الاقتصاد في الاعتقاد شرح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي الدرس 45

شرح الاقتصاد في الاعتقاد الإيمان بالشفاعة
الأربعاء 24 شوال 1438 هـ   الموافق لـ : 19 جويلية 2017 م
تحميل الشريط

عناصر الشريط

تفريغ الشريط

الإيمان بالشفاعة

ويعتقد أهل السنة ويؤمنون أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يشفع يوم القيامة لأهل الجمع كلهم شفاعة عامة، ويشفع في المذنبين من أمته؛ فيخرجهم من النار بعد ما احترقوا، كما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : لكل نبي دعوة يدعو بها فأريد -إن شاء الله- أن أختبئ دعوتي؛ شفاعة لأمتي يوم القيامة وروى أبو هريرة -رضي الله عنه- أنه قال : قلت يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قِبَل نفسه رواه البخاري وروى حديث الشفاعة بطوله أبو بكر الصديق وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأنس بن مالك وحذيفة بن اليمان وأبو موسى عبد الله بن قيس وأبو هريرة وغيرهم..

نعم، هذا مبحث الشفاعة، والشفاعة في اللغة: الوساطة، والمراد بها شرعا إذا ضمّ الشفيع نفسه إلى المشفوع له ، فيكون شفعا بعد أن كان وترا، إذا جاءك إنسان يسألك يسأل إنسان قال يريد شيئا من شخص، ثم أنت ضممت صوتك إلى صوته شفعت له، فصرت أنت وهو اثنين بعد أن كان واحدا، بعد أن كان هو يطلب الحاجة ثم شفعت له، وضممت نفسك إليه فصرتما اثنين، والاثنان شفع، ضم الشفيع نفسه إلى غيره؛ ليكون شفعا بعد أن كان وترا، بعد أن كان الذي يسأل واحد، فإذا شفعت له ضممت صوتك إلى صوته؛ فصرتما اثنين، والاثنان شفع والواحد وتر.

وقيل طلب الخير للغير، وقيل معنى الشفاعة: طلب الخير للغير، وقيل معنى الشفاعة: مساعدة ذي الحاجة صاحب الحاجة عند من يملك الحاجة، مساعدة ذي الحاجة صاحب الحاجة عند من يملك الحاجة، والشفاعة تكون يوم القيامة حينما يشفع النبي -صلى الله عليه وسلم- يأتيه الناس ويطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله ليحاسبهم، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يضم صوته إلى صوتهم ويساعدهم ويطلب من الله بعد أن يأتيه الإذن يسجد تحت العرش، ثم يتجه إلى الله فيسأل ربه أن يقضي بينهم فيكون شفع للخلائق .

فيكون -عليه الصلاة والسلام- شفع للخلائق الشفاعة ضم صوته إلى صوتهم وساعدهم وطلب من الله ، سأل الله -سبحانه وتعالى- أن يقضي بين العباد وذلك بعد أن يأتيه الإذن لا يشفع بدون إذن لا بد من الإذن، الشفاعة لها شرطان: إذن الله للشافع أن يشفع ورضاه عن المشفوع له، ولا يمكن لأحد يأتي يشفع حتى ولو كان نبينا -صلى الله عليه وسلم- وهو أوجه الناس عند الله، وإذا كان موسى قال الله: وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ومحمد أوجه وأوجه أعظم وجاهة، ومع ذلك لا يستطيع وهو أفضل الخلق أن يبدأ بالشفاعة أولا، لا يشفع أولا بل يسجد تحت العرش -عليه الصلاة والسلام- فيفتح الله عليه بمحامد يلهمه إياها لا يحسنها بدار الدنيا، ثم يأتي إليه الإذن من الرب -سبحانه وتعالى- فيقول : يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع هذا للنبي، فيرفع فيقول الرسول: يا رب أسألك أن تقضي بين الخلائق فيشفعه الله فيقضي بين الخلائق.

