كشف الشبهات شرح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي الدرس 89

شرح كشف الشبهات فعل المؤمن لأفعال المشركين يوقعه في الشرك
الأربعاء 24 شوال 1438 هـ   الموافق لـ : 19 جويلية 2017 م
تحميل الشريط

عناصر الشريط

تفريغ الشريط

فعل المؤمن لأفعال المشركين يوقعه في الشرك

ومن الدليل على ذلك أيضا ما حكى الله عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ وقول أناس من الصحابة اجعل لنا ذاتَ أنواط، فحلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّ هذا مثْل قول بني إسرائيل لموسى -عليه السلام: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا .

هذا الدليل فصَله المؤلف، يصلح أن يكون جوابا ثامنا، وهو أن بني إسرائيل الذين كانوا مع موسى -عليه الصلاة والسلام-، كانوا معه مؤمنين مع صلاحهم وعلمهم، وهم الخلاصة من بني إسرائيل الذين شهدوا فرعون وقد أغرقه الله وقومه، ونجاهم الله وهم ينظرون، وأهلك عدوهم وهم ينظرون.

قائدهم موسى -عليه الصلاة والسلام- وفرعون معه الكفار فتبع فرعون ومن معه موسى ومن معه، يطلبهم لقتالهم، فلما أقبل جيش فرعون وتراءى الجمعان، ورآه جيش موسى خاف بنو إسرائيل وقالوا: يا موسى إنا لمدرَكون، جاءنا فرعون ومن معه، فرعون ومن معه خلفنا والبحر أمامنا ماذا نعمل؟ أدرَكنَا فرعون قال موسى كلا، لستم بمدرَكين إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ .

فلما وصل البحر أمر الله موسى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق البحر، فصار اثني عشر طريقا يبسا في الحال، صار كالطود العظيم، صارت أمواج البحار كأنها جبال، عن يمين الداخل وعن شماله، والوسط يابس كأنه طريق مُعَبَّد، كل قبيلة سلكت طريقا، مرتاحين، يمشون على أرض يابسة وسط البحر. هذا من الدلائل العظيمة على أن الله على كل شيء قدير.

فدخلوا.. فلما جاء فرعون وقومه يريدونهم، رآهم دخلوا البحر، ورأوا البحر يابسا، دخلوا تبعوا، ثم خرج موسى وقومه من الجهة الأخرى، وتكامل موسى ومن معه من الجهة الأخرى خارجين، وتكامل فرعون وقومه داخلين، أمر الله البحر أن يعود إلى حاله، فانطبق على فرعون وجنوده، فغرقوا كلهم.

فصارت أجسامهم للغرق وأرواحهم للنار والحرق -نعوذ بالله- وقوم موسى ينظرون، بنو إسرائيل نجاهم الله، وهم الخلاصة من بني إسرائيل فلما خرج بهم موسى وجعلوا يمشون مرُّوا على أناس يعبدون صنما قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ هات لنا إلها مثلهم، فاستعظم موسى -عليه السلام- هذا، وأنكر عليهم، وغلّظ عليهم، فقال: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ثُمَّ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ .

فهؤلاء - وهم بنو إسرائيل - مع صلاحهم وعلمهم، والذي شاهدوه إغراق الله لفرعون ومن معه، قالوا هذه المقالة، فأنكر عليهم موسى وبيّن أن هذا أمر عظيم، وأن هذا من الشرك الأعظم، ولو فعلوا كما فعل أولئك الذين لهم إله لكفروا مثلهم.

ومثله ما وقع من الصحابة في غزوة حنين كما روَى أبو واقد الليثيّ -رضي الله عنه- قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وكنا حديثي عهد بِشِرْكٍ.. اعتذار هذا، يقول: أسلمنا قريبا، ما تمكّن الإسلام من قلوبنا، أسلموا في مكة وساروا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة حُنَين فمرّوا بالمشركين ولهم سدرة، شجرة عظيمة كبيرة، يتبرَّكون بها ويعلقون عليها أسلحتهم.

فقالوا: يا رسول الله: اجعل لنا ذاتَ أنْوَاط، شجرة نتبرك بها، ونعلق بها أسلحتنا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: الله أكبر! إنها السنن، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ أنكر عليهم، وغلّظ عليهم -عليه الصلاة والسلام- وبيّن أن هذه المقالة مثل مقالة بني إسرائيل ؛ لأن العبرة بالمعاني والحقائق، وإن كانت مختلفة الألفاظ لكن المعنى واحد.

أولئك طلبوا إلها، وأنتم طلبتم شجرة، تتبركون بها كما يتبرك المشركون فبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم.. وهم مع النبي -صلى الله عليه وسلم- يجاهدون، لو فعلوا لكانوا مثل أولئك لكن للمشركين شبهة، وهم يقولون: إن بني إسرائيل ما كفروا والصحابة ما كفروا، وهم طلبوا أن يفعلوا الشرك؟

والجواب عن هذا أن بني إسرائيل ما فعلوا، ما اتخذوا إلها، زجرهم موسى فانزجروا ولم يفعلوا، لو فعلوا لكانوا مشركين، وكذلك الصحابة الذين طلبوا شجرة ما فعلوا، فلو تَركوا قول النبي -صلى الله عليه وسلم- وتبرّكوا بشجرة مثل المشركين لكانوا مشركين، لكنهم ما فعلوا، هذا دليل على أن الإنسان إذا لم يفعل الشرك، لا يكون مشركا، وإذا تكلّم بكلام عن جهل وهو جاهل، فإنه يُعذر في هذا الجهل، فإذا تكلم بكلام كفر جاهلا، واستغفر الله وتاب، فلا يضر.