كشف الشبهات شرح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي الدرس 1

شرح كشف الشبهات شرح كشف الشبهات
الأربعاء 24 شوال 1438 هـ   الموافق لـ : 19 جويلية 2017 م
تحميل الشريط

عناصر الشريط

تفريغ الشريط

شرح كشف الشبهات

مقدمة في أقسام العلم النافع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

فإن هذه الدورات العلمية دورات ينبغي لطالب العلم أن يشارك فيها؛ لما يُرجى من النفع العظيم والفائدة العلمية، فهي دورات نفع الله بها.

الرسالة التي أُعلِنَ عنها في دراستي معكم في هذا الأسبوعِ رسالتان: رسالة لشيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- وهي رسالة "كشف الشبهات"، والرسالة الثانية "القاعدة المراكشية" لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- والرسالتان عظيمتان.

كل من هاتين الرسالتين تبحث في علم أصول الدين. فإن الرسالة المراكشية لشيخ الإسلام ابن تيمية تبحث في الأسماء والصفات، وهي جواب عن سؤال وُجِّه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فأجاب بهذه الرسالة وبيَّن معتقد أهل السنة والجماعة في العلو وفي إثبات الصفات لله عز وجل، وبيَّن ما عليه أهل التعطيل من الجهمية وتكفير العلماء لهم، وشيخ الإسلام -رحمه الله- هو الإمام العلم الداعية العالم المجتهد المطلق المولود سنة ستمائة وإحدى وستين هجرية والمتوفى سنة سبعمائة وثمان وعشرين هجرية رحمه الله وغفر له، والرسالة الثانية لشيخ الإسلام المجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله المولود سنة ألف ومائة وخمسة عشر والمتوفى ألف ومائتين وستة رحمه الله رحمة واسعة.

ورسالة "القاعدة المراكشية" تبحث في الصفات، ورسالة "كشف الشبهات" تبحث في توحيد العبادة، وكلاهما يبحث في علم أصول الدين، وعلم أصول الدين أشرف العلوم؛ إذ هو يتعلق بأسماء الله وصفاته وأفعاله، وهو الفقه الأكبر كما سمى الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- ما كتبه فيما يتعلق بالله في أصول الدين سماه الفقه الأكبر.

والفقه الأكبر هو علم أصول الدين، هو علم يبحث في أسماء الله وصفاته وأفعاله، وما يجب له سبحانه، وما يجوز عليه، وما يمتنع، وهو معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا زبدة الرسالة الإلهية، ومعرفة المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله وعظيم حقه، وعليه تبنى مطالب الرسالة كلها، وهو أفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب، وأدركته النفوس، وحصلته العقول.

والحاجة إليه فوق كل حاجة، والضرورة إليه فوق كل ضرورة، حتى إن الحاجة إلى معرفة علم أصول الدين أعظم من الحاجة إلى الطعام والشراب، والضرورة إليه فوق الضرورة إلى الطعام والشراب والنفَس الذي يتردد بين جنبي الإنسان؛ لأن الإنسان إذا فقد الطعام والشراب مات الجسم، والموت لا بد منه، ولا يضره كونه يموت إذا كان مستقيما على طاعة الله، وإذا فَقَدَ علمَ أصول الدين، وجهل ربَّه، وجهل أسماءه وصفاته وأفعاله، وجهل عظيم حقه، مات قلبه، وماتت روحه، فمات موتا سرمديا، وإن كان يمشي مع الناس، فإذن أفضل العلوم وأشرفها وأعظمها علم أصول الدين، ثم يليه أصلان عظيمان:

الأصل الأول: معرفة الطريق الموصل إلى الله، وهي الشريعة المتضمنة لأمره ونهيه، وهو علم الفروع، الذي يتعلق بالحلال والحرام والأوامر والنواهي.

الأصل الثاني: معرفة حال السالكين حينما يصلون إلى الله، ممن سلك إلى الله واستقام على طاعته، فيعرف ما له من الكرامة والفوز العظيم والثواب العظيم، ومعرفة ما لمَن انحرف عن هذا الطريق ولم يعبد الله ولم يؤدِّ حق الله وأشرك بالله ما له من العذاب السرمدي في الآخرة.

أقسام العلم النافع ثلاثة:

القسم الأول: علم أصول الدين، وهو معرفة المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله وعظيم حقه.

الثاني: علم الفروع وهو معرفة الحلال والحرام، والأوامر والنواهي.

والثالث: العلم بشئون المعاد، وما يكون للإنسان بعد موته من البعث والجزاء والحساب والجنة والنار والصراط والميزان.

هذه الثلاثة هي أقسام العلم النافع ليس لها رابع كما قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-:

والعلـم أقســام ثـلاث مـا لـها

مـن رابـع والحــق ذو تبيـان

علـم بـأوصـاف الإلــه وفعلـه

وكــذلك الأســماء للرحــمن

والأمـر والنـهي الـذي هـو دينه

وجــزاؤه يـوم المـعاد الثـاني

فالأول:

علـم بـأوصـاف الإلــه وفعلـه

وكــذلك الأســماء للرحــمن

فهو العلم بأوصاف الإله وفعله وأسمائه.

