فإن قال: إنما نحرت لله وذكرت اسم الله عليه. فقل: إن كان النحر لله فلأي شيء قربت ما تنحره من باب مشهد من تفضله وتعتقد فيه؟ هل أردت بذلك تعظيمه؟ إن قال: نعم، فقل: هذا النحر لغير الله، بل أشركت مع الله تعالى غيره، وإن لم ترد تعظيمه، فهل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخلين إليه؟ أنت تعلم يقينًا أنك ما أردت ذلك أصلا، ولا أردت إلا الأوَّل، ولا خرجت من بيتك إلا قصدًا له. ثم كذلك دعاؤهم له.
فهذا الذي عليه هؤلاء شرك بلا ريب.
وقد يعتقدون في بعض فسقة الأحياء وينادونه في الشدة والرخاء وهو عاكف على القبائح والفضائح، لا يحضر حيث أمر الله عباده المؤمنين بالحضور هناك، ولا يحضر جمعة ولا جماعة ولا يعود مريضًا ولا يشيع جنازة، ولا يكتسب حلالا، ويضم إلى ذلك دعوى التوكل وعلم الغيب، ويجلب إليه إبليس جماعة قد عشش في قلوبهم، وباض فيها وفرخ، يصدقون بُهتانه ويعظمون شأنه، ويجعلون هذا ندًا لرب العالمين ومثلا، فيا للعقول أين ذهبت؟ ويا للشرائع كيف جهلت؟ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فإن قلت: أفيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة والخلعاء مشركين، كالذين يعتقدون في الأصنام؟
قلت: نعم، قد حصل منهم ما حصل من أولئك، وساووهم في ذلك، بل زادوا في الاعتقاد والانقياد والاستعباد: فلا فرق بينهم.
فإن قلت؛ هؤلاء القبوريون يقولون: نحن لا نشرك بالله تعالى، ولا نجعل له ندًا، والالتجاء إلى الأولياء ليس شركًا.
قلت: نعم يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ولكن هذا جهل منهم بمعنى الشرك: فإن تعظيمهم الأولياء، ونحرهم النحائر لهم شـرك. والله تعالى يقـول: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ أي لا لغيـره، كما يفيد تقديم الظرف، ويقول تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وقد عرفت بما قدمناه قريبًا أنه -صلى الله عليه وسلم- سمى الرياء شركًا، فكيف بما ذكرناه؟
فهذا الذي يفعلونه لأوليائهم هو عين ما فعله المشركون وصاروا به مشركين ولا ينفعهم قولهم: نحن لا نشرك بالله شيئًا؛ لأن فعلهم أكذب قولهم.
الشرح:-
هذه مناقشة من المؤلف -رحمه الله لهؤلاء المشركين الذين يشركون بالله ويصرفون العبادة لغير الله، ويدعون أن هذا ليس بشرك، وإنما هذا محبة وتوسل كما يقوله البعض، والمؤلف -رحمه الله- يناقشهم، ويبين أن ما فعلوه هو الشرك بعينه؛ لأنه صرف العبادة لغير الله
يقول المؤلف: فإن قال -أي المشرك الذي يذبح لغير الله-: إنما نحرت لله وذكرت اسم الله عليه؛ لأن بعض المشركين يقول: بسم الله.
وإذا قال: بسم الله وهو يقصد بها التقرب إلى صاحب القبر أو الجن أو الملائكة فهو مشرك، ولو قال: بسم الله فإنه لا يفيد؛ لأن العبرة بالاعتقاد والقصد, لا بالتسمية.
يقول المؤلف: " فإن قال: إنما نحرت وذكرت اسم الله عليه. فقل: إن كان النحر لله فلأي شيء قربت ما تنحره من باب مشهد من تفضله وتعتقد فيه؟" لماذا تذبح عند باب المشهد والقبر؟ فإن كان صادقا فيذبح لله في الأضحية وفي العقيقة وفي القرابين في الحج، أو تذبح في بيتك وتوزع اللحم فهذا لا بأس، أما تذبح عند المشهد والقبر، وتقول: أنا أذبح لله فنقول: أنت كاذب. ونقول له أيضًا: هل أردت بذلك تعظيمه؟ إن قال: نعم أردت تعظيمه، فنقول: هذا النحر لغير الله، بل أشركت مع الله، وإذا قال:لم أرد تعظيمه فقل: هل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخلين إليه؟ فهذه مناقشة من المؤلف. يقول المؤلف: أنت تعلم يقينًا أنك ما أردت بذلك أصلا، ولا أردت إلا تعظيمه ولا خرجت من بيتك إلا قصدًا له، وكذلك دعاؤهم له، فهذا الذي عليه هؤلاء شرك بلا ريب، فمن دعاهم فقد أشرك؛ لأن النصوص صريحة في هذا كما سبق.
