تفريغ الخطبة
خطبة جمعة بتاريخ / 20-8-1437 هـ
إنَّ الحمد لله ؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله ، وصفيُّه وخليلُه ، وأمينُه على وحيه ، ومبلِّغ الناس شرعه ، ما ترك خيرًا إلا دلَّ الأمة عليه ، ولا شرًا إلا حذَّرها منها ؛ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد أيها المؤمنون: اتقوا الله تعالى ؛فإنَّ من اتقى الله وقاه ، وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه .
أيها المؤمنون : الزموا سنَّة نبيكم صلى الله عليه وسلم ، واستمسكوا بهديه والزموا غرزه ، وحافظوا على نهجه ، واحذروا يا رعاكم الله من البدع المحدثات ؛ فإنَّ البدع شرٌ كلها وضررٌ جميعُها ، ولهذا -عباد الله- كان نبينا صلى الله عليه وسلم في خطبه الجامعة ومواعظه البليغة يؤكد ويكرر تحذيرًا من البدع ونهيًا عنها وتبيانًا لخطورتها وعِظم مضرتها على الأمة .
روى الإمام مسلم في كتابه الصحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُصَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ... وَيَقُولُ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ))» . وروى ابن ماجة وغيره عن العرباض بن سارية رضي الله عنهقال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظنا موعظةً بليغة وجِلت منها القلوب وذرفت منها العيون ، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال:(( عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ ، فَإِنَّهُمَنْيَعِشْمِنْكُمْفَسَيَرَىاخْتِلَافًاكَثِيرًا؛ فَعَلَيْكُمْبِسُنَّتِيوَسُنَّةِالْخُلَفَاءِالرَّاشِدِينَالْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوابِهَاوَعَضُّواعَلَيْهَابِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْوَمُحْدَثَاتِالْأُمُورِ، فَإِنَّكُلَّبِدْعَةٍضَلَالَةٌ)).
أيها المؤمنون : إن البدع لهاأخطار عظيمة وأضرارٌ جسيمة وعواقب وخيمة على أهلها وأربابها في دنياهم وأخراهم، فيجب على كل مسلم أن يدرك خطورة البدع ومضرتها العظيمة ليكون منها على حذر ، وليكون مجانبا لها مبتعدًا عنها محاذرًا من اقترافها وارتكابها .
v أيها المؤمنون فمن أخطار البدع وأضرارها : أنها موجبةٌ لرد العمل وعدم قبوله مهما كثُر العمل وتعدَّد وكبُر ، وقد جاء في الصحيح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((مَنْأَحْدَثَفِيأَمْرِنَاهَذَامَالَيْسَمِنْهُفَهُوَرَدٌّ)) ، وفي رواية: ((مَنْعَمِلَعَمَلًالَيْسَعَلَيْهِأَمْرُنَافَهُوَرَدٌّ)) أي مردودٌ على صاحبه غير مقبولٍ منه.
v ومن مخاطر البدع أيها المؤمنون : أنها موجبةٌ لضياع السُّنن وخفائها وبُعد الناس عنها ، فعن حسان بن عطية رحمه الله قال : «ما ابتدع قومٌ بدعة إلا نزع الله منهم من السنَّة مثلها ؛ فإن الإقبال على البدع موجبٌ لضياع السنن وخفائها» .
v ومن مخاطر البدع أيها المؤمنون : أنها تنطوي على عقيدةٍ في نفوس أهل البدع ؛ أنَّ في السنَّة نقصًا وعدم وفاء، وما أخطر ذلك ، فإن الله عز وجل يقول :{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}[المائدة:3] ، ولهذا جاء عن الإمام مالك إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى أنه قال : «من قال في الدين بدعة حسنة فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة ، لأن الله يقول :{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا }[المائدة:3]، فما لم يكن ديناً زمن محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلن يكون اليوم ديناً إلى أن تقوم الساعة».
v أيها المؤمنون : ومن أخطار البدع أنها توجِب التباس أمر الدين بين الناس ، ولاسيما بين العوام وأشباههم ؛ فيظن الناس من الدين ما ليس منه ، وكذلك يظن المسيء أنه محسنا ، والله تعالى يقول : { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}[الكهف:103-104] .
v ومن مخاطر البدع أيها المؤمنون : أن صاحبها في الغالب لا يتوب منها ، لأنه يعتقد أنها حق وصواب ، ولهذا قال سفيان الثوري رحمه الله : «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية ، لأن المعصية يُتاب منها والبدعة لا يتاب منها».
