القواعد الأربع شرح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي الدرس 10

شرح القواعد الأربع القاعدة الثالثة أن النبي ظهر على ناس متفرقين في عباداتهم ولم يفرق بينهم
الأربعاء 24 شوال 1438 هـ   الموافق لـ : 19 جويلية 2017 م
تحميل الشريط

عناصر الشريط

تفريغ الشريط

القاعدة الثالثة
أن النبي -صلى الله عليه وسلم-
ظهر على ناس متفرقين في عباداتهم ولم يفرق بينهم

القاعدة الثالثة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ظهر على ناس متفرقين في عباداتهم، منهم من يعبد الشمس والقمر، ومنهم من يعبد الصالحين ومنهم من يعبد الملائكة ومنهم من يعبد الأنبياء ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، وقاتلهم -صلى الله عليه وسلم- ولا فرق بينهم.

والدليل قوله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ .

ودليل الشمس والقمر قوله -جل وعلا-: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ .

ودليل الصالحين قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا .

ودليل الملائكة قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ .

ودليل الأنبياء قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .

ودليل الأشجار والأحجار قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى .

وحديث أبي واقد الليثي قال -رضي الله عنه-: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال -صلى الله عليه وسلم-: الله أكبر، إنها السنن! قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ .

نعم. القاعدة الثالثة من القواعد التي يتميز بها المشرك من المؤمن الموحد: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعثه الله، وظهر على أناس من المشركين لهم معبودات شتى، لهم عبادات متنوعة، منهم من يعبد الشمس، ومنهم من يعبد القمر، منهم من يعبد الأشجار والأحجار، منهم من يعبد الملائكة، منهم من يعبد الصالحين منهم من يعبد الملائكة والأنبياء فكفَّرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلهم، ولم يفرق بينهم، كلهم جعلهم كفرة، لا فرق بين من يعبد الأشجار كافر، وقاتلهم، دمهم حلال، ومالهم حلال.

من يعبد الملائكة كافر، من يعبد الصالحين كافر، من يعبد الأنبياء كافر، كلهم كلهم كفرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يفرق بينهم، والدليل قوله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ والفتنة الشرك، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ يعني: حتى لا تكون شرك، حتى ينتهي الشرك ويأتي التوحيد، إذا جاء التوحيد انتهى القتال، "وقاتلوهم": استمروا في قتالهم حتى يذهب الشرك ويأتي التوحيد، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ يزول الشرك. وإذا جاء التوحيد، وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ هذا التوحيد، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ .

ولذلك قاتل النبي -صلى الله عليه وسلم- من يعبد الأشجار، واستحل دمه وماله، وقاتل من يعبد الأحجار، وقاتل من يعبد الصالحين وقاتل من يعبد الملائكة وقاتل من يعبد الشمس، وقاتل من يعبد القمر، كلهم كلهم كفَّرهم، وجعلهم وثنيين، ودماؤهم حلال، وأموالهم حلال، لا فرق.

فهذه قاعدة تعلم أن كل من عبد غير الله فهو مشرك ما فيه فرق بين من يعبد نبيا أو يعبد صالحا أو يعبد رسولا، أو يعبد شجرا، أو يعبد حجرا، أو يعبد جنيا، أو يعبد وثنًا، أو أي شيء معبود سوى الله يكون شركًا. لا بد أن تكون العبادة لله، التوحيد حق الله، لا يصرف لغير الله أيا كان.

فالنبي -صلى الله عليه وسلم- بعثه الله وظهر على أناس مشركين، معبوداتهم متنوعة، ومع ذلك سوَّى بينهم في القتال واستحلال الدم والمال، والحكم عليهم بالشرك والكفر، ثم ذكر المؤلف -رحمه الله- أدلة.

الدليل أن هناك على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- من يعبد الشمس والقمر قول الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ نهى عن عبادتهم، "واسجدوا لله" والدليل على أن هناك من يعبد الصالحين قوله سبحانه: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا .

الذين تدعون من دونه لا يملكون كشف الضر -إزالة الضر الذي حصل بكم- ولا تحويله من حال إلى حال أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ يعني: هؤلاء الذين تدعونهم، قيل: إن هذه نزلت في قومٍ يعبدون الجن فأسلم الجن وبقي الذين يعبدونهم على شركهم، فأخبرهم الله، قال: الذين تدعونهم موحدون، وأنتم بقيتم على شرككم، أولئك الذين تدعون أيها الإنس المشركون

أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ يعني: يبتغون القربة إلى الله بطاعته ويرجون رحمته ويخافون عذابه، إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا والدليل على أن هناك من يعبد الملائكة قول الله تعالى في سورة سبأ: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ .

والدليل على أن هناك من يعبد الأنبياء قول الله تعالى في شأن عيسى -عليه الصلاة والسلام-: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .

والدليل على أن هناك من يعبد الأشجار والأحجار قول الله تعالى في سورة النجم: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى هذه الأصنام الكبيرة عند العرب لما بُعِثَ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان هناك أصنام كبيرة، هناك اللاتّ لأهل الطائف ثقيف وهو رجل يلت السويق للحاج، والسويق: الحب، الحب المحموص يبله باللبن، بالماء أو بالسمن، فلما مات عكفوا على قبره وعبدوه من دون الله. هذا الرجل الذي يلتّ السويق على صخرة، وقيل: إن اللات اسم للصخرة التي عبدوها، وقيل: إنه للرجل الذي يلتها. نقول: اللاتّ بالتشديد: اسم للرجل، أو اللات بتخفيف التاء: اسم للصخرة، صار صنمًا كبيرًا.

