كشف الشبهات شرح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي الدرس 5

شرح كشف الشبهات اتخاذ الوسائط والابتداع في العبادة عمل ينافي التوحيد
الأربعاء 24 شوال 1438 هـ   الموافق لـ : 19 جويلية 2017 م
تحميل الشريط

عناصر الشريط

تفريغ الشريط

اتخاذ الوسائط والابتداع في العبادة عمل ينافي التوحيد

..أرسله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة وعيسى ومريم وأناس غيرهم من الصالحين، فبعث الله محمدا -صلى الله عليه وسلم- يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم عليه السلام، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله.

نبينا -عليه الصلاة والسلام- أرسله الله إلى قوم يتعبدون، يصلون ويصومون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرا لكنهم لم يفردوا الله بالعبادة، ولم يخصوه بالعبادة، فهم يعبدون الله ويعبدون معه غيره، فكان المشركون يحجون في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، والنبي -صلى الله عليه وسلم- حج قبل البعثة معهم.

ولكن قريش غيرت دين إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، من الأشياء التي غيّروها كانت العرب تحج وهم مشركون، لكن الواحد منهم إذا حج يمتنع من الطواف بثيابه؛ لأنه عصى الله فيها يقول: أنا ما أطوف بثيابي هذه، ثيابي نجسة، أنا عصيت الله فيها، فإذا جاء إلى مكة يطلب من أحمسي أي رجل من قريش يعطيه ثوبا يطوف به؛ لأن أهل البيت وأهل الحرم يسمَّوْن الحُمس، فإذا وجد أحدا يعطيه طاف به وإن لم يجد خلع ثوبه وطاف عريانا، حتى المرأة إذا جاءت لتحج طلبت ثوبا، فإن لم تجد طافت عريانة، وجعلت يدها على فرجها وتقول:

اليـوم يبـدو كلـه أو بعضـه

ومـا بــدا منـه فلا أحله

وهذا من جهلهم واستحواذ الشيطان عليهم.

ومن الأشياء التي غيَّروا فيها أن قريشا كانوا إذا حجوا لا يتجاوزون المزدلفة فهي نهاية الحرم ويقولون: نحن أهل الحرم لا نتعدى الحرم أما العرب فكانوا يقفون بمكة. فلما حج النبي -صلى الله عليه وسلم- حجة الوداع ظنت قريش أنه لا يتجاوز الحرم كما كانوا يفعلون في الجاهلية، فتجاوز -عليه الصلاة والسلام- ووقف بعرفة وجاء بعض الناس يطلب بعيرا له بعرفة فوجد النبي -صلى الله عليه وسلم- هناك فقال: ما له أحمسيّ ومع ذلك تجاوز عرفة وكانوا يصومون.

قد ثبت في الصحيحين أن يوم عاشوراء كان يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان يصومه النبي -صلى الله عليه وسلم- معهم في الجاهلية، وكانوا يصلون، وكانوا يتعبدون ويتصدقون ولهم مؤتمرات يعقدونها في رفع الظلم عن المظلوم، ومن ذلك حلف المطيَّبين.

فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أدرك هذا قبل البعثة فقال: أدركت حلف المطيَّبين ما أحب أن أنكثه وأن لي كذا وكذا. وذلك أن قوما اجتمعوا وجاءوا بجفنة فيها طيب وغمسوا أيديهم في هذه الجفنة، وتعاقدوا على نصر المظلوم، وعلى أن ينصر المظلوم حتى يرد إليه حقه، وتعاقدوا أيضا على الإحسان إلى المحتاج، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أثنى على هذا العهد وهذا التعاقد، قال: ما أحب أن أنكثه وأن لي كذا وكذا؛ لأنه تعاقد وتعاهد على نصر المظلوم وإزالة الظلم.

فكانوا يعبدون الله ثم يذهبون يعبدون اللات والعزى، ومنهم من يعبد الأنبياء المسيح عليه السلام، منهم من يعبد أُمَّهُ، منهم من يعبد عزيرا منهم من يعبد الشمس، منهم من يعبد القمر، لماذا يعبدونها؟ يقولون: نريد منهم القربة والجاه والشفاعة، فهم أقرب منا إلى الله، المسيح نبي فهو ما كان عند الله فهو ينقل حوائجنا إلى الله ويقربنا إلى الله، مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى هذه مقالتهم وفي الآية الأخرى يقول الله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ .

فالبلاء الذي جاءهم والشرك الذي حصل لهم، سببه أنهم لم يخصوا الله بالعبادة، ولهذا قال الشيخ -رحمه الله- حينما افتتح هذه الرسالة -التوحيد-: "اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة" إفراد أي تخصيص الله بالعبادة، فالمشركون لم يخصصوا الله بالعبادة، قالوا: نعبد الله ونعبد غيره، في وقت يعبدون الله وفي وقت يعبدون الشمس، في وقت يعبدون الله وفي وقت آخر يعبدون القمر، في وقت يعبدون الله وفي وقت آخر يعبدون المسيح في وقت يعبدون الله وفي وقت آخر يعبدون اللات، في وقت يعبدون الله وفي وقت آخر يعبدون العزى.