ونبينا -عليه الصلاة والسلام- له شفاعات خاصة، وله شفاعات يشاركه فيها غيره -عليه الصلاة والسلام-، فالشفاعات الخاصة التي تخص نبينا -صلى الله عليه وسلم- الشفاعة العظمى، والشفاعة العظمى تكون لأهل الموقف حينما يوقف الناس بين يدي الله للحساب حفاة لا نعال عليهم، عراة لا ثياب عليهم، غرلا جمع أغرل غير مختونين، بهمًا ليس معهم شيء، ويشتد الكرب وتدنو الشمس من الرؤوس ويزداد في حرارتها واليوم عظيم فيموج الناس بعضهم في بعض كما هو معروف في حديث الشفاعة الطويل:

فيأتون أولا آدم يطلبوا منه أن يشفع لهم فيعتذر لهم ويقول : أكلت من الشجرة فلا أستطيع اسألوا غيري، ثم يرشدهم إلى نوح فيذهبوا إلى نوح، فيعتذر فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولم يغضب بعده مثله، ما أستطيع، وقد دعوت على قومي دعوة أغرقتهم اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم -عليه السلام- فيأتون إلى إبراهيم فيسألونه الشفاعة فيعتذر ويقول : ما أستطيع ويقول إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولم يغضب بعده مثله، وإني كذبت في الإسلام ثلاث كذبات أجادل بهن عن دين الله، قال عن زوجته أنها أخته ونوى أنها أخته في الإسلام، وكسرت الأصنام وجعل الفأس على الصنم الكبير وقال: هذا، جعلها كذبة ، ونظر في النجوم فقال: إني سقيم، يريهم بهذا اللهب، هذه جعلها كذبات ومع ذلك يعتذر -عليه الصلاة والسلام- كذبت في الإسلام ثلاث كذبات اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فإنه كليم الله، فيذهبون إلى موسى ويقولون: يا موسى اشفع لنا عند ربك فيعتذر ويقول: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولم يغضب بعده مثله، إني قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها -لما قتل القبطي قبل النبوة هذا قبل النبوة ومع ذلك يعتذر وتاب قبل النبوة ومع ذلك- اذهبوا إلى عيسى فإنه روح الله وكلمته، فيذهبون إلى عيسى فيعتذر أيضا ولا يذكر ذنبا إلا أنه قال : اتخذت أنا وأمي إلها من دون الله، ولكن اذهبوا إلى محمد، فإنه خاتم النبيين، فيذهبون إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فيقول: أنا لها، أنا لها، فيذهب فيسجد تحت العرش -صلى الله عليه وسلم- فيفتح عليه بمحامد يلهمه إياها لا يحسنها في دار الدنيا، فيأتيه الإذن من الرب: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، فيقول : أسألك أن تقضي بين عبادك فيقول: أنا أقضي بينهم، أنا أقضي بينهم .

هذا هو المقام المحمود الذي يغبطه الأولون والآخرون، قال -سبحانه وتعالى- : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا هذا هو المقام المحمود، الشفاعة يغبطه فيه الأولون والآخرون، جاء في بعض الأحاديث أن المقام المحمود أن يجلسه معه على العرش، وهذا جاء في أحاديث ذكرها -استدل بها بعض أهل السنة كشيخ الإسلام وغيره، وإن صح يكون المقام المحمود شيئين: الشفاعة وإجلاسه على العرش، وهذا من خصائصه -عليه الصلاة والسلام-، هذا هو المقام المحمود الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون، هذا الفخر وهذا العز ولذلك قال النبي: أنا سيد ولد آدم ولا فخر، أنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وأنا أول شفيع -عليه الصلاة والسلام- هذه خاصة به لا يشاركه فيها أحد.

الشفاعة الثانية: وهي الإذن لأهل الجنة في دخولها، لا يدخلون الجنة حتى يشفع لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في أن يؤذن لهم في دخولها، وهذه خاصة به، وهناك شفاعة ثالثة خاصة به وهي الشفاعة عن تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب، شفاعة تخفيف، ما يؤخذ منها ، مات على الشرك أبو طالب، مات على الكفر، أبي أن يقول لا إله إلا الله، وقال: هو على ملة عبد المطلب، وملة عبد المطلب الكفر، لكن خف كفره في إيوائه للنبي -صلى الله عليه وسلم- ودفاعه عنه؛ فيشفع له النبي شفاعة تخفيف ، يخفف عنه العذاب.

ولهذا ثبت في الأحاديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل قيل يا رسول الله : إن أبا طالب يحميك ويزود عنك فهل نفعته ؟ قال: نعم : وجدته في غمرات من نار، فأخرجته إلى ضحضاح منها يغلي دماغه كان في غمرات من نار تخرج من جميع الجهات، فأخرج إلى ضحضاح من نار يغلي منها دماغه من هذا الضحضاح، وهو يظن أنه أشد أهل النار عذابا من شدة ما يجد وهو أخفهم، هذه شفاعة تخفيف خاصة.