يقول المؤلف: " وقد يعتقدون في بعض فسقة الأحياء " حتى بعضهم قد يعبد الأحياء الفسقة وينادونهم في الشدائد والرخاء وهو عاكف على القبائح والفضائح، لا يحضر حيث أمر الله عباده المؤمنين بالحضور هناك، ولا يحضر جمعه ولا جماعة ولا يعود مريضا ولا يشيع جنازة، ولا يكتسب حلالا، ويضم إلى ذلك دعوى التوكل وعلم الغيب فهذا من الصوفية يدعي أنه متوكل على الله، وأن التوكل هذا يكفيه عن العبادة، وكذلك يدعي علم الغيب؛ لأنه من الأولياء. ولا يحضر جمعة ولا جماعة؛ لأنه متوكل على الله، فلا حاجة إلى العبادة. يقول المؤلف: " ويجلب إليه إبليس جماعة قد عشش في قلوبهم، وباض فيها وفرّخ يصدقون بهتانه ويعظمون شأنه ". أي يجعل له أتباعًا يصدقونه في دعواه.
وقال: " ويجعلون هذا ندًا لرب العالمين ومثلا ". فيجعلونه شريكًا لله، ويقول المؤلف: "فيا للعقول أين ذهبت! " أين ذهبت عقولهم حتى يشركوا مع الله غيره!. ويا للشرائع كيف جهلت!، كيف جهلت شرائع الإسلام!. ثم استشهد: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ثم ناقشهم المؤلف -رحمه الله- فقال: فإن قلت: أفيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة والخلعاء مشركين، كالذين يعتقدون في الأصنام، أي هل تجعل الذين يذبحون للقبور وينذرون لها مثل الذين يعبدون الأصنام.
قال المؤلف: قلت نعم، قد حصل منهم ما حصل من أولئك، وساووهم في ذلك أي عملوا مثل ما عمل عباد الأصنام، فعباد الأصنام يذبحون لهم ويدعونهم وهؤلاء يذبحون لهم ويدعونهم فالحكم واحد، يقول المؤلف بل زادوا في الاعتقاد والانقياد والاستعباد: فلا فرق بينهم.
فإن قلت: هؤلاء القبوريون يقولون: نحن لا نشرك بالله تعالى ولا نجعل له ندًا، والالتجاء إلى الأولياء ليس شركًا.
فالقبوريون يقولون: الشرك الذي يقع من عباد الأصنام، ونحن لا نشرك بالله ولا نجعل له ندًا، وإنما هذه محبة وتشفع في الصالحين.
قال المؤلف رحمه الله: قلت: نعم: " يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم " ولكن هذا جهل منهم بمعنى الشرك فإن تعظيمهم الأولياء، ونحرهم النحائر لهم شرك بالله تعالى. فعملهم شرك، وليس فيه فرق بينهم وبين المشركين السابقين إلا إن المشركين السابقين يذبحون للأصنام والأوثان وهؤلاء يذبحون للأولياء والصالحين، بل إن بعض المشركين السابقين يذبحون للأولياء والصالحين وبعضهم للأنبياء، فلا فرق بينهم، والله عز وجل يقول: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ أي لا لغيره. كما يفيد تقديم الظرف، فقدم الجار والمجرور، والأصل: ( فصل وانحر لربك ) فلما قدم الجار والمجرور وهو في حكم الظرف صار يفيد الحصر ويقول الله تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وقد عرفت بما قدمناه قريبًا بأنه يسمى الرياء شركًا فكيف بما ذكرناه. إذا كان الرياء شركًا فالدعاء والذبح والنذر من باب أولى أن يكون شركًا.
يقول المؤلف: " فهذا الذي يفعلونه لأوليائهم هو عين ما فعله المشركون وصاروا به مشركين " أي: ما يفعله المشركون عند القبور هو ما يفعله السابقون عند الأصنام والأوثان.
ويقول: لا ينفعهم أي: المتأخرون قولهم: نحن لا نشرك بالله شيئًا؛ لأن فعلهم أكذب قولهم. فهم يقولون: لا نشرك بالله لكن فعلهم شرك، فالفعل يكذب القول.
مواعيد مارس 2026
الآن 38
هذا اليوم 4079
بالامس 12133
لهذا الأسبوع 27629
لهذا الشهر 39293
لهذه السنة 455752
منذ البدء 17125758
تاريخ البدء 2015/05/05
أعلى إحصائية 18201
بتاريخ 2019/11/14