الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقال المؤلف -حفظه الله تعالى-:
الأمر الثانى: مجيء ملك الموت إلى موسى -صلى الله عليه وسلم-: جاء ملك الموت بصورة إنسانٍ إلى نبي الله موسى -عليه الصلاة والسلام- ليقبض روحه، فلطمه موسى ففقأ عينه، فرجع الملك إلى الله وقال: أرسلتنى إلى عبد لا يريد الموت. فرد الله عليه عينه وقال: ارجع إليه وقل له: يضع يده على متن ثورٍ، فله بما غطى يده بكل شعرة سنة. فقال موسى ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن. فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: فلو كنتُ ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر وهذا الحديث ثابت في الصحيحين
نعم، وهذا الحديث مثل ما ذكرنا في الصحيحين: "ولو كنت" يعني: الرسول، "ثَمّ" يعني: هناك، وهذا كله يجب على المسلم أن يؤمن به من الأمور الغيبية، والله على كل شيء قدير، والملك قد يأتى في صورة إنسان؛ الملائكة أعطاهم الله القدرة على التصور والتشكل، كان جبريل يأتي النبي -صلى الله عليه وسلم- في صور متعددة: في صورة دحية الكلبي وأتاه في صورة رجل، ورآه الصحابة شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، ورآه في الصورة التي خُلِق عليها: له ستمائة جناح، كل جناح يملأ ما بين السماء والأرض، مرتين، مرة في الأرض عند البعثة، ومرة في السماء.
وكذلك -أيضا- ملك الموت يأتى بصورة رجل؛ "ولطمه ففقأ عينه ثم رجع إلى ربه فأصلح عينه" كل هذا يجب على الإنسان أن يؤمن به من الأمور الغيبية. نعم.
وإنما أثبته المؤلف في العقيدة؛ لأن بعض المبتدعة أنكره معللا ذلك بأنه يمتنع أن موسى يلطم الملك، ونرد عليهم بأن الملك أتى موسى بصورة إنسان لا يعرف موسى من هو، يطلب منه نفسه، فمقتضى الطبيعة البشرية أن يدافع المطلوب عن نفسه، ولو علم موسى أنه ملك لم يلطمه؛ ولذلك استسلم له في المرة الثانية حين جاء بما يدل أنه من عند الله، وهو إعطاؤه مهلة من السنين بقدر ما تحت يده من شعر ثور.
وهذا الله تعالى أعطاه أن يضع يده على مَتْن ثَوْر -على ظهر ثور- فله بكل ما مست يده من شعرة سنة، لكن الله جعل في قلب موسى أن يختار الموت الآن، قال: ثم ماذا، وبعد هذا السن أيش؟ ما بعد هذا السن؟ قال بعدها الموت، لا بد منه؛ قال: إذا كان لا بد منه فالآن. فالله -تعالى- جعل في قلب موسى أن يختار الموت الآن؛ لأن الله قدر أن يموت في هذا الحال، فالله خيّره؛ لأنه جاء في الحديث: ما من نبي يموت إلا يُخيَّر فخُيِّر، ولكن الله قذف في قلبه أن يختار الموت الآن؛ لأن الموت كتب في ذلك الوقت.
والمقصود: أن هذا من الأمور الغيبية التي يجب على المسلم أن يؤمن بأمور الغيب، ويجب على المسلم أن يؤمن بها، أشراط الساعة ما يكون في آخر الزمان، وما يكون في القبر: سؤال منكر ونكير، عذاب القبر ونعيمه، توسيع القبر وتضييقه، البعث بعد الموت، وقوف الناس عراة بين يدي الله الحشر والنشر، تطاير الصحف، وزن الأعمال، وزن الأشخاص والحوض، والمرور على الصراط، والجنة والنار. كل هذه الأمور الغيبية يجب على المسلم أن يؤمن بها: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ نعم.
