تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد شرح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي الدرس 26

شرح تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد الاستغاثة بغير الله
الأربعاء 24 شوال 1438 هـ   الموافق لـ : 19 جويلية 2017 م
تحميل الشريط

عناصر الشريط

تفريغ الشريط

الاستغاثة بغير الله

فإن قلت: الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث. فإنه قد صح أن العباد يوم القيامة يستغيثون بآدم أبي البشر، ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى وينتهون إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- بعد اعتذار كل واحد من الأنبياء، فهذا دليل على أن الاستغاثة بغير الله ليست بمنكر.

قلت: هذا تلبيس. فإن الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه لا ينكرها أحد. وقد قال الله تعالى في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ وإنما الكلام في استغاثة القبوريين وغيرهم بأوليائهم، وطلبهم منهم أمورًا لا يقدر عليها إلا الله تعالى: من عافية المريض وغيرها بل أعجب من هذا: أن القبوريين وغيرهم من الأحياء من أتباع من يعتقدون فيه يجعلون له حصة من الولد إن عاش، ويشترون منه الحمل في بطن أمه ليعيش، ويأتون بمنكرات ما بلغ إليها المشركون الأولون. ولقد أخبرني بعض من يتولى قبض ما ينذر القبوريون لبعض أهل القبور: أنه جاء إنسان بدراهم وحلية نسائه، وقال: هذه لسيده فلان - يريد صاحب القبر - نصف مهر ابنتي؛ لأني زوجتها وكنت ملكت نصفها فلانًا. يريد صاحب القبر.

وهذه النذور بالأموال، وجعل قسط للقبر، كما يجعلون شيئًا من الزرع يسمونه "تلما " في بعض الجهات اليمنية. وهذا شيء ما بلغ إليه عباد الأصنام، وهو داخل تحت قوله تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ بلا شك ولا ريب.

نعم استغاثة العباد يوم القيامة وطلبهم من الأنبياء إنما يدعون الله تعالى ليفصل بين العباد بالحساب، حتى يريحهم من هول الموقف، وهذا لا شك في جوازه، أعني طلب الدعاء لله تعالى من بعض عباده لبعض، بل قال -صلى الله عليه وسلم- لعمر -رضي الله عنه- لما خرج معتمرًا: " لا تنسنا يا أخي من دعائك " وأمرنا سبحانه أن ندعو للمؤمنين ونستغفر لهم في قوله تعالى: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ .

وقد قالت: أم سليم -رضي الله عنها-: " يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له " وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يطلبون الدعاء منه -صلى الله عليه وسلم- وهو حي، وهذا أمر متفق على جوازه. والكلام في طلب القبوريين من الأموات أو من الأحياء، الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا أن يشفوا مرضاهم، ويردوا غائبهم، وينفسوا عن حبلاهم، وأن يسقوا زرعهم، ويدروا ضروع مواشيهم، ويحفظوها من العين، ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله، هؤلاء الذين قال الله تعالى فيهم: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فكيف يطلب الإنسان من الجماد أو من حي - الجماد خير منه - لأنه لا تكليف عليه.

الشرح:-

وهذه من سلسلة الشبهات والأسئلة التي يوردها المؤلف، الأسئلة التي ترد على ألسنة القبوريين يقول: (فإن قلت: الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث. فإنه قد صح أن العباد يوم القيامة يستغيثون بآدم أبي البشر، ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى وينتهون إلى محمد -صلى الله عليه وسلم-، بعد اعتذار كل واحد من الأنبياء، فهذا دليل على أن الاستغاثة بغير الله ليست بمنكر). فهذه شبهة يوردها بعض القبوريين يقول: أنت تقول: إن الاستغاثة شرك، أنا عندي دليل على أن الاستغاثة ليست بشرك، يقول: ثبت في الأحاديث في الصحيحين وغيرها أن الناس يوم القيامة إذا دنت الشمس من الرءوس وزيد في حرارتها استغاثوا بالأنبياء، يأتون أولا إلى آدم ويقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته، اشفع لنا إلى ربك، فيعتذر ويقول: ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب مثله ولن يغضب بعده مثله، فإني أكلت من الشجرة التي نهاني الله عنها.. اذهبوا إلى غيري.. ذهبوا إلى إبراهيم . وفي اللفظ الآخر أنه قال: اذهبوا إلى نوح ثم يأتون نوحًا ويقولون: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيعتذر ويقول: دعوت على أهل الأرض دعوة أغرقتهم اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم فيعتذر إبراهيم بكذباته الثلاث وهي تورية، ويحيلهم إلى موسى فيقول اذهبوا إلى موسى فإنه كليم الله فيعتذر موسى ويقول: إنه قتل نفسًا بغير حق فيقول: اذهبوا إلى عيسى فيعتذر عيسى فيقول: إنه اتُخذ هو وأمه إلهين من دون الله، اذهبوا إلى محمد فإنه خاتم النبيين فيشفع نبينا -صلى الله عليه وسلم- .

