وبعد:
فهذا: " تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد " وجب عليَّ تأليفه، وتعين عليَّ ترصيفه، لما رأيته وعلمته، من اتخاذ الأنداد، في الأمصار والقرى وجميع البلاد، من اليمن والشام ومصر ونجد وتهامة وجميع ديار الإسلام، وهو الاعتقاد في القبور، وفي الأحياء ممن يدعي العلم بالمغيبات والمكاشفات وهو من أهل الفجور، لا يحضر للمسلمين مسجدًا، ولا يُرى لله راكعًا ولا ساجدًا، ولا يعرف السنة ولا الكتاب، ولا يهاب البعث ولا الحساب.
فواجب عليَّ أن أنكر ما أوجب الله إنكاره، ولا أكون من الذين يكتمون ما أوجب الله إظهاره.
الشرح:-
قال: وبعد: أي وبعد الخطبة قال: ( فهذا): إشارة إلى الرسالة التي كونها في ذهنه قبل أن يكتبها. التي سماها: (تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد)، والطهارة نوعان: معنوية وحسية، والمراد بها هنا الطهارة المعنوية.
الأدران: وسخ الإلحاد من الشرك والمعاصي والبدع.
المؤلف يقول: وجب عليّ تأليفه؛ لأن فيه إنكار مُنكَر، وأعظم منكر هو الشرك؛ لأن الشرك انتشر في جميع البلدان والأمصار والشام واليمن ومصر وتهامة وغيرها، فلما انتشر الشرك وجب عليّ أن أنكره. وإنكار المنكر واجب، والمؤلف رأى أنه واجب عليه. والمنكر يجب إنكاره على كل من علم به حتى يزول المنكر.
وإنكار المنكر فرض كفاية فهو فرض على الأمة، فإذا قام به البعض وارتفع المنكر ارتفع الإثم عن الباقين، وإن سكتوا كلهم أثموا. قال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الآية.
(ولتكن) أمر، أي تكن أمه، طائفة من الأمة الإسلامية تقوم بهذا الأمر العظيم. وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ فهذه الآية دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الأمة الإسلامية كلها.
واجبٌ كفائي، والواجب أو الفرض ينقسم إلى قسمين: فرض على الأعيان، وفرض على الكفاية.
فرضٌ على الأعيان: يجب على كل شخص بعينه مثل الصلوات الخمس.
فرض على الكفاية: فرض على الأمة كلها فإذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين مثل: صلاة الجنازة، فيجب على الأمة أن يصلوا على هذا الميت فإذا تركوا الصلاة عليه أثموا كلهم. وكذلك غُسل الميت. ومثله إنكار المنكر إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين.
فالمؤلف -رحمه الله- يقول: وجب عليَّ تأليف هذا الكتاب للمنكر.
وأعظم المنكرات الشرك بالله. فالمؤلف -رحمه الله- يرى أنه واجب عليه؛ إما لأنه لم يَزُل المنكر، أو أن بعض المنكرات لم تنكر, فلو قام به غيره لم يكن واجبا عليه بل يكون مستحبًا؛ فالمؤلف -رحمه الله- رأى أنه لا أحد قام بإنكار هذا المنكر.
يقول المؤلف: لما رأيته وعلمته، رأى هذا المنكر وعلمه وتحقق منه وشاهده بعينه وتحقق من وجوده، رأى الشرك بعينه في اليمن وتحقق من وجوده في مصر والشام.
والمنكر الذي رآه المؤلف -رحمه الله- هو الاعتقاد في القبور، أي الاعتقاد في أصحاب القبور، فبعض الناس يعتقدون في صاحب القبر بأنه يكشف البلاء أو أنه ينصر على الأعداء أو يستنزل غيث السماء. أو له القدرة على تفريج الكربة وقضاء الحاجات، أو أنه يشفع عند الله. كحال كثير من الذين يطوفون على القبور وينذرون لها ويذبحون لها. ويدْعونها من دون الله فهذا أعظم منكر.
وتأليف هذه الرسالة لبيان الحق ورد الباطل، بيان الحق، وهو وجوب توحيد الله -عز وجل- وإفراده بالعبادة، وإنكار الشرك، وهو الاعتقاد في القبور، وهذا بالنسبة للأموات وكذلك من المنكرات الشرك في الأحياء ممن يدعي العلم بالمغيبات والمكاشفات وهم الصوفية فالصوفية يدّعون أنه تكشف عنهم الحجب، وأنهم يعلمون المغيبات. فهؤلاء مشركون فمن ادّعى الغيب فهو مشرك؛ لأن علم الغيب من خصائص الله.
قال تعالى: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وقال تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا .
فالمؤلف -رحمه الله- يقول: الشرك منتشر في الأموات والأحياء.
أما الشرك الذي في الأموات: هو الاعتقاد في القبور، الاعتقاد بأنه يجوز أن تصرف لهم العبادة، بدعوى أنهم يشفعون عند الله، ويقضون الحوائج.
والشرك في الأحياء، الصوفية الذين يدعون المغيبات والمكاشفات، ويدعون أنهم أولياء، وهم من أهل الفجور، لا يحضرون للمسلمين مسجدًا، ولا يرى منهم لله راكعًا ولا ساجدًا، ولا يعرفون السنة ولا الكتاب، ولا يهابون البعث ولا الحساب، فهم كفار ملاحدة.
فالمؤلف رحمه الله لما وجد هذا المنكر قال: وجب عليّ أن أنكر ما أوجب الله إنكاره، ولا أكون من الذين يكتمون ما أوجب الله إظهاره.
فقد توعد الله الكاتمين بوعيد شديد؛ قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ .
مواعيد مارس 2026
الآن 43
هذا اليوم 9942
بالامس 12144
لهذا الأسبوع 75671
لهذا الشهر 9942
لهذه السنة 426401
منذ البدء 17096407
تاريخ البدء 2015/05/05
أعلى إحصائية 18201
بتاريخ 2019/11/14