الثاني:

والأمـر والنهي الـذي هـو دينه

...................................

هذا هو علم الحلال والحرام المأخوذ من الشريعة.

..................................

وجــزاؤه يـوم المـعاد الثـاني

هذا علم شئون المعاد.

والكل فـي القـرآن والسنن التي

جـاءت عـن المبعوث في القرآن

وأعرف الناس بالله أطوعهم وأتبعهم للطريق الموصل إليه، فأعرف الناس بالله هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهم أعلم الناس بالله، وأطوع الناس لله، وأتبعهم للطريق الموصل إليه، وأتبعهم وأطوعهم الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وأطوع الرسل وأتبعهم أولو العزم الخمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد -على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم-.

وأطوعهم الخليلان: إبراهيم ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- فإنهما قاما بهذا الأمر فعَلِما منه ما لم يعلم غيرهما، قاما بهذا الأمر بما لم يقم به غيرهما، علما وحالا ودعوة للخلق وجهادا، وقد سمى الله -سبحانه وتعالى- ما أنزله على نبيه الكريم من الوحي روحا؛ لتوقف الحياة الحقيقية عليه، وسماه نورا لتوقف الهداية عليه، فلا روح ولا حياة إلا بالقرآن والسنة، ولا نور ولا هداية إلا بالاستضاءة بهما.

قال الله تعالى: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وقال سبحانه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ وهذا العلم الذي بعث الله به رسوله -عليه الصلاة والسلام- يجب على كل أحد أن يؤمن به ويعلمه علما مجملا.

كل أحد عليه أن يؤمن بالله وبما جاء عن الله، وبما جاء عن رسول الله إجمالا، وأن يعلم ما جاء عن الله وعن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إجمالا، وأما العلم التفصيلي بما جاء به الرسول -عليه الصلاة والسلام- فهو فرض كفاية لا يجب على كل أحد.

أما التفصيل فإنه يختلف باختلاف أحوال الناس، فالعلماء الذين أعطاهم الله البصيرة في الدين والذين استمعوا النصوص وعرفوها وفهموها يجب عليهم ما لا يجب على غيرهم، والقاضي والمفتي يجب عليه ما لا يجب على غيره، ورؤساء الناس وأعيانهم يجب عليهم ما لا يجب على غيرهم، ومن كان عنده قدرة على الفهم وسماع العلم يجب عليه ما لا يجب على غيره.

وهكذا يختلف الواجب باختلاف أحوال الناس وقدرهم وما أعطاهم الله، وإذا عرف الإنسان العلم الذي بعث الله به الرسول، عرف علم أصول الدين وعرف ربه بأسمائه وصفاته وعظيم حقه دعاه ذلك إلى أن يطلب الطريق الموصل إليه، ويتعلم الشريعة، يتعلم الأوامر والنواهي حتى يعبد ربه على بصيرة، يمتثل أوامر الله ويجتب نواهيه.

والرسل أعرف الناس بالله عز وجل وأتبعهم إلى الطريق الموصل إليه امتثلوا أوامر الله وانتهوا عن نواهيه، وتبع نبيَّنَا -عليه الصلاة والسلام- في ذلك الصحابة والتابعون لهم بإحسان، كلهم ساروا على هذا المنهج ثم جاء بعدهم آخرون، خلَفَهم خَلْفٌ من أهل الكلام الذين أعرضوا عن كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وتركوها وراءهم ظِهريا، واعتمدوا على مناهج أهل الفلسفة واعتمدوا على الأدلة العقلية التي استنتجوها بعقولهم، وعلى المناهج الفلسفية، واعتمد أهل التصوف على طريقة أهل التصوف

وكثر النفاق، في أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وشابهوا المنافقين فالمنافقون إذا دُعوا إلى الله ورسوله وإلى التحاكم إلى الشريعة اعترضوا، وقالوا: نريد أن نوفق بين الشريعة وبين ما نتحاكم إليه.

وكذلك أهل الكلام إذا دعوا إلى العمل بالكتاب والسنة، قالوا: نريد أن نوفق بين الدلائل النقلية والدلائل العقلية بين الشريعة، وما تدل عليه العقول وأهل الفلسفة إذا دُعوا إلى الله ورسوله، قالوا: نريد أن نوفق بين المناهج الفلسفية وبين الشريعة.

وكذلك ملوك السوء والجور في عصور متتابعة يعرضون عن الشريعة، وإذا دعوا إلى الشريعة قالوا: نريد أن نوفق بين السياسة والشريعة.

وقد بين الله سبحانه وتعالى أنه لا يحصل الإيمان للمنافقين حتى يتحاكموا إلى شرع الله ويتحاكموا إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- ويقدموا حكم الله وحكم الرسول على كل شيء ويطمئنوا إليه ويسلموا له، قال سبحانه: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .

تصحيح العقيدة الأهم الأعظم:

فالواجب على الأمة جميعا أن تستقيم على دين الله وشرعه، وأن تُحكِّم كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- والواجب على طلبة العلم أن يتعلموا شريعة الله، وأن يعتنوا بعلم أصول الدين؛ لأنه هو أساس الدين وأساس الهداية، وأساس الملة معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله وعظيم حقه، هذا علم أصول الدين وهو الفقه الأكبر، ثم علم الفروع وهو علم الحلال والحرام والأوامر والنواهي.

وطالب العلم عليه أن يرتبط بالكتب ولا يكون بعيدا عنها، فطالب العلم إنما يكون طالب علم ببحثه وعنايته وسؤاله عما أشكل عليه وقراءته لكتب العلماء، ولا يكون بعيدا عنها.

فإذا بعد الإنسان عن الكتب صار عنده انقطاع وانفصال عن كتب أهل العلم، فكثير من الناس يعتمد على ما يسمع من المحاضرات والندوات والكلمات لكنه ما يرتبط بالكتب العلمية، فإذا قرأ في كتب العلماء وكتب الأقدمين ما استطاع أن يعرف طريقة العلماء وعباراتهم واستنباطاتهم وكيفية منهجهم في البحث والاستدلال.

ورسالة "كشف الشبهات" للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- رسالة عظيمة ينبغي لطالب العلم أن يقرأها كثيرا، وأن يتأملها ويتدبرها ويتفهمها ويحفظها أيضا؛ لأنها رسالة عظيمة، عبارة عن سلسلة شبهات للمشركين وتفنيدها وإبطالها، فهي رسالة عظيمة تكتب بماء الذهب لا يستغني عنها طالب العلم، فأنا أنصح بقراءتها كثيرا وحفظها.

في هذه الرسالة بيان توحيد العبادة وتوحيد الألوهية الذي هو حق الله على العباد، فيها بيان الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والعبادة.

بيّن الشيخ -رحمه الله- أن كثيرا من الناس لا يعرفون معنى لا إله إلا الله، وإنما يكتفون بالألفاظ فقط، والذكي منهم هو الذي يفسرها بتوحيد الربوبية، فيقول: لا إله إلا الله، لا خالق إلا الله، فهم لا يعرفون معنى لا إله إلا الله، ولا يفرقون بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وبعض هؤلاء علماء فطاحل في الحديث أو في التفسير أو في الفقه أو اللغة والأدب.

وقد ذكر سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله- في فتاويه قصة لبعض التجار المسلمين أنه وافق بعض المحدثين الذين هم ضد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الهند، وكان التاجر لا يستطيع أن يناظر العلماء لكن معه الكتاب، وكان بعض هؤلاء المحدثين يحذِّرون من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بسبب أنهم نشئوا على هذا منذ الصغر.

فأتى هذا التاجر وأخذ غلاف الكتاب، ودفعه للمحدث، قال: ما تقول في هذا الكتاب، فأعجب به فطلب أن يبقيه عنده فأبقاه عنده، ثم قال: ما تقول في هذا الكتاب؟ قال: أقول هذا الكتاب نفسه نفس الإمام البخاري على طريقته في الاعتقاد والتبويب والتراجم والاستنباطات، ثم أتى التاجر بالغلاف وأعطاه المحدث فتأسف كثيرا، وقال: إنما نُشِّئْنا على هذا منذ الصغر.

والمقصود أن هناك كثيرا من العلماء الكبار تجده عالما في الفقه لا يُجارى لكن لا يفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، عالما في التفسير ولا يفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، عالما في النحو لا يفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، عالما في الحديث لا يفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، والسبب في ذلك أنهم نشئوا منذ الصغر على هذا.

ومن أسباب ذلك أن المؤلفين المتأخرين فصلوا في مؤلفاتهم في كتب الفقه والحديث الكلام في التوحيد والعقائد وأصول الدين فنجد المؤلفين في الفقه أول ما يبدأ في كتاب الطهارة، وفي كتب الحديث أول ما يبدأ في كتاب الطهارة، والكلام في علم الله وتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية جعلوا لها كتبا خاصة، وصار الإنسان أول ما يبتدئ في كتب الفقه في كتاب الطهارة، وكذلك في كتب الحديث وغيرها، بخلاف طريقة الأقدمين مثل الإمام البخاري ومسلم ابتداء كتابه في كتاب الإيمان.

لكن المتأخرين جعلوا: كتب أصول الدين في مؤلفاتهم مستقلة حتى يعتني بها الطلاب، وابتدءوا كتب الفقه والحديث بالطهارة والصلاة، فصار كثير من الناس عنده ضعف في علم التوحيد والعقائد ولهذا يقول الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- لمن يناظر: أطلب منكم أن تقرءوا في كتب التوحيد ككتب علم أصول الدين وتدرسوهما كما تدرسون أحكام الطهارة والحيض والنفاس والصلاة، ساووا هذا بهذا اقرءوا كما كنتم تقرءون في الفروع وتعتنون بها فاعتنوا بالأصول، حتى تعرفوا الله بأسمائه وصفاته، تعرفوا عظيم حقه، وتفرقوا بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.