ولما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا امتنعوا، ولما قال لأبي جهل قولوا كلمة إذا قلتموها ملكتم بها العرب ودانت لكم بها العجم فقال أبو جهل ما هذه الكلمة؟ كلمة واحدة! لنعطينكها وعشرة أمثالها، فقال: هي لا إله إلا الله، فأبى وامتنع ورفض رفضا باتا ونكص على عقبيه وهو ينفض يديه ويقول: أجعل الآلهة إله واحدا.

وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ اصبروا عليها يوصي بعضهم بعضا، هذه هي الحجة الشيطانية، الحجة القرشية اتباع الآباء والأجداد في الباطل.

وهي حجة فرعونية، حيث فرعون قابل موسى قال: فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى احتج بما كان عليه السابقون، فإذن حجة المشركين اتباع الآباء والأجداد في الباطل.

وفي الآية الأخرى بل قالوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ . إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ يعني على دين.

اتباع الآباء والأجداد في الباطل هذه هي الحجة الفرعونية، وهي الحجة القرشية، وهي حجة ملعونة، ولذلك أبو طالب عم الرسول -عليه الصلاة والسلام- كان يحميه ويرد عنه ويدافع عنه، وحرص النبي -عليه الصلاة والسلام- على هدايته كل الحرص ولكن عجز، فالأمر لله والأمر بيد الله ولله الحكمة البالغة، وكان أبو طالب معترفا بصدق الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وأن الدين الذي جاء به هو الحق، معترف عن يقين وصدق، عن يقين قلب، ولهذا يقول في قصيدته المشهورة:

ولقد علمـت بأن دين محمــد

من خيـــر أديان البرية دينـا

لـولا المـلامة أو حـذار سبة

لوجــدتني سمحـا بـذاك مبينا

لقد علمت علم يقين ليس فيه إشكال، علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا. ما الذي منعه؟ اتباع الآباء والأجداد.

لـولا المـلامة أو حـذار سبة

.........................

لولا أن الناس يلومونني، أو أن أسب آبائي وأجدادي، فإني إذا وحدت الله سَبَبْتُ آبائي وأجدادي، تنقصت دينهم واحتقرتهم. وفي بيت آخر:

فـواللـه لولا أن أجـيء بسُبّة

تجـر على أشياخنا فـي المحافل

وهم آباؤه وأجداده لأقررت به عينك، ولما حضرته الوفاة جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ولقنه الشهادة، وقال: يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله لكن كان عنده رجلان من قرناء السوء من الكفار فلقناه الحجة الملعونة، وقالا له: أترغب عن ملة أبيك عبد المطلب ؟ ملة أبيه الكفر عبادة الأصنام والأوثان.

فأعاد عليه النبي وقال: يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله فأعاد عليه الحجة الملعونة، وقال: أترغب عن ملة أبيك عبد المطلب ؟ فأعاد عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأعاد فكان آخر ما قال عند خروج روحه هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله، امتنع فمات على الكفر والشرك، نسأل الله السلامة والعافية.

ولله في خلقه شئون، والهداية بيد الله، ونزل في ذلك قول الله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ الهداية تكون بيد الله، فصار مثلا يقال: النبي ما استطاع هداية عمه، وإبراهيم ما هدى أباه، هداية القلوب بيد الله، أما الهداية التي بمعنى الدلالة والإرشاد والوعظ والبيان هذه بيد الرسول، قال الله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .

وكذلك يملكها العلماء والدعاة يبينون ويوضحون، لكن هداية القلوب كونه يقبل الحق ويرضى به ويختاره، هذا إلى الله، وهذا من حكم الله وأسراره في خلقه، الدلالة على أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- بشر ليس بيده شيء، وأن الأمر بيد الله، وهداية القلوب بيد الله لا يملكه أحد، حتى أفضل الناس -وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم- ليس بيده شيء من هداية القلوب وتفريج الكروب، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ .

ولَه الحكمة البالغة، من الحكم ليعلم الناس أن هداية القلوب بيد الله، وأن الرسول بشر لا يملك من هداية القلوب شيئا، فلا يصلح للعبادة، نبي كريم يطاع ويتبع ويعظم ويحب أعظم من محبتنا لأنفسنا ولأولادنا، لكن لا نعبده، فالعبادة حق الله، لو كان يستطيع ويملك شيئا لهدى عمه أبا طالب قد حرص كل الحرص، ولو كان يعلم الغيب لما مسه السوء، كما الله تعالى: وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ، وقال الله له في آية أخرى للكفار: قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ لكن ليس بيدي شيء.

ولما آذاه صناديد قريش مثل شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وجماعة من صناديد قريش فكان يدعو عليهم في صلاة الفجر ويقنت ويدعو بعدما يقول سمع الله لمن حمده في الركعة الأخيرة يقول: اللهم العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة ، والصحابة أفضل الناس يؤمِّنون ويقولون آمين خلفه، فنزل قول الله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ فمنَّ الله عليهم بالإسلام؛ ليعلم العباد أن الأمر بيد الله، وأن الرسول -عليه الصلاة والسلام- لا يصلح للعبادة، العبادة حق الله.