هذه شبهة، يقول: هذا دليل على أن الاستغاثة بغير الله ليست منكر.. هؤلاء الناس استغاثوا بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم موسى ثم عيسى فليست منكر، والجواب قال المؤلف: قلت: هذا تلبيس. فإن الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه لا ينكره أحد فهذا تلبيس منكم أيها المشركون، الناس حينما يستغيثون بآدم ثم إبراهيم ثم موسى ثم بعيسى أحياء أم أموات؟ الجواب: أحياء والاستغاثة بالحي لا بأس بها إذا كان يقدر , مثال إنسان غرق في البحر وعنده سبّاح فقال: أغثني وكان قادرًا يعرف السباحة فنزل فأخرجه فلا بأس بها.. إنسان كان في حريق فاستغاث برجال الإطفاء فأغاثوه. إنسان عليه ديون استغاث بمن ينجده ويقضي دينه لا بأس، فإذا استغاث بالحي القادر الحاضر لا بأس بها ولكن الممنوع الاستغاثة بالميت أو الاستغاثة بالغائب الذي لا يسمع أو الاستغاثة بالحي القادر في شيء لا يقدر عليه غير الله.

قال المؤلف: ومن الأدلة على جواز الاستغاثة بالحي الحاضر قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي قبل النبوة خرج موسى في ديار مصر فوجد رجلان يقتتلان كما قص الله في سورة القصص: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ واحد إسرائيلي من شيعة موسى وواحد قبطي فاستغاث الإسرائيلي بموسى فقال: أغثني، فأغاثه موسى فضربه ضربة كانت القاضية فمات , فلما علم فرعون والملأ صاروا يطلبونه وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ ينصحه قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فخرج موسى فالشاهد من هذا أن موسى أغاث الإسرائيلي, استغاثة؛ لأنه حيٌ حاضرٌ قادر, فهذا كان قبل النبوة، فتاب الله عليه وأرسله الله عليه الصلاة والسلام, فهذا من الأدلة على جواز الاستغاثة بالحي القادر الحاضر. وقد قال الله تعالى في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ يقول المؤلف: وإنما الكلام في استغاثة القبوريين وغيرهم بأوليائهم هذا هو الشرك, استغاثة المقبور أو الغائب, يا فلان، أغثني وهو ميت أو يا فلان رد غائبي, اشفع لي عند الله، أنقذني من النار, أدخلني الجنة, ارزقني, انصرني على عدوي, هذا هو الشرك بعينه؛ لأنه ميت ليس بيده أسباب, وكذلك الغائب, وكذلك الحي الحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ ولهذا قال المؤلف: وإنما الكلام في استغاثة القبوريين وغيرهم بأوليائهم، وطلبهم منهم أمورًا لا يقدر عليها إلا الله تعالى من عافية المريض وغيرها.

بل أعجب من هذا أن القبوريين وغيرهم من الأحياء من أتباع من يعتقدون فيه يجعلون له حصة من الولد إن عاش, ويشترون منه الحمل في بطن أمه ليعيش, فهذا شرك يجعل له حصة من الولد, يعني هذا الولد يقول: إن عاش هذا الولد إن لك نصف كسبه، أو يقول مثلا لبنته: إن عاشت هذه البنت حتى تزوجت فلك نصف المهر لصاحب القبر، ويشترون منه الحمل في بطن أمه ليعيش في بطن الدابة أو غيرها، يشترون من صاحب القبر ويعطونه حتى يعيش.