وهناك شفاعات مشتركة، من هذه الشفاعات المشتركة: الشفاعة في قوم من أهل الجنة حتى ترفع درجاتهم بدلا من أن يكونوا في درجة سفلى يكونوا في درجة عليا، وشفاعة في قوم استحقوا دخول النار فلا يدخلونها من عصاة الموحدين، العصاة استحقوا دخول النار فيشفع لهم ألا يدخلوها فيشفعه الله، وشفاعة في قوم دخلوا النار أن يخرجوا منها من العصاة هذه مشتركة، وشفاعة في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم ألا يدخلوا النار.

وقد تواترت الأخبار عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : يدخل النار جملة من أهل الكبائر من المؤمنين الموحدين... مؤمنون موحدون مصلون، ولا تأكل النار وجوههم مكان السجود، لكن دخلوها بالكبائر ماتوا عليها بغير توبة، وهذا دخل النار؛ لأنه مات على الزنا من غير توبة، وهذا مات على الربا من غير توبة، مات على التعامل بالربا، وهذا مات على عقوق الوالدين، هذا مات على قطع صلة الرحم ، هذا مات على الغيبة ، هذا مات على النميمة ، هذا مات على نصرة الباطل ، هذا مات على شهادة الزور، منهم من يعفى عنه، ومنهم من يدخل النار ويعذب، وهذا مات لأنه قتل نفسا بغير حق فيعذب، ولكنهم يتفاوت خروجهم، منهم من يخرج يمكث مدة طويلة، ومنهم قليلة، ومنهم من يمكث مدة طويلة حسب جرائمهم وأعمالهم، فيخرجهم بالشفاعة.

يشفع لهم نبينا -صلى الله عليه وسلم- أربع شفاعات، كل مرة يحد الله له حدا، يشفع في من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان، وذكروا في بعضه من كان في قلبه مثقال نصف دينار، وفي بعضه من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، وفي بعضها أخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، ويشفع الأنبياء، ويشفع الشهداء، ويشفع الصالحون، ويشفع أهل القرآن، ويشفع الملائكة، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة، فيأخذهم رب العالمين برحمته فيقول: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع الصالحون، ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين ، فيخرج قوما من النار لم يعملوا خيرا قط، يعني: زيادة عن التوحيد والإيمان، فإذا تكامل خروج العصاة والموحدين ولم يبق منهم أحد أطبقت النار على الكفرة بجميع أصنافهم ؛ اليهود والنصارى والوثنيين والشيوعيين والملاحدة والمنافقين في الدرك الأسفل من النار، فلا يخرجون منها أبدا أبدا ، قال تعالى : إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ يعني: مطبقة مغلقة ، قال سبحانه : يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ وقال سبحانه: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ وقال سبحانه: لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا والأحقاب جمع حقب، والحقب هو المدد المتطاولة كلما انتهى حقب يعقبه حقب إلى ما لا نهاية. نسأل الله السلامة والعافية.

والمؤمنون الذين خرجوا يلقون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة.

هذه هي الشفاعات العامة ، ذكر ستة أو سبع شفاعات، ثلاثة منها خاصة بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، ومنها ما هو المشترك، أهل السنة والجماعة والأولون وأهل البدع وافقوا على الشفاعات، الشفاعة العظمى، وشفاعة أهل الجنة في الإذن بدخولها، وشفاعة أهل الجنة، وخالفوا في الشفاعات التي فيها إخراج العصاة من النار، أو الشفاعة فيمن استحق دخول النار، قال بذلك الخوارج والمعتزلة وأهل البدع، قالوا ما في شفاعة من داخل النار لا يخرج منها، أنكروا الشفاعات؛ لأنهم يرون أن مرتكب الكبيرة كافر يخلد في النار، الخوارج وكذلك المعتزلة يرون أن ++ من أهل الملل يدخل في الكفر ويخلد في النار، فصاح بهم أهل السنة وبدعوهم وضللوهم، وبينوا لهم أن النصوص في هذا متواترة، كيف ينكرونها وهي متواترة ؟ بلغت حد التواتر ومع ذلك أنكروها.

