لمعة الإعتقاد شرح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي الدرس 31

شرح لمعة الإعتقاد مناظرة جرت عند خليفة بين الأذرمي وصاحب بدعة
الأربعاء 24 شوال 1438 هـ   الموافق لـ : 19 جويلية 2017 م
تحميل الشريط

عناصر الشريط

تفريغ الشريط

مناظرة جرت عند خليفة بين الأذرمي وصاحب بدعة

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فقال المؤلف -رحمه الله تعالى-: وقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها: هل علمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يَعْلموها؟ قال: لم يعلموها. قال: فشيء لم يعلمه هؤلاء علمتَه؟! قال الرجل: فإني أقول قد علموها. قال: أفَوَسِعهم ألا يتكلموا به ولا يدعوا الناس إليه، أم لم يسعهم؟ قال: بلى وسعهم. قال: فشيءٌ وَسِع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلفاءه لا يسعك أنت؟! فانقطع الرجل، فقال الخليفة -وكان حاضرا- لا وسّع الله على من لم يسعه ما وسعهم.

وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، والأئمة من بعدهم، والراسخين في العلم من تلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها وإمرارها كما جاءت فلا وسَّع الله عليه.

يعني: أن البدعة هي الحدث في الدِّين، ما يحدثه الإنسان في الدِّين على غير مثال سابق، هذا مردود على صاحبه كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد فالشيء الذي ما عمله الرسول ولا الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة، لا تعمله، والشيء الذي ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا قاله الصحابة ولا التابعين لا تقله، فشيءٌ وسِع النبي -صلى الله عليه وسلم، وسِع الصحابة وسِع الأئمة تَرْكه، فينبغي أن يسَعَك ترْكه، اتركه ! قف حيث وقف القوم؛ فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا. من ذلك آية الصفات وأحاديث الصفات، فالصحابة يمررونها كما جاءت، فالسلف والأئمة لا يتأوَّلونها، فلا يجوز، تأويلها من البدع ومن المحدثات في الدِّين، بل تمر آيات الصفات وأحاديث الصفات ويُثبت لفظها ومعناها، أما الكيفية فإنها يُوكَل عِلمها إلى الله -عز وجل. نعم.

قال -رضي الله عنه- القصة أوردها الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد " من طريق ابن الجوزي في "مناقب الإمام أحمد "، ومن طريق ابن قدامة في "التوّابين" وأخرجها الذهبي في "سِيَر أعلام النبلاء" والآجري في "الشريعة"، وأوردها ابن كثير في "البداية والنهاية"، وقد رويت القصة من طريقين: أحدهما مطول، والآخر مختصر.

قال الحافظ الذهبي بعد ذِكر الطريقة المختصرة للقصة: هذه قصة مليحة، وإن كان في طريقها ما يُجهل، ولها شاهد، ثم ذكر لها طريق مطوَّل.

ويظهر من كلام الشيخ العثيمين -حفظه الله- أن في هذه القصة مبهمات أربعة: الأدرمي والمناظِر له، والخليفة الذي حضر المناظرة، والبدعة التي جرت المناظرة بسببها، ومن خلال التعرف على شخصية المناظِر، يتبين لنا بقية المبهمات:

