رسالة العبودية شرح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي الدرس 42

شرح رسالة العبودية القسم الأول ممن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية
الأربعاء 24 شوال 1438 هـ   الموافق لـ : 19 جويلية 2017 م
تحميل الشريط

عناصر الشريط

تفريغ الشريط

القسم الأول ممن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية

"وهؤلاء يصل بهم الكفر إلى أنهم لا يشهدون أنهم عباد الله، لا بمعنى أنهم معبدون، ولا بمعنى أنهم عابدون، إذ يشهدون أنفسهم هي الحق، كما صرح بذلك طواغيتهم، كابن عربي صاحب "الفصوص"، وأمثاله الملحدين المفترين، كابن سبعين وأمثاله، ويشهدون أنهم هم العابدون والمعبودون.

"لا بمعنى أنهم معبدون" هذه العبودية العامة، "ولا بمعنى أنهم عابدون" العبودية الخاصة، لا هذا ولا هذا، تجاوزوا الوعيد فشهدوا أنفسهم أنهم هم الخالق والمخلوق، وهم الرب والعبد جميعا -نعوذ بالله- نعم. كابن عربي رئيس وحدة الوجود، وابن سبعين والملاحدة، الملاحدة الذين قالوا بوحدة الوجود، يقولون بهذا القول. نعم. لعلنا نقف على هذا. نقف على مبحث الاتحادية، وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع الخير.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

في الدرس الماضي، أعطاني أحد الإخوان ورقتين مكتوب فيها بعض الأسئلة.

س: سائل يقول: هل يجوز الترحم على أهل البدع، والذين وقعوا في كلام كفر؟

ج: الجواب أن من وقع في كفر، من حكم بكفره فلا يترحم عليه، فالكافر لا يترحم عليه، قال الله -تعالى-: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ .

محبة تليق بجلال الله وعظمته، ليست كمحبة المخلوق، ويوصف بالخلة، والخلة هي كمال المحبة ونهايتها، والله -تعالى- اتخذ إبراهيم خليلا، واتخذ محمدا خليلا -عليهما الصلاة والسلام-، أما المحبة، فالله -تعالى- يحب المؤمنين، ويحب التوابين ويحب المتطهرين، فالمقصود أن الله -تعالى- يوصف بالمحبة والخلة فقط من أنواع مراتب المحبة.

سبق في الدرس الماضي، في مطلع رسالة العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، أنه عرف العبادة بأنها: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه". وبين -رحمه الله- من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وبين -رحمه الله- أن العبودية تنقسم إلى قسمين:عبودية عامة، وعبودية خاصة.

فالعبودية العامة: هي ربوبية الله. العبودية العامة شاملة لكل مخلوق، كل مخلوق هو عبد لله، بمعنى أنه معبد مدبر تنفذ فيه قدرة الله ومشيئته، شاء أم أبى، علم أو لم يعلم، رضي أم لم يرض.

أما العبودية الخاصة: فهي طاعته -سبحانه- المتعلقة بإلهيته، عبادته -سبحانه وتعالى- المتعلقة بإلهيته وطاعة أمره وأمر رسوله، والذي يعبد الله عن طواعية واختيار المؤمنين. هذه العبودية الخاصة، خاصة بالمؤمنين، أما العبودية العامة فهي شاملة للمؤمن والكافر.

بين -رحمه الله- أن من الناس من يشهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية. فالحقيقة الكونية: هي ربوبية الله العامة لكل شيء. بعض الناس يشهد الحقيقة الكونية، يعني: يشهد ربوبية الله بكل شيء، وأنه تنفذ فيه قدرته ومشيئته، ويقف عند هذا الحد، ولا يتجاوزها إلى الحقيقة الدينية، وهي عبادة متعلقة بألوهية وطاعة أمره، وأمر رسوله، والذين يشهدون الحقيقة الكونية ويقفون عندها، بين المؤلف -رحمه الله- أنهم أقسام، وأنه قد يصل الحال ببعض الذين يشهدون الحقيقة الكونية، إلى أن يصلوا إلى القول بوحدة الوجود، وهذا الغـاية في الكـفر، نسأل الله العافية.

الذين يشهدون الحقيقة الكونية من الصوفية وغلاة الصوفية، قد يغلون حتى يصلوا إلى القول بوحدة الوجود، نعوذ بالله ونسأل السلامة والعافية، يعني: يشهد بربوبية الله في كل شيء، وأن قدرته نافذة في كل شيء، وأنه لا خروج له عن إرادة الله، ثم يصل به الحال إلى أنه يتجاوز هذا، فيرى نفسه أنه هو الله، وأنه هو الخلق وهو المخلوق، وهو العبد وهو المعبود، تجاوز الحقيقة الدينية، وهو يتجاوز الحقيقة الدينية، وهؤلاء الكفرة -والعياذ بالله- هم الغاية في الكفر نسأل الله السلامة والعافية، الذين يقولون بوحدة الوجود، وسبب ذلك غلوهم في شهود الحقيقة الكونيـة.

وهناك قسم آخر ممن شهد الحقيقة الكونية، يحتج بالقدر في كل شيء، وكل شيء يخالف فيه الشريعة يحتج بالقدر احتجاجا مطلقا عاما. وهناك طائفة ثالثة، يرون أن الشريعة والتكاليف لازمة لمن أثبت لنفسه صفات، وأثبت لنفسه فعلا. فمن أثبت لنفسه أفعالا، وأثبت لنفسه صفات -فالتكاليف لازمة له، أما من شهد الإرادة -إرادة الله الكونية-، ولم يجعل لنفسه صفات ولا أفعال -فإنه يسقط عنه التكليف.

فيقسمون الناس إلى قسمين: قسم خاصة، وقسم عامة. فالعامة عليهم التكاليف، عليهم الأوامر والنواهي، والصلاة والصوم، والخاصة الذين شهدوا الإرادة الكونية، وألغوا صفاتهم وأفعالهم، وجعلوها صفة لله، تسقط عنهم التكاليف.

وهناك قسم رابع من الذين يحتجون بالقدر، يؤدون الواجبات وينتهون عن المحرمات، إلا أنهم يتركون الأسباب الشرعية، الأسباب الذين أمروا بها شرعا، وهذا نقص عظيم، قد تكون الأسباب واجبة وقد تكون مستحبة.

وهناك قسم خامس يفعلون الواجبات لكن يتركون المستحبات، فهؤلاء يحصل لهم نقص عظيم، ويفوتهم خير عظيم من الثواب ومن الأجر.

وهناك قسم سادس يشتغلون بما يحصل لأحدهم من بعض خوارق العادات، إما مكاشفة أو استجابة دعاء، فيشتغلون بذلك عما أمر به من عبادة الله وشكره، هذه أقسام الناس الذين يحتجون بالقدر، وسيبينهم المؤلف رحمه الله، نقرأ الآن.

هذا هو القسم الأول ممن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية، يسوون بين الأجناس المختلفة، يسوون بين المؤمنين وبين الكفار، وبين الأبرار وبين الفجار، بل يسوون بين الله وبين الأصنام، بل يصل بهم الحال، تصل بهم إلى أن يجعلوا الوجود واحد، فيجعلون الخالق عين المخلوق والمخلوق عين الخالق، والرب عين العبد والعبد عين الرب، فلا يشهدون أنفسهم أنهم معبودون ولا عابدون، بل يشهدون أنه هو المعبود وهو العباد، وهو الرب وهو العبد، وهو الخالق وهو المخلوق.

ومن هؤلاء الملاحدة: رئيسهم "ابن عربي". محيي الدين بن عربي، وابن سبعين، والعفيف التلمساني وغيرهم، حتى يقول ابن عربي من أبياته المشهورة:

الـرب عبـد والعبـد رب

يا ليت شعري من المكلف

إن قلـت عبـد فذاك ميت

أو قلـت رب أنـى يكلـف

ما في فرق بينهما، ما أدري العبد هو الرب، والرب هو العبد، أيهما المكلف؟

الـرب عبـد والعبـد رب

يا ليت شعري من المكلف

إن قلـت عبـد فذاك ميت

أو قلـت رب أنـى يكلـف

ويقول من كلماته: يقول: "رب مالك، وعبد هالك، وأنتم ذلك، والعبد فقط، وكثرة الوهن".

ويقول أيضا في مقاصده، يقول: "ومن أسماء الله الحسنى العلي". ثم يقول:

"علي على ماذا". العلي، من أسماء الله الحسنى العلي، ثم يقول:

علي على ماذا وما ثم إلا هو

وعـن مـاذا ومـا هـو إلا هو

هكذا -والعياذ بالله- يقول: "إن كل شيء تراه في الكون هو الله".

سـر حـيث شـئت فـإن اللـه ثم

وقل ما شئت فيه فالواسع الله

كل شيء تراه هو الله، وأما هذا التعدد هو وهم، هكذا يصل الحال بوحدة الوجود، هؤلاء أكفر خلق الله، من أكفر خلق الله، يقول: "ما في رب ولا عبد، أنت الرب وأنت العبد، أنت العبد وأنت الرب، وأنت الخالق وأنت المخلوق".

فإذن هذا التعدد وهم، وهذه مظاهر لتجلي الحق، فالله يتجلى بصورة عابد، كما يتجلى في صورة معبود، كما يتجلى في صورة فرعون، ويتجلى في صورة هاد، كما يتجلى في صورة الرسل، وهؤلاء يقولون: "كل من عبد شيئا فهو على حق وعلى صواب، فالذي يعبد الأصنام على حق، والذي يعبد النار على حق، والذي يعبد الشجر على حق، والذي يعبد كل شيء يكون على حق -والعياذ بالله-، والذي يخصص ويقول لا يعبد إلا شيئا واحدا هو الكافر".هكذا يقولون.

من خصص التخصيص بالكفر، الكفر بالتخصيص، هكذا يقولون، يقول:" إن الله واسع"، كل شيء تخصص، ما في إلا شيء واحد، هذا الكفر عندهم -والعياذ بالله- حتى إنهم يقولون:... ولهم معارضات، كابن عربي له معارضات، الآن يعارض في القرآن الكريم، يعارض قصة قوم نوح، وقصة قوم هود، له معارضات، له رموز، نسأل الله السلامة والعافية، حتى إنهم يقولون: "إن فرعون مصيب حينما قال: "أنا ربكم الأعلى". على حق وعلى صواب، عباد الأصنام على صواب، لكن يقولون: " فرعون أغرق لماذا أغرق؟"

يقول: أغرق لأنه ظن أنه هو المعبود فقط، حتى يزول الحسبان، يقول: "ما في إلا أنت الرب، كل الناس رب"، أغرق حتى يزول هذا الحسبان، حتى يزول هذا التوهم، فأغرق وطهر فصار إغراقه تطهيرا له؛ ليزول الحسبان والتوهم، الذي يتوهم أنه هو المعبود فقط.

هكذا يقول، نعوذ بالله، نسأل الله السلامة والعافية.نعم. هذه الطائفة الأولى كما قال المؤلف -رحمه الله-: الذين شهدوا الحقيقة الكونية دون الدينية، يسوون بين الخالق وبين المخلوق، وبين العابد وبين المعبود، يشهدون أنفسهم هي الحق، يعني هي الله. نعم.