شرح مسائل الجاهلية الاغترار بما عليه الأكثر

الشيخ: فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

الصنف: شروحات علمية

تاريخ: الأربعاء 19 جويلية 2017    الموافق لـ : 24 شوال 1438

الشرح: مسائل الجاهلية

باقي الشروحات :مسائل الجاهلية

الحجم:1.4M

المدة :00:06:18

حمله :161

سمعه :145

تحميل الشريط

عناصر الشريط

تفريغ الشريط

المسألة الخامسة
الاغترار بما عليه الأكثر

المسألة الخامسة: أن مِن أكبر قواعدهم الاغترارَ بالأكثر ويحتجون به على صحة الشيء، ويستدلون على بطلان الشيء بغربته وقلة أهله، فأتاهم بضد ذلك وأوضحه في غير موضع من القرآن.

نعم، وهذه المسألة الخامسة مسألة واضحة، وهي من أكبر ما يستدل به أهل الجاهلية "الاغترار بما عليه الأكثر والاستدلال على صحة الشيء بغربته وقلة أهله" فيغترون بما عليه الأكثر ويستدلون بذلك على أنه هو الحق، وأن ما عليه جمهور الناس وأكثر الناس هو الحق، وأن ما لم يفعله الناس أو ما لم يفعله إلا قلة من الناس ليس هو الحق، وهذا من مسائل الجاهلية التي خالفهم فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو الاغترار بما عليه أكثر الناس، والاستدلال على صحة الشيء بأن كثيرًا من الناس يفعلونه، والاستدلال على عدم صحته بغربته وقلة أهله.

فبين الله -سبحانه وتعالى- في كتابه أن ما عليه الأكثر.. في الغالب أن الأكثرين يكونون على غير طريق الصواب، فليست العبرة بالقلة والكثرة، العبرة بالحق الذي قام عليه الدليل حتى ولو كان مَن عليه الحق واحد؛ ولهذا أخبر الله -سبحانه وتعالى- أن الكثرة في الغالب تكون هي الهالكة، قال الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ وقال سبحانه: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ وقال سبحانه: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ وقال سبحانه: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ .

هذه النصوص تدل على أن الكثرة هي الهالكة، وقال بعض السلف: الزم الحق ولو كنت وحدَك فإنك أنت الجماعة، فالجماعة لزوم السنة والجماعة، الجماعةُ مَن لزم الحق حتى ولو كان واحدًا، إبراهيم الخليل نبي الله -عليه الصلاة والسلام- كان على الحق وحده، فوصفه الله تعالى بأنه أمة، قال: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قدوة ومعلم للخير، فكان على الحق وحده، وقاطع أهل الشرك وأهل الأوثان والأصنام وأباه معهم وبقي وحده، فهو على الحق ومن عداه على الباطل.

ولما مر بزوجه سارة في مصر في زمانه وعلم بذلك.. وقيل له: إن هاهنا رجلا معه امرأة من أجمل النساء لا ينبغي أن تكون إلا لك، وعلم بذلك قال لزوجه سارة وهي أول من آمن به: إنني سأقول: إنك أختي فلا تكذبيني فأنت أختي في الإسلام فليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك! ومع ذلك ثبت على الحق عليه الصلاة والسلام، فهو على الحق وحده ومن عداه على الباطل.

ولهذا جعله الله للناس إمامًا، قال الله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا وقال سبحانه: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وقال سبحانه: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ سماه الله: أمة.

قال بعض المفسرين: حتى لا يستوحش الإنسان من قلة السالكين للحق، فاثبت على الحق والزم الحق، فأنت الجماعة ولو كنت وحدك، ومن على الباطل فهم أهل الشذوذ ولو كان الناس كلهم، فالحق والجماعة والسنة من لزم الحق ومن لزم السنة ولو كان واحدا ولو كانوا قلة، ومن كان على الباطل فهم أهل الشذوذ وهم المخالفون للجماعة ولو كانوا هم الأكثرين.

أما أهل الجاهلية فإنهم يستدلون بالكثرة على صحة الشيء ويستدلون بقلة أهله على عدم صحته فبين الله -سبحانه وتعالى- أن الكثرة في الغالب تكون هالكة، وأن الحق في الغالب يكون مع القلة، والعبرة بالحق ليست العبرة بالكثرة ولا بالقلة، فالزم الحق واثبت على الحق ولو كنت وحدك، نعم.