تفريغ الخطبة
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما .
أما بعد
أيها الناس اتقوا الله تعالى وقوموا بما أوجب الله عليكم من أداء الأمانة في جميع أموركم قوموا بذلك مخلصين لله متبعين لأمره قاصدين بذلك إبراء ذمتكم وإصلاح مجتمعكم واذكروا دائماً قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون و أعلموا إنما أموالكم و أولادكم فتنة و أن الله عنده أجراً عظيمَ) أيها المؤمنون إن الأمانة ليست بالأمر الهين إنها دين وذمة ومنهج وطريقا إنها حمل ثقيل وعبء جسيم ومسئولية عظيمة عرضت على السماوات والأرض والجبال وما أعظمها قوة وصلابة فأبين أن يحملنا وأشفقن منها أما أنت أيها الإنسان فقد تحملتها بما أنعم الله به عليك من العقل والفهم وبما أنزل إليك من الوحي والعلم فبالعقل والفهم تدركون وتميزون وبالوحي والعلم تستنيرون وتهدون وبذلك كنت أيها الإنسان أهل لتحمل مسئولية الأمانة والقيام بأعبائها عباد الله أدوا الأمانة كما حملتموها أدوها على الوجه الأكمل المطلوب لتنالوا بذلك رضا ربكم وصلاح مجتمعكم فإن بضياع الأمانة فساد المجتمع واختلال نظامه وتفكك أواصله أيها المسلمون إن من حماية الله لهذه الأمانة أن حرم على عباده كل ما يكون سبباً لضياعها أو نقصها فحرم الرشوة وهي إعطاء المال للتوصل به إلى باطل إما بإعطاء الباذل ما ليس من حقه أو بمنعه ما هو حق عليه يقول الله تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ويقول سبحانه في ذم اليهود (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) والرشوة من السحت كما فسر الآية أبن مسعود وغيره افترضا أيها المسلم افترضا أن تكون مشابه لليهود في ذلك أن كل مؤمن بالله لا يرضى أبدا أن يكون مشابه لأعداء الله في أي خصلة من خصالهم التي يقومون بها ولقد روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي وفي لفظ لعنة الله على الراشي والمرتشي وهذا إما خبر من النبي صلى الله عليه وسلم أو دعاء منه على الراشي والمرتشي بلعنة الله وهي الطرد والأبعاد عن رحمة الله أترضى أيها المسلم أن تكون مشابه للشيطان في تطرده وأبعاده عن رحمة الله إن الله لعن الشيطان فطرده وأبعده عن رحمته افترضا أن تكون مشابهاً له في جزاءه أيها المسلمون إن لعنة الله ورسوله لا تكون إلا على أمر عظيم ومنكر كبير وإن الرشوة لمن أكبر الفساد في الأرض لأن بها تغير حكم الله وتضيع حقوق عباد الله وإثبات ما هو باطل ونفي ما هو حق إن الرشوة فساد في المجتمع وتضيع للأمانة وظلم للنفس يظلم الراشي نفسه ببذل المال لنيل الباطل ويظلم المرتشي نفسه بالمحاباة في أحكام الله يأكل كل منهم ما ليس من حقه ويكتسب حراماً لا ينفعه بل يضره ويسحت ماله أو بركة ماله إن بقي المال أيها المسلمون إن سألتم فيما تكون الرشوة فإن الرشوة تكون في الحكم فيقضى من أجلها لمن لا يستحق أو يمنع من يستحق أو يقدم من غيره أحق بالتقديم وتكون الرشوة أيضاً في تنفيذ الحكم في تنفيذ الحكم فيتهاون من عليه تنفيذه بتنفيذه من أجل الرشوة سواء كان ذلك بالتراخي في التنفيذ أو بعمل ما يحول بين المحكوم عليه وألم العقوبة إن كان الحكم عقوبة وإن الرشوة تكون في الوظائف والمسابقة فيها فيقدم من أجلها من لا ينجح ويقدم من غيره أولى بالوظيفة منه وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من أستعمل رجل من عصابة أي من طائفة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ) وإن الرشوة تكون أيضا في تنفيذ المشاريع وتكون أيضاً في الأعمال الحكومية تجد الرجل إذا حقق في أمر من التحقيقات أو الحوادث تساهل في التحقيق من أجل الرشوة وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاًَ فما أخذ فما أخذ بعد ذلك فهو غلول) والغلول إثمه عظيم فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (استشهد مولاك أي قتل شهيداً أو قال استشهد غلامك فقال النبي صلى الله عليه وسلم (بل يجر إلى النار في عباءة غلها ) رواها الأمام أحمد بإسناد صحيح وإن الرشوة تكون في التعليم تكون في التعليم والثقافة فينجح من أجلها من لا يستحق النجاح أو تقدم له أسئلة الامتحان قبل أن تنشر على الطلبة أو يشار إلى أماكنها من المقررات أو يتساهل المراقب في مراقبة الطالب من أجلها فيتقدم هذا الطالب مع ضعف مستواه العلمي ويتأخر من هو أحق منه لقوة مستواه العلمي أيها المسلمون إن الرشوة لا تكون بإعطاء الدراهم بل قد تكون بالهدية ونحوها ولهذا استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً على الصدقة فلما رجع قال: هذه الإبل لكم وهذه أهديت ألي فغضب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وقال (هلا جلس في بيت أبيه أو أمه فينظر أيهدى له أم لا ) فكل من أهدى له هدية من أجل عمله الحكومي فإنه لا يحل له أن يقبلها بل يردها على من أهداها له إلا إذا كان لهذه الهدية سبب غير السبب الذي كان يشتغل فيه مثل أن يكون قريب له فيقدم من سفر فيعطيه هدية أو يكون من عادته أن يتبادل الهدايا معه فإن هذا لا بأس عليه بقبولها أما إذا كانت الهدية من أجل العمل الحكومي الذي يعمل فيه فإنه لا يحل للمهدي أن يهدي ولا للمهدى له أن يقبلها أيها المسلمون إن عقوبة الراشي والمرتشي عقوبة عظيمة إنها اللعن والطرد عن رحمة الله إنها ذات مفاسد في المجتمع أفلا يكون ذلك رادعاً عنها لكل مؤمن يخشى الله ويخاف عقابه ولكل مخلص يحافظ على دينه ومجتمعه كيف يرضى الإنسان أن يعرض نفسه لعقوبة الله كيف يرضى أن يذهب دينه وأمانته من أجل حطام من الدنيا لا يدري لعله لا يأكله فيموت قبل أن ينعم به كيف يليق بالعاقل أن يسعى في فساد المجتمع وهلاكه إن الأعمال أيها المسلمون إنها دروس يأخذها الناس بعضهم من بعض فإذا فشت الرشوة في جهة من جهات المجتمع انتشرت في بقية الجهات وصار على من عمل بها أولاً وزرها ووزر من عمل بها مقتدياً به إلى يوم القيامة فاتقوا الله عباد الله وحافظوا على دينكم وأمانتكم وفكروا أيما خير لكم ، أن تكونوا قائمين بالعدل بعيدين عن الدناءة حائزين لرضا الله ومثوبته، أم تكونوا جائرين مخلدين إلى الأرض متعرضين لسخط الله وعقوبته، اللهم إنا نسألك أن تعيننا على أداء الأمانة وأن تعيذنا من الكبر والبطر وأكل الباطل والخيانة، اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم والفوز بالجنة والنجاة من النار، اللهم صلى وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين . الحمد لله على إحسانه وأشكره على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد