رسالة إلى أتباع عدي بن مسافر الأموي (الوصية الكبرى) شرح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي الدرس 4

شرح رسالة إلى أتباع عدي بن مسافر الأموي (الوصية الكبرى) الإيمان باليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب
الأربعاء 24 شوال 1438 هـ   الموافق لـ : 19 جويلية 2017 م
تحميل الشريط

عناصر الشريط

تفريغ الشريط

الإيمان باليوم الآخر

ومثل الإيمان باليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب كما أخبر عن إيمان من تقدم من مؤمني الأمم حيث قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ .

وهذا هو الأصل الخامس من أصول الإيمان، الإيمان باليوم الآخر وما يكون فيه من الثواب في الجنة والعقاب في النار، كما أخبر عن إيمان من تقدم من مؤمني الأمم به، حيث قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ هذا هو الشاهد، الشاهد: (واليوم الآخر)، مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ .

والإيمان باليوم الآخر يشمل الإيمان بالبعث وأن الله -تعالى- يبعث الأجساد، ويعيد الذرات التي استحالت -سبحانه وتعالى- لأن الإنسان يبلى إذا مات إلا عجب الذَنَب، وهو العصعص، وهي آخر فقرة في العمود الفقري، عجب الذنب لا يبلي ولا تأكله الأرض، كما في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ابن آدم ومنه يركب عجب الذنب يبقى، منه يخلق ابن آدم، ثم يعيد الله الذرات التي استحالت، جسم الإنسان ذرات استحالت صارت ترابا يعيدها الله، يعيد نفس الذرات؛ لأن الله عليم بكل شيء، لا يخفى عليه، ولأن الله قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يعيد الذرات؛ فلهذا لما أخبر الله عن الكافر أنه قال: قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ عليم وقادر، فلا يمكن أن يمتنع عنه شيء -سبحانه وتعالى- يعيد الذرات التي استحالت ترابا.

ولكن الصفات هي التي تبدل، الذوات هي هي، ولكن الصفات هي التي تبدل، بمعنى أن الله -تعالى- ينشِّئ الناس يوم القيامة تنشئة قوية، وتبدل الصفات حتى يتحملوا ما لا يتحملونه في الدنيا، فالصفات هي التي تبدل ينشَّّأ الإنسان تنشئة قوية، ولكن الذرات هي هي، خلافا للجهم بن صفوان -قبحه الله- الذي يقول: إن الذي يعاد شيء آخر غير هذا الجسم، غير جسم الإنسان، وجسم الإنسان يبلى ولا يعود، ولكن الذي يعاد غير ذرات الجسم، وهذا من أبطل الباطل؛ لأنه يلزم على هذا أن يكون الله يعذب أحدا لم يعصه، إذا كان الذرات التي تعاد ليست هي التي تعاد معناه عذب الله أحدا بغير ذنب، يكون هذا الذي خلقه وعذبه في النار، تعالى الله عما يقول.

ولهذا أنكر العلماء على الجهم بن صفوان تزعم الجهمية والجهمية فرقة ضالة كافرة، تسلب عن الله الأسماء والصفات، جميع الأسماء والصفات، وهذا معناه ينتج العدم -أعوذ بالله- فالشيء الذي ليس له اسم ولا صفة لا وجود له، ولما قال الجهم هذه المقالة الخبيثة وهو القول بأن هذا الإنسان يبلى ولا يعاد وإنما يعاد شيء آخر دخلت في الملاحدة، هذا الباب الذي فتحه لهم، فدخل ابن سينا وقال: ليس هناك بعث للأجساد إطلاقا، الأجساد ما تبعث، وإنما الذي تبعث الأرواح، المعاد معاد للأرواح لا للأبدان، وهذا كفر وضلال، بإجماع المسلمين، البعث إنما يكون بالأجساد.