واستدلوا بالنصوص التي في الكفار، جعلوها في العصاة - الخوارج والمعتزلة -، النصوص التي في الكفار جعلوها في العصاة قوله تعالى : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ هذه للكفرة، فجعلوها للعصاة فأنكر عليهم أهل السنة والجماعة وبدعوهم وضللوهم، وأنكروا عليهم وفسقوهم وجعلوهم من أهل الفسق ومن أهل البدع.

يقول المؤلف -رحمه الله-: "ويعتقد أهل السنة ويؤمنون أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يشفع يوم القيامة لأهل الجمع كلهم شفاعة عامة، هذه هي الشفاعة العظمى، ويشفع في المذنبين من أمته فيخرجهم من النار بعد ما احترقوا، هذه شفاعة في خروج العصاة من الموحدين، هذه أنكرها الخوارج والمعتزلة، كما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : لكل نبي دعوة يدعو بها فأريد -إن شاء الله- أن أختبئ دعوتي؛ شفاعة لأمتي يوم القيامة وهذا الحديث متفق عليه، رواه الشيخان البخاري في صحيحه في كتاب الدعوات، وفي كتاب التوحيد ، ورواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، ورواه مالك في الموطأ، وأحمد في المسند وغيرهم وهو حديث صحيح في إثبات الشفاعة، وفيه الرد على الخوارج والمعتزلة الذين أنكروا الشفاعة.

وروى أبو هريرة -رضي الله عنه- أنه قال : قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قبل نفسه وفي لفظ: من قلبه رواه البخاري في صحيحه، ورواه الإمام أحمد في مسنده وفيه دليل على أن الشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد، أما الكفار لا نصيب لهم في الشفاعة، قال تعالى : فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ

إذن من مات على التوحيد له الشفاعة ، من مات على التوحيد من أهل المعاصي ومن أهل الكبائر، قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه، لكن مات على كبيرة وهو مخلص وموحد، لكن أضعف هذا التوحيد والإخلاص بالكبيرة، قال: لا إله إلا الله لكن مات يتعامل بالربا وهو موحد، أو يعق والديه، أو يقطع رحمه، أو يغتاب الناس، أو مات على الزنا من غير توبة، أو مات على سرقة من غير توبة، هذا له الشفاعة، تكون له الشفاعة يوم القيامة إلا بعفو الله عنه.

يقول المؤلف: "وروى حديث الشفاعة بطوله أبو بكر الصديق -رحمه الله- هذا رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو يعلى البزار وعبد الله بن عباس أيضا في المسند حديثه، وفي مسند الطيالسي، وعبد الله بن عباس أيضا، رواه البخاري في صحيحه والبيهقي، وعبد الله بن عمر بن الخطاب أيضا، رواه البخاري في كتاب التفسير، ورواه الإمام مسلم أيضا في صحيحه والبيهقي واللالكائي وابن ماجه، وأنس بن مالك أيضا رواه مسلم في صحيحه، وحديث أنس بن مالك رواه البخاري في صحيحه، وحديث حذيفة بن اليمان رواه مسلم في كتاب الإيمان، وأبو موسى عبد الله بن قيس - أبو موسى الأشعري أيضا- حديثه عند أبي عاصم في كتاب السنة، وكذلك أبو هريرة حديثه في سنن الدارمي، وغيرهم من الصحابة.

نعم.

هناك من استدل بحديث: لم يعملوا خيرا قط على جواز دخول الجنة والبراءة من النار بدون أدنى عمل، فما توجيهكم حفظكم الله؟

هذا باطل، إن الله -تعالى- قال : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ النصوص ترفض هذا، النصوص يضم بعضها إلى بعض، ما تأخذ بعض النصوص وتغمض عينيك عن بعض النصوص، هذا الكافر ما يخرج من النار والجنة عليه حرام فلا يدخلها، مات على الكفر ما يمكن أن يدخل، دل على أن لم يفعلوا من خير قط يعني: التوحيد والإيمان، قال: لا إله إلا الله، ومن شرط التوحيد الصلاة الذي لا يصلي ليس بموحد، ويدخل في هذا من وحد الله ثم مات في الحال، ما تمكن من العمل، قال: لا إله إلا الله ثم مات، هذا مات على التوحيد ولم يعمل.

