الاقتصاد في الاعتقاد شرح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي الدرس 11

شرح الاقتصاد في الاعتقاد صفة الوجه
الأربعاء 24 شوال 1438 هـ   الموافق لـ : 19 جويلية 2017 م
تحميل الشريط

عناصر الشريط

تفريغ الشريط

صفة الوجه

الدليل على إثبات صفة الوجه والذات لله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

قال الإمام عبد الغني المقدسي في كتابه "الاقتصاد في الاعتقاد":

ومن الصفات التي نطق بها القرآن وصحت بها الأخبار الوجه، قال الله -عز وجل-: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ قال -عز وجل-: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وروى أبو موسى -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: جنات الفردوس أربع: ثنتان من ذهب، حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة، حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم -عز وجل- إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن .

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

من الصفات التي جاءت في القرآن العزيز، وثبتت في السنة المطهرة، صفة الوجه لله -عز وجل-؛ ولهذا قال المؤلف: "ومن الصفات التي نطق بها القرآن قول الله -تعالى- هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ نطق بها القرآن، يعني: أثبتها الله -تعالى- في كتابه، وصحت بها الأخبار، يعني الأخبار: الأحاديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صفة الوجه، استدل على ذلك بالأدلة من الكتاب العزيز، ومن السنة المطهرة، قال الله -تعالى-: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ .

نقول: إِلَّا وَجْهَهُ فيها إثبات الوجه لله، إثبات الوجه والذات، وقال -عز وجل- وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وأهل البدع ينكرون صفة الوجه لله -عز وجل-، الجهمية والمعتزلة والأشاعرة أيضا، وإن صفة الوجه من الصفات الذاتية الثابتة لله -عز وجل-، والأشاعرة يتأولونها، منهم من يؤولها بالذات، منهم من يقول: بالذات. وجه ربك، أي: ذاته. تجدون هذا في تفسير الجلالين، يقول: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ أي: ذاته. قصدهم بذلك إنكار للوجه، والآية فيها إثبات الوجه والذات.

وكذلك أيضا بعض الأشاعرة: البغدادي وغيره من الأشاعرة، أولوا الوجه بالذات، ومنهم من فوض، بعض الأشاعرة المحدثين كالبيهقي وغيره، فإنهم فوضوا (أهل الصفة)، والتفويض معناه: تفويض المعنى. يقولون: لا نعلم معنى هذه الصفة، نفوضها إلى الله، لا نعلم معناها. التفويض هو عدم إثبات معنى لنصوص الصفات. وهذا باطل، قال بعض أهل العلم: إن التفويض شر من التعطيل، المفوضة شر من المعطلة، المفوضة الذين لا يثبتون معاني الصفات، يقولون: لا ندري معنى الاستواء، معنى اليدين، معنى الوجه، يقولون: لا ندري معناها، كأنها حروف لاتينية، كأنها حروف أعجمية لا نفهم معناها، وهذا غلط؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- أمر نبيه أن يتدبر القرآن كله، ولم يستثن شيئا، قال: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا وقال -تعالى-: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ .

ومن الأشاعرة من أثبتها كابن فورك، وكذلك البيهقي -رحمه الله-، وإن كان من الأشاعرة أثبتوها، بخلاف البغدادي والآمدي، فإنهم أولوها بالذات، ومنهم من فوض الصفة، المفوضة طائفة تقابل المعطلة، المعطلة الذين عطلوا الرب من صفات كماله وتأولوا الصفات، أولوا صفة الاستواء بالاستيلاء، أولوا صفة الوجه بالذات، هؤلاء المعطلة، وأما المفوضة فهم الذين يفوضون المعاني (معاني الصفات)، يقولون: لا ندري ما معناها. يقول: أيش معناها؟ لا نعلم معناها. وأهل الحق أثبتوا الصفات، أثبتوا الصفات وأثبتوا معانيها، وفوضوا الكيفية.