" قال الإمام ابن حبان في صحيحه، تحت عنوان "ذِكْرُ خَبَرٍ شُنِّعَ بِهِ عَلَى مُنْتَحِلِي سُنَنِ المُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم"، مَن حُرِم التوفيقَ لإدراك معناه، ثم قال عقب روايته: إن الله -جل وعلا بعث رسوله -صلى الله عليه وسلم- مُعلمًا لخلقه، فأنزله موضع الإبانة عن مراده، فبلغ -صلى الله عليه وسلم- رسالته، وبين عن آياته بألفاظ مجملة ومفصلة عقلها عنه أصحابه أو بعضهم، وهذا الخبر من الأخبار التي يُدْرِك معناها من لم يُحرم التوفيق لإصابة الحق، وذلك أن الله -جل وعلا- أرسل ملك الموت إلى موسى -عليه السلام- رسالة ابتلاء واختبار، وأمره أن يقول له: أجب ربك. أمرَ اختبار وابتلاء، لا أمرًا يريد الله -جل وعلا- إمضاءه.
كما أمر خليله -صلى الله على نبينا وعليه- بذبح ابنه، أمر اختبار وابتلاء، دون الأمر الذي أراد الله -جل وعلا- إمضاءه، فلما عزم على ذبح ابنه وتلَّه للجبين، فداه بذبح عظيم، وقد بعث الله -جل وعلا- الملائكة إلى رسله في صور لا يعرفونها: كدخول الملائكة على إبراهيم ولم يعرفهم، حتى أوجس منهم خيفة ".
نعم، وقدم لهم الضيافة: فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ما عرفهم وهم ملائكة، جاءوا في صورة آدميين، وفي الآية الأخرى: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ يعني: إلى الطعام، نكرهم واستنكرهم وأوجس منهم خيفة، فأخبروه أنهم ملائكة، قالوا: لا تخف.أخبروه أنهم ملائكة.
ثم جاءوا إلى لوط وما عرفهم قبل ذلك، حتى جاءه قومه يهرعون، وأصاب لوط عليه الصلاة والسلام كرب وشدة، خاف على أضيافه، فلمّا رأَوْا ذلك أخبروه أنهم ملائكة قالوا: يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ نعم.
وكمجيء جبريل إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- وسؤاله إياه عن الإيمان والإسلام والإحسان فلم يعرفه المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حتى ولَّى، فكان مجيء ملك الموت إلى موسى -عليه الصلاة والسلام- على غير الصورة التي كان يعرفه موسى -عليه السلام- عليها، وكان موسى غيورا، فرأى في داره رجلا لم يعرفه، فشال يده فلطمه، فأتت لطمته على فَقْءِ عينه التي في الصورة التي يتصور بها، لا الصورة التي خلقه الله عليه.
ولما كان المُصرِّح عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- في خبر ابن عباس حيث قال: أمَّني جبريل عند البيت مرتين فذكر الخبر وقال في آخره: هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك كان في هذا الخبر البيان الواضح: أن بعض شرائعنا قد يتفق مع بعض شرائع من قبلنا من الأمم، ولما كان من شريعتنا أن مَنْ فَقَأَ عينَ الداخل داره بغير إذنه أو الناظر في بيته بغير أمره من غير جناح على فاعله، ولا حرج على مرتكبه، للأخبار الجمة الواردة فيه، التي أمليناها في غير موضع من كتبنا، كان جائزًا اتفاق هذه الشريعة، شريعة موسى بإسقاط الحرج عمن فقأ عين الداخل داره بغير إذنه.
يعني يقول: إن شريعتنا وافقت شريعة موسى ؛ لأنه جاء في الأحاديث: لو أن أحدا اطَّلع على بيتك بغير إذنك فضربته بحصاة ففقأت عينه، ما كان عليك جُناح ولما رأى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- رجلا يَطَّلع من شِقِّ الباب عليه -كان معه مِدْرة يحك به رأسه- كان يختله، يريد أن يفقأ عينه وفي الحديث الآخر: لو أن أحدا اطَّلع عليك ثم خذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح .
فلو اطَّلع إنسان على إنسان من شباك، أو من السطح، أو من شق الباب، ثم ضرب عينه -ما عليه شيء، لأن هذه العين هي التي تجاوزت الحد، وهذا كذلك المَلَك دخل البيت، وموسى غيور -عليه السلام- فلما رأى رجلا في بيته لطمه ففقأ عينه، وليس عليه جناح؛ ولهذا ++ ما يدرى، فظن أنه إنسان، وهو ملك في صورة إنسان، نعم.