والعزى شجرة لقريش ومن حولها، ومناة بنية لأهل المدينة ومن حولهم على الساحل، هذه الأصنام الكبيرة ذكرها الله في قرآنه العظيم، والأصنام كثيرة حتى صار لكل أهل قبيلة صنم، بل صار لكل أهل بيت صنم يعبدونه، بل كان الإنسان ما يصبر على الأصنام -والعياذ بالله من المشركين - إذا خرج في البرية، وذهب لا بد يأخذ معه صنما يعبده، ماذا يعمل، يعني يأخذ الأحجار، يأخذ أحجارا ثلاثة للقدر الذي ينصبه.

إذا أراد يطبخ ولّا كذا يأتي بقدر، ويأتي بثلاثة أحجار ويضع القدر عليه، ما عندهم غاز مثل الآن، ثم بعد ذلك ينظر في ثلاثة أحجار، إذا الأحسن من الأحجار يأخذها له ربا يعبده، فيه ثلاثة، واحد يعبده، وإذا رأى حجرا ثانيا رماه وأخذ الجديد وعبده، حتى كان بعضهم إذا لم يجد شيئا يجمع ترابا، ثم يجعل الشاة يحلبها عليه، ثم يعبده، وبعضهم يأخذ قطعة من التمر ثم يعبدها، ويعبدها ثم يأكلها، هكذا وصلت بهم الحال، نسأل الله السلامة والعافية.

لكن هذه الأصنام الكبيرة الثلاثة: اللات والعزى ومناة أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى وحديث أبي واقد الليثي -رضي الله عنه- قال: خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى حنين في غزوة حنين -غزوة حنين بعد فتح مكة - ونحن حدثاء عهد بشرك اعتذار هذا من الصحابي يقول: نحن الآن حدثاء عهد، حدثاء: يعني قريب عهدنا بالشرك، يعني: أسلمنا من قريب ولم يتمكن الإيمان من قلوبنا، ما تمكن التوحيد.

النبي -صلى الله عليه وسلم- فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، ولمَّا فتح مكة انصرف لقتال هوازن في حنين في الحال، وأخذ معه من أهل مكة الذين أسلموا ما يقارب ألفين جددا، أسلموا جديدا، ما تمكن الإسلام في قلوبهم؛ ولهذا يقول أبو واقد الليثي "خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى حنين ونحن حدثاء عهد بشرك". يقول: "فمررنا بسدرة"، شجرة كبيرة للمشركين ووجدنا مشركين يتبركون بهذه الشجرة، ويعلقون بها أسلحتهم، يرجون بركتها، مشركين: وثنيين.

مروا بسدرة كبيرة عظيمة للمشركين هذه يدورون حولها، ويتبركون بها، ويعلقون فيها أسلحتهم، وينوطون يعني يتبركون بها. فقال الذين أسلموا من جديد - أبو واقد وجماعته-: يا رسول الله، لو جعلت لنا سدرة نتبرك بها كما يتبرك هؤلاء. لماذا قالوا؟ اعتذر الصحابي، "نحن حدثاء عهد بشرك". ما عرفوا التوحيد، ما تمكن الإيمان من قلوبهم، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أنكر عليهم، طلبوا الشرك، لكن هل وقعوا في الشرك؟ ما وقعوا فيه.

فيه دليل على أن الإنسان إذا أراد أن يفعل الشرك، وطلب الشرك، ثم زُجِر ونُهِي، وانتهى، ما يقع في الشرك. فلما قالوا: يا رسول الله، اجعل لنا سدرة نتبرك بها مثل هؤلاء، فزجرهم النبي، وقال: "الله أكبر، إنها السنن"! التعجب، تعجب النبي -صلى الله عليه وسلم- من قولهم. "إنها السنن"، يعني: الطرق، أردتم أن تسلكوا مسلك المشركين السابقين الطرق، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ .

يعني النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: مقالتكم مثل مقالة بني إسرائيل لموسى النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل أيش؟ هذه المقالة مثل هذه المقالة، لكن هل هي مثلها؟ بنو إسرائيل قالوا لموسى اجعل لنا إلهًا نعبده، وأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا: اجعل لنا شجرة نتبرك بها، هل المقالة مثل المقالة، ولّا مختلفة؟ مختلفة، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعلها مثلها؛ لأن العبرة بالحقائق والمقاصد، ليست العبرة بالألفاظ، العبرة بالحقيقة والمقصد.

بنو إسرائيل قالوا: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ وأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا: اجعل لنا شجرة كما لهم شجرة نتبرك بها. العبارة مختلفة، لكن المعنى واحد؛ لأن التبرك، اعتقاد التبرك بالشجرة، واعتقاد البركة، وأنها تنفع، وأنها كلها بركة، هذا شرك، كما أن بنو إسرائيل قالوا: "اجعل لنا إلها نعبده"، فالمعنى واحد.

فالنبي -صلى الله عليه وسلم- ألغى الألفاظ، واعتبر أيش؟ واعتبر المقاصد والمعاني، "قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ .

وفيه دليل على أن الإنسان إذا أراد أن يفعل الشرك عن جهل ثم زُجِر ونُهِي، ولم يفعل، لا يقع في الشرك؛ ولهذا زجرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ونبههم، فلم يقعوا في الشرك. نعم.