الأول: الأدرمي والذي نستطيع تأكيده هو أنه مصحف من الأذرمي واسمه أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد بن إسحاق الأذرمي روى عن: وكيع وابن عيينة وابن مهدي وغيرهم، وروى عنه: أبو داود والنسائي ووثَّقه أبو حاتم والنسائي وهو صاحب القصة المذكورة كما جاء في المصادر التي وردت بها القصة، وكما رجّح غير واحد من أهل العلم
وروى الخطيب في "تاريخه"، وابن الجوزي في "المناقب" أن الحافظ أبا بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي حدَّث بهذه المناظرة، ثم قال: الشيخ هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد بن إسحاق الأذرمي انتهى.
وقال الخطيب في "تاريخه": وكان هارون الواثق بالله أشخَصَ شيخًا من أهل أَذَنَة في المحنة، وناظر ابن أبي دؤاد بحضرته واستعلى عليه الشيخ بحجته، فأطلقه الواثق وردّه إلى وطنه، ويقال: إنه كان أبا عبد الرحمن الأذرمي انتهى.
وقال الحافظ في "التهذيب" بعد أن ذكر كلام الخطيب قلت: القصة مشهورة حكاها المسعودي وغيره، ورواه السِّيّاري في "الألقاب" بإسناد له قال فيه: إن الشيخ المناظر هو الأذرمي هذا. انتهى.
وقال السمعاني في "الأنساب" في مادة الأذرمي بعد "الألف" وفتْح "الذال" المُعجمة وسكون "الراء" وفي آخرها "الميم": هذه نسبة إلى أذُرْم وظنِّي أنها من قرى أَذَنَة بلدة من الثَّغر منها أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد بن إسحاق الأذرمي ثم ترجم له وذكر مثل كلام الخطيب الثاني: المناظِر له، وهو أحمد بن أبي دؤاد القاضي الكبير أبو عبد الله أحمد بن الفارج بن حريز الإيادي البصري البغدادي الجهمي عدو أحمد بن حنبل كان داعية إلى خلق القرآن، كانت له منزلة ومشورة عند الخليفة المأمون والمعتصم والواثق وكان إلْبًا على الإمام أحمد يوم المحنة، يقول: يا أمير المؤمنين، اقتله هو ضال مضل. الثالث: الخليفة الذي حضر المناظرة هو الواثق بالله هارون بن محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد العباسي أبو جعفر من خلفاء الدولة العباسية بالعراق وُلد ببغداد وولي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة سبع وعشرين ومائتين هجريا، فامتحن الناس في خلق القرآن، وسجن جماعة، والظاهر أنه تاب عن ذلك في آخر عمره كما جاء في سياق روايات القصة التي نحن بصدد الكلام عليها ففيها فرية، قال المهتدي بالله ابن الخليفة الواثق بالله فرجعت عن هذه المقالة، وأظن أن الواثق رجع عنها منذ ذلك الوقت.

وقد عنون الحافظ ابن قدامة في "التوابين" لهذه القصة بقوله: توبة الواثق بالله وابنه المهتدي بالله

وقال الحافظ ابن الجوزي في "مناقب الإمام أحمد ": ولقد روي أن الواثق ترك امتحان الناس بسبب مناظرة جرت بين يديه رأى فيها أن الأولى ترك الامتحان" ثم ساق القصة بطولها.

مناظرة جرت عند خليفة بين الأذرمي وصاحب بدعة.

قال المؤلف -حفظه الله-: لم أطلع على ترجمة للأذرمي ومن معه، ولا أعلم نوع البدعة المذكورة، والمهم أن نعرف مراحل هذه المناظرة لنكتسب منها طريقًا لكيفية المناظرة بين الخصوم.

وقد بنى الأذرمي -رحمه الله- مناظرته هذه على مراحل ليَعبُر من كل مرحلة إلى التي تليها حتى يُفحم خَصمه:-

المرحلة الأولى: العلم، فقد سأله الأدرمي هل علم هذه البدعة النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه؟ قال البدعي: لم يعلموها. وهذا النفي يتضمن انتقاص النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفاءه حيث كانوا جاهلين بما هو من أهم أمور الدين، ومع ذلك فهو حُجّة على البدعي إذا كانوا لا يعلمونه، ولذلك انتقل به الأدرمي إلى:- المرحلة الثانية: إذا كانوا لا يعلمونها فكيف تعلمها أنتَ؟! هل يمكن أن يحجب الله عن رسوله -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين عِلمَ شيء من الشريعة ويفتحه لك؟ فتراجع البِدعي، وقال: أقول قد علموها ! فانتقل به إلى:- المرحلة الثالثة: إذا كانوا قد علموها فهل وسِعهم -أي: أمكنهم- ألا يتكلموا بذلك، ولا يدعوا الناس إليه، أم لم يسعهم؟ فأجاب البدعي: بأنهم وسعهم السكوت وعدم الكلام. فقال له الأدرمي فشيء وسِع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلفاءه لا يسعك أنت؟! فانقطع الرجل وامتنع عن الجواب؛ لأن الباب انسدّ أمامه.
فصوّب الخليفة رأي الأدرمي ودعا بالضيق على من لم يسعه ما وسِع النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه.

وهكذا كل صاحب باطل من بدعة أو غيرها، فلا بد أن يكون مآله الانقطاع عن الجواب.

نعم، وهذه مناظرة مفحمة لا شك رحمه الله.

الصفات التي ذكرها المؤلف من صفات الله تعالى. نعم... نعم.