فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين مجمل ومفصل، أما المجمل: فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وقد صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-أنه قال: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم .
مثال ذلك: إذا قال لك بعض المشركين أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وأن الشفاعة حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر كلاما للنبي -صلى الله عليه وسلم- يستدل به على شيء من باطله -وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره- فجاوبه بقولك: إن الله ذكر في كتابه: أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن الله -تعالى- ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ .
هذا أمر محكم بيِّنْ لا يقدر أحد أن يغير معناه، وما ذكرت لي أيها المشرك من القرآن، أو كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-لا أعرف معناه، ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-لا يخالف كلام الله -عز وجل-، وهذا جواب جيد سديد، ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى، فلا تستهن به فإنه كما قال تعالى: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
هذا جواب عظيم، جواب مجمل، يستطيع كل إنسان أن يجيب به المشرك، ولو لم يكن عنده علم، والجواب يعتمد على الآية -آية آل عمران- وهي قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ .
فالله تعالى أخبر في كتابه العظيم، أنه أنزل الكتاب وأن الكتاب منه آيات محكمات ومنه آيات متشبهات، وأن طريقة أهل الزيغ يتعلقون بالمتشابه ويتركون المحكم الواضح المعنى البيِّن، فهناك آيات واضح معناها بيِّن، وهذا يسمى المحكم، وهناك آيات متشابهة معناها ومشكل، فأهل الحق يأخذون بالمحكم، والنصوص المتشابهة يردونها إلى المحكم، ويفسرونها بالمحكم فيتضح المعنى، ويتبين ويزول الإشكال.
مثال ذلك: إذا قال النصراني: الآلهة ثلاثة -الله ومريم وعيسى - وفي كتابكم دليل على أن الآلهة ثلاثة، وهو قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ نحن جمع، وهذا يدل على أن الآلهة متعددة فنقول: هذا قول من في قلبه زيغ، حيث أنه يتعلق بالمتشابه وتترك المحكم، فعندنا آيات محكمات مثل قوله تعالى:
وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي .
هذه الآيات محكمة، فنحن نرد المتشابه إليها فقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ نحن للواحد المعظم نفسه، وهذا معروف في لغة العرب فأنا أرد الآية التي فيها اشتباه إلى المحكم الواضح المعنى وأفسرها، فيزول الإشكال، لكن من في قلبه زيغ يتعلق بالمتشابه، ويترك المحكم الواضح، فإذا جاء وقال لك: الأولياء لهم جاه عند الله ولهم منزلة، قال الله تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ فأخبر أنهم لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وقال: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ .
لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ أنا أطلب منهم يشفعوا لي عند الله، وينقلوا الحوائج إلى الله، وأنا أعرف أنهم لا ينفعون ولا يضرون، نقول له: عندنا نصوص محكمة واضحة، وهي أن الله أخبر أن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية قال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ .
ثم بَيَّنَ سبحانه أن كفرهم إنما هو بالتعلق على الصالحين مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ سماهم كفرة وكذبة بهذا القول قال: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ .
هذه نصوص محكمة بَيَّنَ الله أن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية، وأن سبب شركهم وكفرهم التعلق بالصالحين أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ منهم من يعبد المسيح منهم من يعبد الشمس والقمر، منهم من يتعلق بالملائكة وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ وهذه النصوص دلت على أن الكفار يقرون بتوحيد الربوبية، وشركهم بسبب تعلقهم بالصالحين ودعائهم من دون الله وطلبهم الشفاعة، وطلبهم الزلفى والقربى منهم، أما النصوص التي ذكرتها أنت فلا أعرف معناها.
ولكني أجزم وأقطع بأن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام الرسول لا ينافي كلام الله، والله -تعالى- أخبر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتعلقوا بالمتشابه، ويتركوا المحكم الواضح، وأما الراسخون في العلم فيؤمنون بالجميع، ويقولون: آمنا به، فهذا جواب عظيم، فأي شُبه يأتي بها المشرك يريد أن يشبه عليك، ويريد بها أن يثبت أنه لا بأس بدعاء الصالحين أو الذبح لهم، أو النذر لهم.
فتجيبهم بهذا الجواب.
وتقول له: يجب عليك أخذ النصوص المحكمة وتفسر بها النصوص التي اشتبهت عليك، حتى تكون من أهل العلم، أما أن تأخذ نصوصا متشابهة وتترك النصوص الواضحة فهذا دليل على أن في قلبك زيغ، ثم أخبره أن النصوص المحكمة تدل على شرك من تعلق بغير الله، وأن كفار قريش لم يكفروا إلا بها، وإن كانوا يقرون بتوحيد الربوبية.
وهذا الجواب إجمالي، وسيأتي الجواب التفصيلي، وهذا مثل ما قال المؤلف: هذا جواب سديد نافع لا تتهاون به ولا تستهن به، ما يوفق له إلا أهل الصبر وأهل البصيرة وأهل الحظ العظيم، كما قال الله: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ .
مواعيد فيفري 2026
الآن 50
هذا اليوم 8346
بالامس 12805
لهذا الأسبوع 61931
لهذا الشهر 214657
لهذه السنة 412661
منذ البدء 17082667
تاريخ البدء 2015/05/05
أعلى إحصائية 18201
بتاريخ 2019/11/14