وقد أنكر الله على من أنكر البعث، وحكم بكفره -سبحانه وتعالى- وأقسم في كتابه في ثلاثة مواضع أن البعث لا بد منه، وأن الساعة قائمة، قال -تعالى-: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ قسم، قال -سبحانه-: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ وقال -سبحانه-: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ يعني عن الساعة قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ فالبعث للأبدان، فمن لم يؤمن بأن البعث للأبدان فهو كافر، البدن هو الذي يبعث، وقول الفلاسفة والملحدون أن الذي يبعث هو الروح هذا كفر وظلام؛ لأن الروح باقية، بعد خروجها من الجسد باقية، إما في نعيم أو في عذاب، فروح المؤمن تنقل إلى الجنة تتنعم، ما لها صلة بالجسد، وروح الكافر تنقل إلى النار، وأرواح الشهداء تتنعم بواسطة طير خضر؛ لأنهم لما بذلوا أجسادهم لله عوض الله أرواحهم أجسادا تتنعم بواسطتها، كما في الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: الروح الشهداء في حواصل طير خضر تسبح في الجنة، تلج أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش .

وأما المؤمن غير الشهيد فإن روحه تتنعم وحدها، وتأخذ شكل الطائر، كما في الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: نسمة المؤمن طائر يعلق في شجرة الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعث يعني يأكل، فإذن الروح باقية إما في نعيم أو في عذاب، ما تفنى، وقول الفلاسفة: إن المعاد للأرواح هذا من أبطل الباطل، ولها صلة بالجسد.

ويشمل الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالبعث، والإيمان بالوقوف بين يدي الله -تعالى- للحساب، والإيمان بتطاير الصحف، والإيمان بالميزان الذي توزن فيه أعمال العباد ويوزن فيه الأشخاص، وهذا يرجح على حسب الأعمال، والإيمان بالحوض حوض نبينا -صلى الله عليه وسلم- في موقف القيامة، حوض عظيم، طوله مسافة شهر وعرضه مسافة شهر، وأوانيه عدد نجوم السماء، وهو أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك، من شرب من شربة لا يظمأ بعدها أبدا حتى يدخل الجنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الشاربين، من الواردين على حوض النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ويشمل الإيمان بالصراط أيضا، وهو صراط ينصب على متن جهنم أحد من السيف وأحر من الجمر، هكذا يوصف، الجنة في أعلى عليين والنار في أسفل سافلين، + النار يوم القيامة وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى وتسجر البحار وتكون جزءا منها، ثم يمد الصراط على متن جهنم، يصعد الناس منه إلى الجنة، وعلى متن جهنم يصعد الناس على حسب الأعمال، وأول زمرة يمرون كالبرق، ثم كالريح ثم كالطير ثم كأجاود الخيل، ثم الرجل يعدو عدوه ثم الرجل يزحف زحفا، وعلى الصراط كلاليب تخطف من أمرت بخطفه وتلقيه في النار، والعياذ بالله، ثم الإيمان بالجنة والنار، فلا بد من الإيمان بهذه الأمور، الإيمان بالبعث بعد الموت، الإيمان بالوقوف بين يدي الحساب، الإيمان بإعطاء الكتب بالأيمان وبالشمائل، الإيمان بالحوض، الإيمان بالميزان، الإيمان بالجنة والنار.

ويلتحق بذلك الإيمان بما يكون في البرزخ، وهو القبر؛ لأنه برزخ بين الدنيا والآخرة، فالدار الدنيا والدار البرزخ والدار القرار؛ فالدار الدنيا هي التي نحن فيها إلى الموت، هذه تسمى دار الدنيا، دار البرزخ من الموت إلى البعث، وسميت برزخا لأنها فاصل بين الدنيا والآخرة، ودار القرار من البعث من بعث الناس إلى ما لا نهاية، لا بد من الإيمان بهذه الأمور، كلها داخلة في الإيمان باليوم الآخر، وما فيه من الثواب والعقاب، كما أخبر عن إيمان من تقدم من مؤمني الأمم من حيث قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الشاهد مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أخبر أن من آمن من المؤمنين أو من اليهود أو من النصارى أو من الصابئين فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.