تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد شرح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي الدرس 7

شرح تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد أقسام التوحيد
الأربعاء 24 شوال 1438 هـ   الموافق لـ : 19 جويلية 2017 م
تحميل الشريط

عناصر الشريط

تفريغ الشريط

‎‎ أقسام التوحيد

الأصل الثالث: [ أقسام التوحيد ]:

إن التوحيد قسمان:-

القسم الأول: توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها.

ومعناها: أن الله وحده هو الخالق للعالم، وهو الرب لهم والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون، ولا يجعلون لله فيه شريكًا، بل هم مقرون به، كما سيأتي في الأصل الرابع.

والقسم الثاني: توحيد العبادة. ومعناه: إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات الآتي بيانها. فهذا هو الذي جعلوا لله فيه الشركاء، ولفظ " الشريك " يشعر بالإقرار بالله تعالى.

الشرح:-

هذا الأصل الثالث من الأصول التي بينها المؤلف -رحمه الله- وقال: إن هذه الأصول من قواعد الدين ومن أهم ما يجب معرفته على الموحدين.

التوحيد ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: الإقرار بوجود الله وتوحيده في ربوبيته وأسمائه وصفاته، ويسمى توحيد الله بأفعاله هو، ويسمى توحيد الربوبية، فهو توحيد الله بأفعاله كالخلق والرزق والأحياء وإنزال المطر، فتوحده بأفعاله هو بأن تعتقد بأن الله الخالق الرازق المالك المحيي المميت مدبر الأمور... وتعتقد بأن له الأسماء الحسنى والصفات العلا. ويقال لهذا: التوحيد العلمي والتوحيد الخبري العلمي؛ لأن الله أخبر بذلك.

القسم الثاني: توحيد العبادة وهو توحيد الله بأفعالك أنت أيها العبد؛ مثل صومك وحجك وزكاتك. أي بالعبادات التي تقر بها أنت أيها العبد لله.

فتوحد الله فيها بأن تصرفها إلى الله -عز وجل.

والعبادة لا تصح إلا بشرطين

الأول: أن تكون خالصة لله -عز وجل- ويبتغي بها وجه الله والدار الآخرة.

الثاني: أن تكون هذه العبادة موافقة للشرع.

وعلى هذا التقسيم درج العلماء السابقون عليه، كشيخ الإسلام وابن القيم ولما كثر النزاع وأثيرت الشبه حول الأسماء والصفات, جعل العلماء توحيد الأسماء والصفات قسمًا آخر فقسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسام:

الأول: توحيد الربوبية.

الثاني: توحيد الأسماء والصفات.

الثالث: توحيد الألوهية.

وإلا فالأصل أن توحيد الأسماء والصفات داخل في توحيد الربوبية، فهو توحيد واحد، الإيمان بوجود الله والإيمان بأنه الخالق الرازق والمدبر والإيمان بأسمائه وصفاته هذا توحيد واحد. والتوحيد الثاني توحيد الألوهية.

ولهذا قال المؤلف -رحمه الله-: الأصل الثالث أن التوحيد قسمان:

الأول: توحيد الربوبية، أي توحيد الله بأفعالـه, والخالقية أي أن تعتقد أن الله الخالق، قال الله تعالى: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ .

والرازقية: أي تعتقد أن الله الرازق.

ونحوها: يعني من أفعال العباد، كالإماتة والإحياء وغيرها، ويدخل في ذلك الإيمان بأسماء الله وصفاته وأفعاله.

وقد فسرها المؤلف -رحمه الله- وقال: معناها: أن الله وحده هو الخالق للعالم، وهو الرب لهم، والرازق لهم.. وهذا التوحيد لا ينكره المشركون بل مقرون به, والآيات الدالة على أنهم مقرون به كثيرة، قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وقال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وقال تعالى: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ وقال تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ إذًا هم مقرون بهذا التوحيد، ولم ينكروه؛ لأن الأمر فطريّ , فطر الله عليه جميع طوائف بني آدم إلا من شذ كما سبق , فسدت فطرتهم وعَمَتْ بصيرتهم فأشركوا بتوحيد الربوبية مثل الدهريين الذين قالوا: إن هذا العالم ليس له مدبر، وإنما يسير بنفسه ويدبر نفسه، ويقول ما حكى الله عنهم: إنهم قالوا: وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ومنهم الشيوعيون الملاحدة قالوا: لا إله، والحياة مادة، وكذلك الطبائعيون الذين يقولون بالطبيعة، ذات الأرض خلقت الأرض، ذات السماء خلقت السماء، ذات النبات خلقت النبات، وكذلك من يقول بالصدفة ، أن العالم جاء بالصدفة، فهؤلاء شذوا عن المجموعة البشرية، وإلا فإن طوائف بني آدم كلهم مجمعون على الإقرار بهذا التوحيد والاعتراف به، وليس في هذا التوحيد نزاع بين الرسل والأمم؛ ولهذا أخبر الله عن قوم صالح الكفار الذين تمالئوا على قتل نبي الله صالح أنهم مقرون بالله , أخبر الله أنهم تمالئوا: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ فهم تقاسموا بالله يريدون قتله وهم مقرون بوجود الله ولم ينكروه.

فمع كفرهم يقرون بتوحيد الربوبية، وكذلك قوم هود وموسى وإبراهيم وعيسى وكفار قريش كلهم يقرون بتوحيد الربوبية, ولهذا قال المؤلف -رحمه الله-: وهذا لا ينكره المشركون ولا يجعلون لله فيه شريكًا بل هم مقرون به.

أما القسم الثاني فهو توحيد العبادة.

والعبادة معناها: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فهي كل ما أمر الله به وكل ما نهى الله عنه، فالذي أمر الله به يفعله المسلم تعبدًا لله سواء أكان أمر إيجاب أم أمر استحباب، وكل ما نهى الله عنه فإن المسلم يجتنبه سواء أكان نهي تحريم أم نهي تنزيه، وقال بعضهم: العبادة: كل ما أمر به شرعًا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي, والتعريف الأول لشيخ الإسلام -رحمه الله.

فهذه العبادات تخرجها لله ولا تجعل مع الله فيها شريكًا, وهذا النوع هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الأنبياء وأممهم، وهو الذي وقعت فيه المعركة والقتال والنزاع والعداوات والحروب الطاحنة بين الأنبياء وأممهم بسبب هذا التوحيد، فالرسل تأمرهم بأن يخلصوا الطاعة لله -عز وجل- وهم يعصونهم ويقولون: نفعل الطاعة لله ولغير الله، حتى إنهم قالوا لنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم -: اعبد إلهنا عامًا، ونعبد إلهك عامًا , صلح، فأنزل الله تعالى سورة (الكافرون).

فهم مع شركهم مقرون بتوحيد الربوبية واستحل نبينا -صلى الله عليه وسلم - دماءهم وأموالهم بهذا الاعتقاد. وبين الله أن قولهم هو الشرك؛ لأنهم يعبدونهم من دون الله، ويقولون: إنهم شفعاء عند الله، كما قال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ فيعبدون الأشجار والأحجار ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ثم حكم عليهم بالشرك بقوله: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ وقال تعالى: أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى أي يعبدون الأشجار والأحجار وغيرها, عبادتهم أي الدعاء والذبح لهم والنذر لهم والصلاة لهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى يقولون: نحن نعلم أنهم لا يخلقون ولا يرزقون ولا ينفعون ولا يضرون بل الذين يخلق ويرزق وينفع ويضر هو الله. إذن لماذا تعبدونهم؟ قالوا: إما لأنهم أنبياء أو صالحين أو أحجار وأشجار تسبح الله, فهي أقرب منا عند الله فتشفع لنا. فكفرهم الله بذلك, فصاروا مشركين بهذا الاعتقاد، وحكم الله عليهم بالكفر والكذب, أكذبهم في قولهم: إنها تقربنا إلى الله، فإنها لا تقرب بل تبعدهم وحكم عليهم بالكفر فقال: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ .

هذا معنى قول المؤلف -رحمه الله-: القسم الثاني: توحيد العبادة. ومعناه إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات.

والخصومة والنزاع والحروب بين الأنبياء وأممهم بسبب توحيد العبادة , أما توحيد الربوبية فليس فيه نزاع , والقرآن الكريم يحتج عليهم بإقرارهم بتوحيد الربوبية،فالقرآن بيّن لهم , يقول: أنتم مقرون بتوحيد الربوبية إذن فاعبدوا الله.