فإن قلت: هذا أمر عم البلاد، واجتمعت عليه سكان الأغوار والأنجاد، وطبق الأرض شرقًا وغربًا ويمنًا وشامًا وجنوبًا وعدنًا. بحيث لا تجد بلدة من بلاد الإسلام إلا وفيها قبور ومشاهد وأحياء يعتقدون فيها ويعظمونها، وينذرون لها، ويهتفون بأسمائها، ويحلفون بها، ويطوفون بفناء القبور، ويسرجونها ويلقون عليها الأوراد والرياحين، ويلبسونها الثياب، ويصنعون كل أمر يقدرون عليه من العبادة لها، وما في معناها من التعظيم والخضوع والخشوع والتذلل والافتقار إليها، بل هذه مساجد المسلمين، غالبها لا يخلو عن قبر أو قريب منه، أو مشهد يقصده المصلون في أوقات الصلاة، يصنعون فيه ما ذكر، أو بعض ما ذكر، ولا يسع عقل عاقل أن هذا منكر يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة، ويسكت عليه علماء الإسلام الذين ثبتت لهم الوطأة في جميع جهات الدنيا.
قلت: إن أردت الإنصاف، وتركت متابعة الأسلاف، وعرفت بأن الحق ما قام عليه الدليل، لا ما اتفق عليه العوالم جيلا بعد جيل، وقبيلا بعد قبيل، فاعلم أن هذه الأمور التي ندندن حول إنكارها، ونسعى في هدم منارها صادرة عن العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل، ومتابعتهم لهم من غير فرق بين دني ومثيل، ينشأ الواحد فيهم فيجد أهل قريته وأصحاب بلدته يلقنونه في الطفولية: أن يهتف باسم من يعتقدون فيه، ويراهم ينذرون عليه ويعظمونه، ويرحلون به إلى محل قبره، ويلطخونه بترابه، ويجعلونه طائفًا على قبره، فينشأ وقد وقر في قلبه عظمة ما يعظمونه، وقد صار أعظم الأشياء عنده من يعتقدونه، فنشأ على هذا الصغيرُ، وشاخ عليه الكبير، ولا يسمعون من أحد عليهم من نكير.
بل ترى من يتسم بالعلم، ويدعي الفضل، وينتصب للقضاء والفتيا والتدريس أو الولاية أو المعرفة، أو الإمارة والحكومة، معظمًا لما يعظمونه مكرمًا لما يكرمونه، قابضًا للنذور، آكلا ما ينحر على القبور، فيظن العامة أن هذا دين الإسلام، وأنه رأس الدين والسنام، ولا يخفى على أحد يتأهل للنظر، ويعرف بارقة من علم الكتاب والسنّة والأثر أن سكوت العالِم أو العالَم على وقع منكر ليس دليلا على جواز ذلك المنكر.
الشرح:-
يذكر المؤلف سلسلة من الشبهات والأسئلة التي يوردها بعض عباد القبور يشبهون بها على الناس، ثم يجيب عنها، يقول المؤلف رحمه الله: فإن قلت هذا أمر عم البلاد، يعني: وجود القبور والمشاهد ووجود من يطوفون حول القبور وينذرون لها ( هذا أمر عم البلاد واجتمعت عليه سكان الأغوار والأنجاد ) يعني اجتمع عليه سكان المرتفعات والمنخفضات , فالأغوار: جمع منخفض من الأرض , والأنجاد: جمع مرتفع من الأرض، واجتمع الناس عليه كله، من في البوادي، ومن في الأودية، ومن فوق الجبال كلهم استمروا على هذا الأمر من القبور التي تعظم ويذبح لها.
وقول المؤلف: وطبق الأرض شرقًا وغربًا ويمنًا وشامًا وجنوبًا وعدنًا كلها موجودة فيها قبور , لا تجد بلدة من بلاد الإسلام إلا وفيها قبور ومشاهد وأحياء يعتقدون فيها ويعظمونها، وينذرون لها , يعني ينذر لها إن شُفي مريضي لك كذا وكذا من النذور لصاحب القبر، ويهتفون بأسمائها، ويحلفون بها، ويطوفون بفناء القبور، ويسرجونها يعني: يصنعون عليها السرج والأنوار، وهذا من وسائل الشرك , وضع القباب على القبور وإسراجها ويلقون عليها الأوراد والرياحين , والأوراد: جمع ورد , هذا دعوه للشرك ووسيلة من وسائله , وكذلك الكتابة عليها, يقول: ويلبسونها الثياب ويصنعون كل أمر يقدرون عليه من العبادة لها، وما في معناها من التعظيم والخضوع والخشوع والتذلل والافتقار إليها.