"وكان استعمال موسى هذا الفعل مباحا له ولا حرج عليه في فعله، فلما رجع ملك الموت إلى ربه أخبره بما كان من موسى فيه، أمره ثانيا بأمر آخر، أمر اختبار وابتلاء كما ذكرنا من قبلُ، قال الله له: قل له: إن شئت فضع يدك على متن ثور؛ فلك بكل ما غطت يدك بكل شعرة سَنَة، فلما علم موسى كليم الله -صلى الله على نبينا وعليه- أنه ملك الموت وأنه جاءه بالرسالة من عند الله، طابت نفسه بالموت ولم يستمهل، وقال: فالآن.
فلو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به ضد قول من زعم أن أصحاب الحديث حمالة الحطب ورعاة الليل يجمعون مالا ينتفعون به ويروون ما لا يؤجرون عليه ويقولون بما يبطله الإسلام جهلا منهم بمعانى الأخبار وترك التفقه والآثار معتمدا في ذلك على رأيه المنكوس وقياسه المعكوس [ ا هـ ].
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن استن بسنته واقتفى أثره واتبع هداه إلى يوم الدين، أما بعد: قال المؤلف -حفظه الله- تعالى:
الأمر الثانى: مجيء ملك الموت إلى موسى -صلى الله عليه وسلم-: جاء ملك الموت بصورة إنسان إلى نبي الله موسى -عليه الصلاة والسلام- ليقبض روحه، فلطمه موسى ففقأ عينه، فرجع الملك إلى الله وقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. فرد الله عليه عينه، وقال: ارجع إليه وقل له: يضع يده على متن ثور، فله بما غطى يده بكل شعرة سنة. فقال موسى ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن. فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر وهذا الحديث ثابت في الصحيحين
نعم، وهذا الحديث ثابت في صحيح البخاري هذه القصة ثابتة، وهو أن ملك الموت جاء في صورة إنسان إلى موسى ليقبض روحه، فلطمه ففقأ عينه، والملك أعطاه الله قدرة على التشكل والتصور، يتصور في صورة إنسان: كما جاء جبريل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في صورة دحية الكلبي ورآه الصحابة في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، وسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان والإسلام والإحسان، فتعجبت الصحابة من كونه مسافرًا.
والأسفار في ذلك الزمان ليست كالأسفار الآن؛ الذي يأتى من السفر تكون ثيابه مُتِّسخة، شعره كذلك مُغبَّر، وهذا الرجل ثيابه بيض، وشعره أسود ليس فيه غبرة، فتعجبوا، وسأل عن الإسلام والإيمان والإحسان، ثم أخبرهم أنه جبريل هم كذلك، أعطاهم الله القدرة على التصور، وكذلك الجن يتصورون.
فلما لطمه رجع إلى ربه وردّ الله عليه عينه، وقال له: ارجع إليه فقل له: ضع يدك على متن ثور -يعني على ظهر ثور- فلك بكل ما غطت يدك من الشعر كل شعرة مقابل سنة، كم تغطي اليد إذا وضعها على متن الثور؟ شَعَرات كثيرة، لكن الله ألقى في قلب موسى -عليه الصلاة والسلام- أنه يطلب الموت الآن، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: إن كان الموت لابد منه فالآن.
عمر موسى مُحدَّد لا يزيد ولا ينقص، ولكن الله ألقى في قلبه أن يطلب الموت الآن، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ثم سأل ربه أن يدنيَه من الأرض المقدسة -أي المكان المقدس- قدر رمية حجر قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: فإن قبره هناك فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر نعم.
وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، وإنما أثبته المؤلف في العقيدة؛ لأن بعض المبتدعة أنكره معللا ذلك بأنه يمتنع أن موسى يلطم الملك، ونرد عليهم بأن الملك أتى موسى بصورة إنسان لا يعرف موسى من هو، يطلب منه نفسه، فمقتضى الطبيعة البشرية أن يدافع المطلوب عن نفسه ولو علم موسى أنه ملك لم يلطمه؛ ولذلك استسلم له في المرة الثانية حين جاء بما يدل أنه من عند الله، وهو إعطاؤه مهلة من السنين بقدر ما تحت يده من شعر ثور.
مواعيد أفريل 2026
الآن 71
هذا اليوم 441
بالامس 11303
لهذا الأسبوع 24008
لهذا الشهر 441
لهذه السنة 758076
منذ البدء 17428082
تاريخ البدء 2015/05/05
أعلى إحصائية 18201
بتاريخ 2019/11/14