يقول المؤلف: يأتون بمنكرات ما بلغ إليها المشركون الأولون، ولقد أخبرني بعض من يتولى قبض ما ينذر القبوريون لبعض أهل القبور: أنه جاء إنسان بدراهم وحلية نسائه فجاء بذهبها الذي في أصابعها ويديها ورقبتها وأعطاها صاحب القبر الميت وقال: هذه للسيد فلان، يريد صاحب القبر نصف مهر ابنتي، قال: لأني زوجتها وكنت ملكت نصفها فلانًا، يريد صاحب القبر، يقول المؤلف: وهذه النذور بالأموال وجعل قسط للقبر كما يجعلون شيئًا من الزرع يسمونه (تلمًا) في بعض الجهات اليمنية، وهذا شيء ما بلغ إليه عباد الأصنام وهو داخل تحت قوله تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ قال تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ يجعلون لله من الحرث والأنعام نصيبًا وللأصنام نصيبًا، فيقول المؤلف: وهذا شيء ما بلغ إليه عباد الأصنام، فعباد الأصنام فعلوا هذا كما بين الله في القرآن إذا أخذوا شيئًا من الزروع والثمار يجعلوا قسطًا منها لله وقسطًا منها لصاحب القبر، فإذا زاد القسط الذي لله أخذوه وقالوا: الله غنيٌ عنه، وإذا زاد قسط صاحب القبر تركوه.

يقول المؤلف:" نعم استغاثة العباد يوم القيامة وطلبهم من الأنبياء إنما يدعون الله تعالى ليفصل بين العباد بالحساب، حتى يريحهم من هول الموقف، وهذا لا شك في جوازه، أعني طلب الدعاء لله تعالى من بعض عباده لبعض" يعني أن العباد يوم القيامة عندما يستغيثون بآدم ثم إبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد هذا استغاثة حيٌ بحي فلا بأس بها؛ لأنه قادر, والممنوع استغاثة الحي بالميت أو بالغائب أو بالحي غير القادر؛ ولهذا قال المؤلف: لا شك في جوازه، أعني طلب دعاء الله تعالى من بعض العباد لبعض، ومنه ما ذكره المؤلف, قال: قال -صلى الله عليه وسلم- لعمر -رضي الله عنه- لما خرج معتمرًا: لا تنسنا يا أخي من دعائك لكن الحديث فيه ضعف؛ لأن في سنده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب وهو ضعيف ولو صح فالمعنى صحيح, دلت النصوص على أنه لا بأس فيه بدعاء الحي للحي, ومن ذلك أثنى الله على الأحياء باستغفارهم لمن سبقهم قال تعالى: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وقد قالت أم سليم رضي الله عنها: يا رسول الله خادمك أنس، ادع له وهذا في الصحيحين وغيرها.

فدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنس فهذا دعاء حي حاضر لحي حاضر يقول: وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يطلبون الدعاء منه -صلى الله عليه وسلم- وهو حي، وهذا أمر متفق على جوازه.. يعني دعاء الحي للحي والكلام في طلب القبوريين من الأموات أو من الأحياء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا أن يشفوا مرضاهم.. هذا الشرك هو طلب بعض الأحياء من صاحب القبر أن يشفي مريضًا أو طلبهم من الحي الغير قادر، حتى الحي ما يقدر على أن يشفي مريضًا هذا ما يقدر عليه غير الله، وطلبهم أن يردوا الغائب أو ينفسوا عن الحبلى , والحبلى يعني الحامل، أو يسقوا زرعهم، أو يدروا ضروع مواشيهم أو يحفظوها من العين، فهذا شرك سواء طلبه من الميت أو الغائب أو الحي الحاضر؛ لأنه لا يقدر عليه غير الله.. ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله، يقول المؤلف: هؤلاء الذين قال الله تعالى فيهم: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ يعني: هم لا ينصرون أنفسهم فكيف ينصروكم؟ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فكيف يطلب الإنسان من الجماد أو من حيٍ الجمادُ خير منه؛ لأنه لا تكليف عليه.