وهناك بعض من قال لا إله إلا الله دخل الجنة في الحال، ومنهم من قتل شهيدا في الحال بعد ما أسلم، لكن هذا عمل، المقصود أن النصوص يضم بعضها إلى بعض، ولا ينبغي للإنسان أن ينظر إلى النصوص بعين عوراء، يأخذ بعض النصوص ويغمض عينه عن بعض النصوص، هذه طريقة أهل البدع، ضم النصوص بعضها إلى بعض، النصوص دلت على أن الجنة حرام على الكافر، وأنه لا يخرج من النار الكافر كيف والحديث يقول: يخرجون من النار لم يعملوا خيرا يعني: زيادة على التوحيد والإيمان هذا لا بد منه، نعم هذا لأن غير الموحد لا يخرج من النار أبدا أبدا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ اقرأ النصوص، واضم النصوص بعضها إلى بعض، لا تأخذ بعض النصوص وتترك البعض؛ فتكن من أهل الزيغ: وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ وغيرها من النصوص -كما سبق-، نعم.

هل الذي لا يصلي تشمله الشفاعة بأن يخرج من النار ؟

هذه المسألة فيها خلاف، إن كان جاحدا لوجوبها فهذا كافر بالإجماع ولا تشمله الشفاعة، وإن لم يجحد وجوبها، ففيه خلاف بين أهل العلم، والصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم والذي أجمع عليه الصحابة، ونقل الإجماع عبد الله بن شقيق العقيلي وإسحاق بن راهويه وابن حزم والإمام ابن حزم وغيرهم، وهو الذي عليه المحققون والجمهور أنه يكون كافرا، ولا تناله الشفاعة ولو أقر بوجوبها، ما ينفعه هذا الإقرار إذا لم يصل، وذهب بعض المتأخرين من الفقهاء وغيرهم إلى أن كفره كفر أصغر إذا لم يجحد وجوبها، وقالوا: إن معه شعبة من شعب الإيمان وهي التصديق؛ فيكون كفره كفرا أصغر، وعلى هذا تناله الشفاعة، لكن هذا ضعيف، الصواب هو القول الأول أنه كافر كفر أكبر مخرج من الملة؛ لما ثبت في صحيح البخاري عن بريدة بن الحصيب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله والذي يحبط عمله هو الكافر، وبقية الصلوات مثل صلاة العصر ، قال -عليه الصلاة والسلام- : بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله وقال -عليه الصلاة والسلام- : العهد الذي بيننا وبين الصلاة، فمن تركها فقد كفر جعل الصلاة حدا فاصلا بين المؤمن والكافر. نعم.

يقول: في حديث الشفاعة : شفعت الملائكة والأنبياء إلى آخر الحديث، وفي حديث آخر وفي آخره: وبقيت شفاعة أرحم الراحمين فيشفع إلى نفسه -سبحانه وتعالى- أرجو توضيح لفظة: فيشفع الله إلى نفسه ؟

ما أذكر هذه اللفظة، ولكنها على ظاهره يشفع مثل قوله: كتب يكتب على نفسه، كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ما معنى حرمت الظلم على نفسي؟ حرم على نفسه من نفسه، كتب على نفسه من نفسه، شفع من نفسه لنفسه، نعم.

هذا لو ثبت هذا، لكن ما رأيت هذا، لو ثبت هذا يكون مثل الحديث الآخر، يشفع لنفسه، أنا ما أذكر هذا، لكن إن صحت فهذا معناه، نعم.

هل يستطيع كل أحد أن يرى ربه في المنام، وما صحة الكلام المنسوب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حول هذا الموضوع؟

نعم رؤية الله في المنام ثابتة يثبتها جميع الطوائف، جميع الطوائف يثبتون الرؤية في المنام إلا الجهمية من شدة إنكارهم للرؤية حتى أنكروا رؤية الله في المنام، يقول شيخ الإسلام: إن جميع الطوائف أثبتوا رؤية الله في المنام إلا الجهمية من شدة إنكارهم للرؤية حتى أنكروا رؤية الله في المنام، ولا يلزم من هذا التشبيه، ويرى الإنسان ربه على حسب اعتقاده؛ فإن كان اعتقاده صحيحا رأى ربه في صورة حسنة، وإن كان اعتقاده سيئا رأى ربه في صورة تناسب اعتقاده، ولا يلزم من هذا التشبيه، ولما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- صحيحا في اعتقاده قال في الحديث الصحيح: رأيت ربي في أحسن صورة في المنام، نعم.

