كشف الشبهات شرح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي الدرس 101

شرح كشف الشبهات عرض جبريل العون على إبراهيم عليه السلام في النار
الأربعاء 24 شوال 1438 هـ   الموافق لـ : 19 جويلية 2017 م
تحميل الشريط

عناصر الشريط

تفريغ الشريط

عرض جبريل العون على إبراهيم عليه السلام في النار

ولهم شبهة أخرى، وهي قصة إبراهيم -عليه السلام- لما ألقي في النار اعترض له جبريل في الهواء فقال: ألك حاجة؟ فقال: إبراهيم -عليه السلام- أما إليك فلا، فقالوا: لو كانت الاستغاثة شركا لم يعرضها على إبراهيم

فالجواب أنها من جنس الشبهة الأولى، فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه، فإنه كما قال الله -تعالى- فيه: شَدِيدُ الْقُوَى فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره أن يضع إبراهيم -عليه السلام- في مكان بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل.

وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلا محتاجا فيعرض عليه أن يقرضه، أو أن يهب له شيئا يقضي به حاجته، فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ ويصبر إلا أن يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد، فإن هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟

هذه الشبهة من جنس الشبهة السابقة، وأنهم يستدلون على جواز الاستغاثة بالميت بقصة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- لما ألقي في النار، معروف أن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- أنكر على أبيه وقومه عبادة الأصنام والأوثان وكسرها، ودعاهم إلى التوحيد، لكنهم أبوا استكبروا وعاندوا، فأصروا على القضاء على إبراهيم والتخلص منه، جمعوا له حطبا عظيما، ثم أججوها نارا، وألقوا إبراهيم عليه السلام في هذه النار.

فلما ألقوه في الهواء ساقطا في النار وهو يهوي من الجو إلى النار عرض له جبريل قال: ألك حاجة؟ أي: هل تريد أن أساعدك؟ قال إبراهيم من قوة توحيده وإيمانه وتعلقه بالله: أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى، فجاء الفرج من الله أسرع من إغاثة جبريل قال الله: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ .

فلما قال الله للنار: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ صار جو النار معتدلا، قال العلماء لو قال الله كوني بردا لمات إبراهيم من شدة البرد، وصارت بردا أي: ثلجا، فمات من شدة البرد، ولو تركها على حالها لمات إبراهيم من شدة حرها، فلما قال الله: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا صار جو النار معتدلا، لا حرا ولا بردا، فلا تضره النار، ولا يموت من شدة الحر، ولا يموت من شدة البرد.

وهذا أسرع من إغاثة جبريل قالوا: وهذا الدليل على جواز الاستغاثة بالميت؛ لأن جبريل عرض لإبراهيم في الجو وعرض عليه الاستغاثة، والجواب أن الاستغاثة من الحي الحاضر القادر لا بأس بها، جبريل حي حاضر قادر، أعطاه الله القوة والقدرة، فإنه كما قال الله: شَدِيدُ الْقُوَى وله ستمائة جناح، كل جناح يملأ ما بين السماء و الأرض، وقد اقتلع مدنا بأكملها، مدن قوم لوط اقتلعها بطرف جناح من أجنحته، وأوصلها إلى السماء، ثم نكسها عليهم بأمر الله، ولو أمره الله أن يحمل النار لحملها وألقاها في المشرق أو في المغرب، ولو أذن الله له لأخذ إبراهيم وغيبه عنهم في أي مكان من الدنيا، ولو أمره الله أن يرفع إبراهيم إلى السماء لرفعه.

هذا لا ينكر كونك تستغيث بحي حاضر قادر يقدر، ولكن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- ما أراد الاستغاثة إلى المخلوق أبدا، ولو كان قادرا، يريد أن يتعلق بالله فقط ولا يتعلق بغيره، وضرب المؤلف -رحمه الله- مثل لهذا، قال: هذا مثل رجل فقير ليس عنده شيء من المال، وقد يكون عليه ديون، فجاء رجل محسن غني، وقال: تريد أن أقرضك شيئا من المال تنفق على أهلك وأولادك وتقضي به دينك، ولكن تعفف الفقير قال: كلا، أنا لا أريد منة المخلوق، ولو كنت محتاجا أصبر فصبر حتى يأتيه الله برزق من عنده لا منة فيه لأحد.

فكذلك جبريل حي حاضر، ويجوز لإبراهيم أن يستغيث به، لكنه أراد الإغاثة من الله، لا من أحد من المخلوقين هذا جواب الشبهة،....

لكن ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل" وقالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قالوا له: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ حسبنا الله يعني كافينا الله، وقالها النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد غزوة أحد لما حصلت الجراحات على الصحابة وجاء بعض الناس وقال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إن أبا سفيان قد أعد العدة ومن معه من الجيش يريد أن يستأصل البقية الباقية من المسلمين فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: حسبنا الله ونعم الوكيل، فكفاه الله شر أعدائه من المشركين