الكيفية لا يعلمها إلا الله، كما قال الإمام مالك -رحمه الله- لما سئل عن الاستواء، قال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب". نعرف معنى العلم وإنه ضد الجهل، نعرف السمع وأنه ضد الصمم، نعرف البصر وهو ضد العمى، نعرف المعنى نثبت المعنى، المفوضة يقولون: لا ندري أيش معناها؟ معنى البصر، ولا ندري معنى السمع، وما ندري معنى العلم، ما ندري، حروف نلوكها بألسنتنا، لا ندري ما معناها، نفوض معناها إلى الله. هذا باطل، المعاني معلومة، إنما الذي لا يعلم هو الكيفية (كيفية الصفات)، كيفية الصفات لا يعلمها إلا الله، كيفية صفة العلو، كيفية صفة السمع، كيفية صفة الاستواء، كيفية صفة الوجه، لا يعلمها إلا الله، أما المعنى فهو معلوم. ولهذا المؤلف -رحمه الله- قال: "من الصفات التي نطق بها القرآن وصحت بها الأخبار الوجه". استدل بآيتين من كتاب الله، الآية الأولى قول الله -تعالى-: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ فيه إثبات الوجه، والمؤولة يقولون: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ إلا ذاته، قصدوا من ذلك إنكار الوجه، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ .

هذا من القرآن العزيز، واستدل من السنة بأدلة، منها حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- الذي رواه الشيخان وغيرهما، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: جنات الفردوس أربع: ثنتان من ذهب، حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة، حليتهما وآنيتهما وما فيهما وفي لفظ آخر: جنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن .

يقول: إلا رداء الكبرياء على وجهه فيه إثبات الوجه، وفيه إثبات الرؤية، وأن الله -تعالى- يرى يوم القيامة، وفيه إثبات الكبرياء (إثبات الكبرياء لله عز وجل)، قال الله -تعالى-: وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فهذا الحديث فيه إثبات بعض الصفات: صفة الوجه، وصفة الرؤية، وصفة الكبرياء. والرؤية سيتكلم عنها المؤلف -رحمه الله-، صفة الرؤية سيأتي الكلام عليها، وهي من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وأهل البدع.

يقول: وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم، إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن هذا خاص بالمؤمنين، المؤمنين يرون ربهم -سبحانه وتعالى- في الجنة، وفي موقف القيامة أيضا يرونه، وأما غير المؤمنين اختلف العلماء في رؤيتهم لله في موقف القيامة: من العلماء من قال: يراه أهل الموقف كلهم مؤمنهم وكافرهم، ثم يحتجب عن الكفرة. ومن العلماء من قال: إنه لا يراه إلا المؤمنون والمنافقون؛ لأن المنافقين صاروا مع المؤمنين في الدنيا، وجرت عليهم أحكام الإسلام، فصاروا معهم في الآخرة، ثم بعد ذلك ينفصل المؤمنون عن الكفار، ويضرب بينهم بسور له باب. وقال نفر من أهل العلم: إنه لا يراه إلا المؤمنون، وأما الكفار فإنهم يحجبون عن الله، قال الله -تعالى-: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ .

والذين قالوا: إن الكفار يرون ربهم يوم القيامة، قالوا: هذه الرؤية لا تفيدهم، ولكن يستزيدون بها عذابا إذا حجبوا، وهذا مثل السارق حين يرى السلطان ثم يعاقبه، فإنه لا يستفيد من هذه الرؤية إلا عقوبة، وفيه إثبات الجنة، وأن المؤمنين يتفاوتون في درجاتهم جنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما هذه للمقربين (السابقين المقربين) وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما للمقتصدين أصحاب اليمين، كما قال الله -تعالى- في سورة الرحمن: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ هذه للمقربين، ثم قال: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ هذه للمقتصدين، وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ مُدْهَامَّتَانِ يعني أربع جنات، فالمؤمنون يتفاوتون في درجاتهم في الجنة على حسب أعمالهم. نعم.

وفيه الرد على من أنكر الجنة والنار كالجهمية، فالجهمية أنكروا الجنة والنار، وقالوا: إن الجنة والنار ... المعتزلة يقولون: إنهما لا توجدان إلا يوم القيامة. المعتزلة قالوا: إن الجنة والنار تخلقان يوم القيامة، وأما الآن فهما عدم. وهذا من أبطل الباطل؛ الله -تعالى- أخبر أن الجنة موجودة، والنار أعدت للكافرين، ويفتح باب إلى المؤمن باب إلى الجنة، يأتيه منه روحها وطيبها، والكافر يفتح له باب إلى النار، يأتيه بحرها وعذابها والأرواح (أرواح المؤمنين) في الجنة تنعم، وأرواح الكفار في النار تعذب، وفي الجنة الولدان والحور، قول المعتزلة من أبطل الباطل، وكذلك الجهمية يقولون: إنهم يوم القيامة تفنيان، الجنة والنار تفنيان جميعا. وهذا من أبطل الباطل. نعم.