سؤال من إحدى نازلات السجن تقول: من قتل نفسا بغير حق وتاب إلى الله، وبعد تنازل أهل المقتول، هل يعذب يوم القيامة، وماذا يجب عليه ليكفر عما عمله، وكيف يحسن للمقتول إذا استطاع، ومن أقيم عليه الحد، هل هو كفارة عن عذاب الله يوم القيامة؟

يعني: قتل عمدا، القتل أعظم الذنوب بعد الشرك بالله -عز وجل-، يقول الله -تعالى-: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا أعظم الذنوب بعد الشرك بالله القتل، قتل المؤمن بغير حق، وفي الحديث: لزوال الدنيا بأسرها أهون على الله من قتل رجل مسلم وفي الحديث: لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما قال تعالى في كتابه العظيم: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا والقاتل عمدا يتعلق به ثلاثة حقوق لا بد من أدائها، فإذا أدى هذه الحقوق برئ ذمته: حق الله وحق للمقتول وحق لأولياء القتيل، ثلاث حقوق واجبة، فإذا أداها برئت ذمته.

الحق الأول: حق لأولياء القتيل أولياء القتيل، يأتي ويسلم نفسه إليهم ويصطلح معهم، إن شاءوا قتلوه قصاصا، وإن شاءوا طلبوا الدية أو أكثر من الدية، فإذا سلم نفسه إليهم وقتلوه قصاصا، أو أخذوا منه الدية، اتفقوا معه على أخذ الدية أو أكثر منها، سقط حقهم.

بقي حق الله وحق القتيل، فإذا تاب فيما بينه وبين الله توبة نصوحا، بأن أقلع عن هذه المعصية، وندم على ما مضى وتأسف، وعزم عزما جازما على ألا يعود إليها مرة أخرى، من شروط التوبة، تاب الله عليه وسقط حق الله.

بقي حق القتيل المقتول يوم القيامة، فإذا أدى الحقين، أدى حق أولياء القتيل وأدى حق الله ، الله -تعالى- يرضِّي المقتول عنه يوم القيامة، ثم يعطيه من الثواب والدرجات في الآخرة فيصفح عن أخيه فيتوب الله عليه ، فإذا أدى هذا الحقوق هذه الحقوق التي تتعلق بالقتيل.

والصواب أن القاتل له توبة وهذا الذي عليه الجماهير، وروي عن ابن عباس أنه قال: لا توبة له، وروي عنه أنه رجع أنه قال بقول الجمهور أن له توبة، وليس معنى أنه لا توبة له أنه يخلد في النار، بل معناه أنه يكون هناك موازنة بين الحسنات والسيئات، فإذا رجحت السيئات فإنه يعذب في النار بقدر جريمته ثم يخرج منها، أما إذا كان له توبة كان ++ ، لكن هنا أن القول بأنه لا توبة له أنه لا بد أن يعذب، يعذب ثم يخرج منها، ولا يخلد كالمشركين، وأما قوله تعالى: خَالِدًا فِيهَا فالخلود خلودان، قوله في القاتل: خَالِدًا فِيهَا خلود مؤمد له أمد ونهاية، وخلود مؤبد لا نهاية له، فالخلود المؤبد الذي لا نهاية له خلود الكفرة، والخلود المؤمد الذي له أمد ونهاية خلود بعض العصاة الذين فحشت جرائمهم وغلظت كالقاتل، والمراد بالخلود المكث الطويل، والعرب تقول: أقام فيها فأخلد، يسمى المكث الطويل خلودا، فخلود بعض العصاة الذين كثرت جرائمهم وفحشت وغلظت، هذا خلود مؤمد له نهاية، ولو مكث مدة طويلة، وأما خلود الكفرة فإنه خلود مؤبد لا نهاية له أبد الآباد، نسأل الله السلامة والعافية.

..... إذا تنازل أولياء القتيل سقط حقهم، بقي عليه التوبة فيما بينه وبين الله، تتوب، إذا تابت بينها وبين الله أدت حق الله، وبقي حق القتيل، يرضيه الله يوم القيامة كما سبق..... بينت الآن أنه إذا أدت حق القتيل وحق الله، بقي حق القتيل يرضيه الله يوم القيامة، إذا استغفرت له أو دعت له أو أهدت له شيئا من الحسنات فهذا تبرع منها، وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وثبت الله الجميع على الهدى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه.