والجهاد يتضمن كمال محبة ما أمر الله به، وكمال بغض ما نهى الله عنه؛ ولهذا قال في صفة من يحبهم ويحبونه: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ تسمى آية المحنة لما ادعى قوم محبة الله امتحنهم بهذه الآية، وبين المؤلف -رحمه الله- أن الدين الحق تحقيق العبودية لله بكل وجه، وهو تحقيق محبة الله، وأن كل عمل لا يوافق شرع الله فإنه لا يكون لله، ولا يكون لله إلا ما جمع الوصفين: أن يكون لله، وأن يكون موافقا لمحبة الله ورسوله.
وبين المؤلف -رحمه الله- أن الشرك غالب على النفوس، وكما في الحديث أنه أخفى من دبيب النمل وأن من الشرك الخفي: اتباع الهوى، محبة المال، محبة الجاه، محبة الصور، إلى غير ذلك، وبين -رحمه الله- ساق الحديث الذي فيه بيان أن حرص الإنسان على المال والشرف يفسد دينه، لا ينقص في إفساد الدين عن فساد الذئبين الجائعين اللذين أرسلا في حظيرة غنم.
وبين المؤلف -رحمه الله- أن إبراهيم، وآل إبراهيم -عليهم الصلاة والسلام- هم أئمة الحنفاء، ونبينا -صلى الله عليه وسلم- من آل إبراهيم، وأن فرعون وآل فرعون هو أئمة الكفر والضلال، ومنهم الاتحادية الذين يقولون: إن الوجود واحد، هم على دين فرعون، وعلى مذهب فرعون.
ثم بين المؤلف -رحمه الله- مسألة الفناء، تقسيم الناس في الفناء في الصوفية، والفناء كلمة يعنون بها تجريد شهود الحقيقة الكونية، والغيب عن شهود الكائنات، ويقسمونها إلى ثلاثة أقسام: الفناء عن وجود السواء، الفناء عن شهود السواء، الفناء عن مراد السواء.
فالفناء عن وجود السواء يعني يفنى عن وجود ما سواه، وأصل كلمة الفناء في اللغة أن الإنسان يفني مادة في مادة، فإذا وضعت الدقيق الطحين في ماء، ثم ذاب صار مادته، صار معه تفنية مادة في مادة، اصطلح الصوفية على أن المراد بالفناء هو تجريد شهود الحقيقة الكونية والغيب عن شهود الكائنات.
فالفناء عن وجود السواء معناه: هو أن ينكر ما سوى الله، وهذا هو مذهب الاتحادية القائلين بوحدة الوجود، يفنون المخلوق في الخالق، فليس هناك خالق ولا مخلوق؛ بل الخالق هو المخلوق، والمخلوق هو الخالق، هذا فناء عند الملاحدة.
والثاني الفناء عن شهود السواء: بمعنى أنه يغيب عن المخلوقات، ولا ينظر إلا إلى الله لئلا تشوش عليه طريقه وسلوكه إلى الله، فهذا ما ينكر المخلوقات؛ لكن ينكرها من الشهود، ولا ينكرها من الوجود حتى لا تشوش عليه، تحصل لبعضهم غيبة، ويسمون هذا اصطلام، وسكر، ومحو، وجمع.
وقد يقوى شهود القلب، وتقوى الغيبوبة عند بعضهم حتى ينسى كل شيء، وينسى نفسه، ولا ينظر إلا إلى محبوبه حتى يظن أنه اتحد بمحبوبه، وامتزج به، ومن ذلك أن بعضهم؛ بعض المحبين لشدة ولعه بمحبوبه صار كأنه مغناطيس يجذبه، سقط المحبوب في الماء فسقط وراءه، فقال: كيف أنا سقطت؟ ما الذي أوقعك في الماء؟ قال: غبت بك عني فظننت أنك أني، خلاص غبت بك عني فظننت أنك أني، كأنه مغناطيس، يقول: جذبتني ما أستطيع أنا في غيبوبة، غبت بك عني فظننت أنك أني.
أما الثالث فالفناء عن مراد السواء: بمعنى أنه يلغي مراد نفسه لمراد الله، يقدم محبة الله على محبة النفس، وعلى مراد النفس، يقدم مراد الله ومحبوبات الله على مراد النفس وحظوظها وشهواتها، هذا فناء خواص الأولية والمقربين.
يقول شيخ الإسلام: إن كان هناك فناء صحيح فهو هذا الفناء، ومن ذلك كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" فيها فناء وبقاء، فالفناء "لا إله" هذا فناء تفني ما سوى الله، تفيد يعني بتنفي ما سوى الله من العبودية، وتبقي الله -سبحانه وتعالى- فهو المعبود بالحق، نعم.
مواعيد مارس 2026
الآن 98
هذا اليوم 6719
بالامس 12133
لهذا الأسبوع 30269
لهذا الشهر 41933
لهذه السنة 458392
منذ البدء 17128398
تاريخ البدء 2015/05/05
أعلى إحصائية 18201
بتاريخ 2019/11/14