يقول المؤلف: بل هذه مساجد المسلمين، غالبها لا يخلو عن قبر , أو قريب منه , أو مشهد يقصده المصلون في أوقات الصلاة، يصنعون فيه ما ذكر أو بعض ما ذكر.. وهذا موجود حتى الآن في الغالب، أي بلد تأتيه -ماعدا هذه البلاد- لا تجد مسجدًا إلا وفيه قبر, وقليل من المساجد تسلم من هذه القبور.
يقول المؤلف: ولا يسع عقل عاقل أن هذا منكر يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة , يقول: كيف تقول هذا منكر , والآن أمر عم البلاد , فالناس ما تحمل عقولهم هذا ولا يوافقونكم على أن هذا منكر وأنه بلغ من الشناعة من المنكرات الكفرية, ويسكت عليه علماء الإسلام الذين ثبتت لهم الوطأة في جميع جهات الدنيا؟
الجواب: قال المؤلف- رحمه الله-: إن أردت الإنصاف، وتركت متابعة الأسلاف، وعرفت بأن الحق ما قام عليه الدليل، لا ما اتفق عليه العوامّ، فاعلم أن هذه الأمور شركية , يقول: عليك أن تتجرد من التقليد والتبعية للأباء والأجداد؛ لأنها طريقة المشركين , فالحق ما قام عليه الدليل إلا ما اتفق عليه الناس وتواطئوا عليه , وهذا اتفق عليه الناس ولكن النصوص تخالفه، وكلها تدل على قبحه وشناعته , يقول المؤلف: فاعلم أن هذه الأمور التي ندندن حول إنكارها من الذبح والتعظيم ونسعى في هدم منارها صادرة عن العامة، هذه صدرت عن العوام , ما صدرت عن العلماء , هل وجدت عالم يطوف حول القبور يذبح لها وينذر لها؟ لا يفعل هذا إلا العوام، والعوام جهال.
يقول: هذه صادرة عن العامة الذين إسلامهم تقليد لآبائهم بلا دليل ومتابعتهم لهم من غير تفريق بين المحق وبين المبطل، ينشأ الواحد فيهم فيجد أهل قريته وأصحاب بلدته يلقنونه في الطفولة: أن يهتف باسم من يعتقدون فيه، ويراهم ينذرون عليه ويعظمونه، ويرحلون به إلى محل قبره ويلطخونه بترابه، ويجعلونه طائفًَا على قبره فيفعل مثل فعلهم فينشأ وقد وقر في قلبه عظمة ما يعظمونه، وقد صار أعظم الأشياء عنده من يعتقدونه فنشأ على هذا الصغير، وشاخ عليه الكبير، ولا يسمعون من أحد عليهم من نكير فاستمروا على هذه الأفعال, الشركية يقول المؤلف: بل ترى من يتسم بالعلم ويدعي الفضيلة، وينصب للقضاء والفتيا والتدريس أو الولاية أو المعرفة أو الإمارة والحكومة، معظمًا لما يعظمونه , هذا من المصائب الذي يتسم بالعلم، فهناك علماء من أهل الشرك يشجعون العامة على الشرك ويحثونهم عليه، فهؤلاء لا عبرة بهم , إنما العبرة بعلماء الحق علماء الشريعة، علماء الكتاب والسنة، علماء أهل العلم والعمل، أما العلماء المنحرفون فلا عبرة بهم , فاليهود فيهم علماء , والنصارى فيهم علماء , ولكن علماء ضلال.
يقول المؤلف: ( مكرمًا لما يكرمونه قابضًا للنذور ) أيضًا معناها: إقرار على الشرك, أكل ما ينحر على القبور , فهي شركية , فكيف تؤكل؟ فالتي تذبح لصاحب القبر ميتة حرام أكلها, كذلك يأكلها من يتسم بالعلم من علماء الضلال , فيظن العامة أن هذا دين الإسلام، وأنه رأس الدين والسنام، ولا يخفى على أحد يتأهل للنظر، ويعرف بارقة من علم الكتاب والسنة والأثر, أن سكوت العالِم أو العالم على وقوع منكر , ليس دليلا على جواز ذلك المنكر، وأن الإنسان قد يكون ساكتًا لأنه عاجز عن الإنكار؛ ولأن الإنكار يكون باليد ثم باللسان ثم بالقلب , قد يكون هـذا الذي سكت من العلماء وما عنده استطاعة لتغييره؛ لأنه يخشى أن يصيبه ضرر في دينه أو بدنه أو ماله فيكون معذورًا ولينكر بقلبه.
مواعيد ماي 2026
الآن 67
هذا اليوم 9573
بالامس 10130
لهذا الأسبوع 50854
لهذا الشهر 9573
لهذه السنة 1072615
منذ البدء 17742621
تاريخ البدء 2015/05/05
أعلى إحصائية 18201
بتاريخ 2019/11/14