v أيها المؤمنون : ومن مخاطر البدع العظيمة أنَّ البدع توجِب عقوبة الله سبحانه وتعالى والطرد يوم القيامة من الشرب من الحوض المورود ؛ حوض نبينا المصطفى ورسولنا المجتبى صلوات الله وسلامه عليه . روى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( يُجَاءُ بِأَقْوَامٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي!!فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ)) .
v أيها المؤمنون : ومن أخطار البدع أيضا أنها موجبةٌ للتباغض والتدابر والفُرقة ؛ ولهذا يقال «أهل السنة والجماعة» ، ويقال «أهل البدعة والفرقة» ؛ فإن السنَّة تجمع والبدعة تفرِّق ، ولهذا قال أحد أهل العلم في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (( لَا تَبَاغَضُوا)) : في ذلك نهيٌ عن البدعة ؛ لأن وجودها يوجِد البِغضة .
v أيها المؤمنون : البدع ظلمةٌ في الوجوه ، ووحشةٌ في الصدور ، ومفسدةٌ للأعمال ، وموردة للضلال ، وموجبةٌ للعقوبة؛ ألا ما أحرانا أيها العباد أن نتقي البدع ونحذرها ، وأن نحرص على السنة بأن نكون من أهلها المحافظين عليها الثابتين عليها إلى الممات .
اللهم يا ربنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن توفقنا أجمعين لأن نكون من أهل السنة الملازمين لها المحافظين عليها ، وأن تعيذنا يا ربنا من البدع والأهواء كلها ، لا ملجأ إلا إليك ، نفوض أمرناإليك ونتوكل عليك ونطلب هدايتنا منك ، اللهم فتقبل دعوتنا وأصلح لنا شأننا كله ، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين .
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية :
الحمد لله كثيراً ، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله ؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المؤمنون : اتقوا الله ربكم ، وراقبوه جلَّ في علاه مراقبة من يعلمُ أن ربَّه يسمعُه ويراه .
أيها المؤمنون : وإذا كان على كل مسلم في كل بلد من الدنياأن يتقي البدع وأن يحذرهاأشد الحذر ، فإن هذا الأمر يتأكد على أهل المدينة تأكدًا أعظم من غيرهم ، لأن المدينة -يا معاشر المؤمنين- مأرز الإيمان ومهبِط الوحي ومنطلق الدعوة ، ولهذا جاء في الصحيحين عن إبراهيم بن يزيد التيْمي عن أبيه قال : خطبنا علي بنأبي طالب رضي الله عنه ، وكان مما قال في خطبته قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( المدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا)) .
نسأل الله عز وجل أن يحفظناأجمعين وأن يعيذنا من البدع ، وأن يصلح لنا شأننا كله إنه سميعٌ قريبٌ مجيب .
وصَلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال:{إِنَّاللَّهَوَمَلَائِكَتَهُيُصَلُّونَعَلَىالنَّبِيِّيَاأَيُّهَاالَّذِينَآمَنُواصَلُّواعَلَيْهِوَسَلِّمُواتَسْلِيمًا}[الأحزاب:56] ، وقال صلى الله عليه وسلم:((مَنْصَلَّىعَلَيَّصَلاةًصَلَّىاللَّهُعَلَيْهِبهَا عَشْرًا)).
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد.وارضَ اللَّهم عن الخلفاء الراشدين ؛ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمان وعلي ، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين ، وعنَّا معهم بمنـِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين .
اللهم آمنَّا في أوطاننا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين .اللهم وفِّق ولي أمرنا لهداك ، واجعل عمله في رضاك ، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام . اللهم انصر من نصر دينك وكتابك وسنَّة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ، اللهم انصر إخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان ، اللهم كُن لهم ناصرًا ومُعينا ، وحافظًا ومؤيدا ، اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك ، اللهمإنا نجعلك في نحورهم ، ونعوذ بك اللهم من شرورهم ، اللهم إنا نسألك فيمن أرادنا في بلدنا أو في أنفسنا بشرٍ وسوء أن تجعل تدبيره تدميرًا عليه يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام .
اللهم آت نفوسنا تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليُّها ومولاها . اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى . اللهم يا رب العالمين بلِّغنا أجمعين رمضان وأعنَّا فيه على الصيام والقيام ، وغنِّمنا خيراته وبركاته يا منَّان ، ربنا إنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .