء، ولا تكيفوا، ثم قال لهم من باب الإلزام: أرأيتم من أنكر أن الملك لا يجيء صفا صفا، ما هو عندكم؟ لو قال لكم قائل: جاء ربك والملك صفا صفا، لو إنسان أنكر قال: الملائكة لا تجيء صفا صفا، قالوا: كافر مكذب، قال: فقلت له: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب، آية واحدة أثبت الله مجيئه ومجيء الملائكة وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا .

فإذا كان الذي ينكر أن مجيء الملائكة كافر مكذب، فكذلك الذي ينكر مجيء الله كافر مكذب، ثم ذكر أبو عبد الله بن حفص أيضا هذه القصة عن الفضيل بن عياض يقول: إذا قال لك الجهمي: أنا لا أؤمن برب يزول عن مكانه، يعني: ينكر المجيء، فقل له أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء، هذا من باب الإلزام.

أي: إذا قال له الجهمي: أنا لا أؤمن برب يزول عن مكانه، ماذا تجيبه؟ تقول: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء، هذا فيه إبطال لحجته، فالجهمي ينكر نزول الرب، فيقول: أنا لا أؤمن برب يزول عن مكانه، قل له: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء.

هذا يسأل عن حكم من يفسر استواء الله على عرشه بالهيمنة ومَنْ مِن الفِرَق سيقول بمثل هذا القول؟

هذا تأويل باطل، هذا إنكار للصفة، الذي يقول: الاستواء الهيمنة فقد أنكر استواء الله من طريقة أهل البدع أهل البدع هكذا يقولون، يقول الاستواء، ينكرون الاستواء، بعضهم يقول: معنى الاستواء: الاستيلاء والهيمنة، أهل البدع من الجهمية المعتزلة والأشاعرة كلهم ينكرون الاستواء، يقول: معناه: الهيمنة، معناه: يعني: الاستيلاء المعنوي، يعني: استيلاء وهيمنة والقدرة، وهذا باطل، هذا إنكار للصفة.

الاستواء علو خاص على العرش، وهو العلو والارتفاع والصعود، استوى: صعد وعلا وارتفع واستقر، له أربع معاني عند أهل السنة صعد وعلا واستقر استوى، استقر وعلا وصعد وارتفع، أما كيفية الاستواء فلا يعلم كيفيتها إلا هو -سبحانه وتعالى-.

هذا يسأل عن مذهب أهل السنة والجماعة في المحكم والمتشابه ؟

أهل السنة والجماعة يؤمنون بالمحكم، يعملون بالمحكم، ويؤمنون بالمتشابه، يردون النص المتشابه إلى المحكم، ويفسرونه به، يعملون بالنصوص المحكمة، والنصوص المتشابهة يردونها إلى النصوص المحكمة ويفسرونها بها، وأما أهل الزيغ فإنهم يتعلقون بالمتشابه ويتركون المحكم، ولقد مثلت لكم في أول الدرس بمثالين في طريقة أهل الزيغ.

يقول: هل صحيح أن الله -سبحانه وتعالى- إذا نزل إلى السماء الدنيا تنزل السماوات تحته إلى السماء الدنيا؟

هذا تأويل وتكييف، نقول: ينزل -سبحانه وتعالى- بما يليق بجلاله وعظمته، ولا نعلم كيفية النزول.

يقول: ما صحة من يقول: إن جميع المعاصي التي يرتكبها الإنسان هي داخلة في الشرك الأصغر؛ لأنه قدم هواه على ما نهى الله عنه؟

بعض العلماء يقول: إن جميع المعاصي نوع من الهوى، والهوى شرك، لكن الصواب أن المعاصي منها ما هو شرك، ومنها ما ليس بشرك، الشرك الأصغر هو ما نص عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، ما ورد في النصوص تسميته شركا فإنه شرك كالحلف بغير الله، وما لم يرد نص النصوص تسميته شركا، فهو كبيرة من الكبائر. نعم.

