وكذلك قوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ وكذلك قوله لموسى وهارون إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى هنا المعية على ظاهرها، وحكمها في هذا الموطن النصر والتأييد، وقد يدخل على صبي من يخيفه فيبكي، فيُشْرِف عليه أبوه من فوق السقف ويقول: لا تَخف، أنا معك، أو أنا حاضر ونحو ذلك، ينبهه على المعية الموجبة بحكم الحال، دفع المكروه.
ففرقٌ بين معنى المعية وبين مقتضاها، وربما صار مقتضاها من معناها، فتختلف باختلاف المواضع.
فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضي في كل موضعٍ أمورا لا يقتضيها في الموضع الآخر، فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها، وإن امتاز كل موضع بخاصية، فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق حتى يقال: قد صُرِفت عن ظاهرها.
نعم، يعني لا تقتضي، هذا من الأساس، ما تقتضي اختلاطا ولا امتزاجا، وليس من معناها ولا من مدلولها، نعم، لكن أهل البدع فهموا فهما معكوسا، فهموا فهما من عند أنفسهم، لا يدل عليه دليل، لا من اللغة، ولا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من مدلولات المعية، مخارجها ودلالتها.
قالوا: إن معنى "وهو معكم" أنه مختلط بالمخلوقات، الجهمية وأبطلوا نصوص العلو والفوقية التي تزيد أفرادها على الثلاثة آلاف، أبطلوها بنصوص المعية، وضربوا النصوص بعضها ببعض، وقالوا معنى "وهو معكم" أنه مختلط بالمخلوقات، وأن ذاته في كل مكان، تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرا، وأبطلوا نصوص الفوقية والعلو؛ لأنهم أهل زيغ -والعياذ بالله- وأهل انحراف. نعم.. نعم.
كذلك القرب غير المعية، القرب فيه اختلاف، ذهب شيخ الإسلام -رحمه الله- إلى أنه لا يأتي القرب إلا خاصا، ما يأتي عاما، والمعية عامة وخاصة.
قال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ هذا قرب الملائكة نحن أقرب إليه بملائكتنا، يعني: قرب الملائكة من العبد، ذوات الملائكة من العبد أقرب من حبل الوريد، بدليل أنه قيَّده بوقت تلقي الملكين، قال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ يعني: حين وقت تلقي الملكين، ولو كان المراد قرب الرب لم يتقيد بوقت تلقي الملكين.
وكذلك قوله: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ .
وذهب إلى هذا شيخ الإسلام ابن القيم وقال: إن القرب لم يرد إلا خاصا، وهو نوعان: قرب من الداعين بالإجابة، وقرب من العابدين بالإثابة.
وقال آخرون: إن القرب يكون -أيضا- كالعلم؛ عام وخاص، ذهب إلى هذا بعض العلماء، وفسَّروا قالوا: معنى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ يعني: أقرب إليه بالعلم. وقال بعضهم: بالقدرة، وقال بعضهم: بالقدرة والرؤية.
نعم.. نعم.. نوعان: قرب من العابدين بالإثابة، وقرب من الداعين بالإجابة، قرب من العابدين بالإثابة كقوله: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ فالساجد قريب من الله، وقرب من الداعين بالإجابة قوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ قريب، لم يقل قريب من كل أحد، ولكن قريب لإجابة الداعين.
ومثله حديث أبي موسى الأشعري في الصحيح لما قال: كنا في سفر وارتفعت أصواتنا بالتكبير فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته .
قال: إن الذي تدعونه سميع قريب فهو قريب من الداعين، ومثل قوله -تعالى- عن صالح: إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ يعني: قريب لإجابة الداعين.
نعم..
عفا الله عنك.
مواعيد فيفري 2026
الآن 41
هذا اليوم 8482
بالامس 12805
لهذا الأسبوع 62067
لهذا الشهر 214793
لهذه السنة 412797
منذ البدء 17082803
تاريخ البدء 2015/05/05
أعلى إحصائية 18201
بتاريخ 2019/11/14