يقول: الذين يذكرون النزول يستدلون بقوله -تعالى- حكاية عن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فما هو المقصود بالأفول؟

فلما أفل يعني: غاب، هذه مناظرة إبراهيم يناظر المشركين يناظر عباد الكواكب، يوهمهم، وهذا ليس فيه متعلق له، ناظرهم -عليه الصلاة والسلام- لما رأى أن القمر بازغًا، قال: هذا ربي، فلما أفل وغاب، قال: لا أحب الآفلين، فلما رأى الشمس بازغة، قال: هذا ربي هذا أكبر، فلما أفلت غابت، قال: هذا ربي، هذا أكبر، فلما أفلت، قال: يا قومي إني برئ مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات، هذا من باب الإيهام، المناظرة لهم والإيهام لهم ليريهم بطلان ما هم عليه من عبادة الكواكب، وهذا ليس فيه يعني: علاقة بمسألة النزول. نعم.

يقول: هل جلوس المرأة الحائض في هذا المسجد لمتابعة الدروس وطلب العلم، علمًا أنا جئنا من مكان بعيد، ولا نستطيع أن نجلسها في الشقة لوحدها، فهل لها الجلوس في المسجد، وخارج المسجد ازدحام وحر شديد. أفيدونا -حفظكم الله-؟

ليس للمرأة الجلوس في المسجد وهي حائض، لا يجوز لها أن تجلس في المسجد، وكذلك الجنب ليس لهم دخول المسجد إلا عبور، يعبر من باب إلى باب، قال الله -تعالى-: ‎ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا فليس لها أن تجلس في المسجد، لكن تجلس إلا إذا كان هناك مكان خارج المسجد، خارج سور المسجد لا بأس، يعني: في غرفة خارج أسوار المسجد، وإنما تجلس في السيارة، أو في مكان آخر. نعم.

كيف نرد على من يقول: كل إتيان في القرآن فهو إتيان أمر الله؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضا؛ لأن الله -تعالى- قال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ .

هذا حجة عليه؛ لأن الله -تعالى- قال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ فصّل، فرق بين إتيان الملائكة أو يأتي ربك، أو يأتي بعض آيات ربك، فذكر أن الملائكة لها إتيان، وأمر الله له إتيان، والله له إتيان، هذا حجة عليه، فلو كان الإتيان واحد لما ذكر الله هذه الأنواع الثلاثة: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ هذا باطل، ليس كل إتيان إتيان أمر الله، الله -تعالى- إذا وصف نفسه بأنه يأتي هذا إتيانه -سبحانه وتعالى- كما يليق بجلاله وعظمته. نعم.

السؤال الأخير يقول: نزول الرب -سبحانه وتعالى- إلى السماء الدنيا ثابت، ولكن السؤال: إذا كان الليل في بلد، وفي البلد الآخر نهار، كيف نرد على هذا الإشكال في فهمنا، يعني: إذا كان ثلث الليل الأخير في بلد يكون الوقت نهارا، فهل من توضيح لهذا وفقكم الله؟

نعم هذه الإشكال في ذهنك، هذا الإشكال ناشئ من كونك شبهت نزول الخالق بنزول المخلوق، فنشأ الإشكال، لكن ألغي هذا التشبيه ويزول الإشكال، الله -تعالى- ينزل كما يليق بجلاله وعظمته في أي مكان، أنت في الدنيا إذا جاء ثلث الليل الآخر فهذا وقت التنزل الإلهي، ولا تكيف النزول، هذا الإشكال نشأ من كون هذا السائل شبه نزول الخالق بنزول المخلوق، فلذلك نشأ عنده الإشكال، ألغي هذا التشبيه، وأبطل هذا التشبيه ويزول الإشكال، فقل: إن الله ينزل كما يشاء كما يليق بجلاله وعظمته، في أي مكان، أنت في أي مكان من الدنيا فالله ينزل إذا جاء ثلث الليل نزولا يليق بجلاله وعظمته. نعم.

وفق الله الجميع، ورزق الله الجميع العلم النافع، والعمل الصالح، وصلى الله على سيدنا محمد.