خطبة الروابط الدينية - وجوب معرفة أحكام ومناسك العمرة وآداب الزيارة إلى مسجد رسول الله ﷺ الشيخ محمد بن صالح العثيمين

الروابط الدينية - وجوب معرفة أحكام ومناسك العمرة وآداب الزيارة إلى مسجد رسول الله ﷺ
السبت 24 رمضان 1420 هـ   الموافق لـ : 1 جانفي 2000 م
تحميل الخطبة

تفريغ الخطبة

الخطبة الأولى

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله الذي جعل المؤمنين إخواناً في الإيمان، فكانوا في شدِّ بعضهم بعضاً وتعاونهم كالبنيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الرحيم الرحمن، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المصطفى على كل إنسان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلَّم تسليماً .

أما بعد:

أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أنكم إخوة في دين الله، وأن هذه الإخوة أقوى من كل رابطة وصلة، فيوم القيامة لا أنساب بينكم، ولكن استمع إلى قول الله - عزَّ وجل - في كتابه المبين: +الأَخِلآءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوُّ إِلا الْمُتَّقِينَ" [الزخرف: 67] .

  أيها المؤمنون، نموا هذه الإخوة وقَوُّوا تلك الرابطة بفعل الأسباب التي شرعها الله لكم ورسوله، اغرسوا في قلوبكم المودة والمحبة للمؤمنين، فأوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله، ومَنْ أحب في الله وأبغض في الله و والى في الله وعادى في الله فإنما تُنال ولاية الله بذلك .

 إن ولاية الله مرْتبة عظيمة؛ إن الله يقول في كتابه: +أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ" [يونس: 62 - 63] .

 أيها المسلمون، إن الأمة لن تكون أمة واحدة ولن يحصل لها قوة ولا عزة حتى ترتبط بالروابط الدينية حتى تكون كما وصفها نبيها صلى الله عليه وسلم بقوله:«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»(1) وقال صلى الله عليه وسلم:«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»(2) .

لقد أرست الشريعة أسس تلك الروابط والأواصل، فشرع الله ورسوله للأمة ما يؤلف بينها ويقوي وحدتها ويحفظ كرامتها وعزتها ويجلب المودة والمحبة بينها، شرع للأمة أن يسلِّم بعضهم على بعض عند ملاقاته؛ فالسلام يغرس المحبة ويقوي الإيمان ويدخل الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم»(3)، «وخير الناس من بدأهم بالسلام»(4) كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لقي أحدكم أخاه المسلم فليقل: السلام عليكم وليرد عليه أخوه بجواب يسمعه فيقول: وعليك السلام، ولا بأس أن يقول: وعليكم السلام إلا أن يكونوا جماعة فإنه يقول: وعليكم السلام، ولا يكفي أن يقول الإنسان: أهلاً وسهلاً أو مرحباً أو نحوها من الكلمات حتى يقول: عليكم السلام، ولا يحل للمسلم أن يهجر أخاه المسلم ولو كان عاصياً أو فاسقاً؛ لأن ذلك يوجب الكراهة والبغضاء والتفرق إلا أن يكون مجاهراً بمعصية ويكون في هجره فائدة تردعه عن المعصية فإنه حينئذٍ يهجر؛ من أجل أن يرتدع عن المعصية التي هو عليها، فالهجر بمنزلة الدواء إن كان نافعاً بإزالة المعصية أو تخفيفها كان مطلوباً وإلا فلا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث»(5) فمَنْ هجر فوق ثلاث فمات دخل النار، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعرض الأعمال على الله في كل إثنين وخميس فيَغِْفرُ الله في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئاً إلا امرأً كان بينه وبين أخاه شحناء فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا»(6).

إن السلام بين المؤمنين يوجب المحبة والمودة ولا يجوز للإنسان أن يجعل السلام على المعرفة مَنْ عَرَفه سلَّم عليه ومَنْ لم يعرفه لم يسلم عليه ؛لأن السلام من الشرائع العامة لكل المسلمين، أما غير المسلمين فإنه لا يجوز السلام عليهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:«لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام»(7) وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ابتداء  السلام على اليهود والنصارى فغيرهم من باب أولى، فلا يجوز للمسلم أن يبتدئ السلام على غير المسلم، وأما رَدُّ السلام فيرد عليهم وجوباً؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به، ولكن كيف يكون الرد إذا كان الكافر الذي سلَّم عليك صرَّح لك بلفظ السلام بأن قال: السلام عليكم فإنك ترد عليه بمثل ما سلم فتقول: عليكم السلام لقول الله تعالى: +وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدَّوهَآ"[النساء: 86]، وإذا كان كلامه غير واضح يحتمل أن يكون قد قال السلام عليكم أو السام عليكم فإنك تقول: عليكم أو تقول: وعليكم ولا تأتي بالسلام لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إن اليهود إذا سلموا عليكم قالوا: السام عليكم فقولوا: وعليكم»(8)، والسام هو: الموت؛ وعلى هذا فلا يجوز لنا أن نبدأهم بالسلام، ولكن إذا سلَّموا رددنا عليهم، وأما تهنئتهم فإن كان بأمر غير ديني كما لو هنأته بولد له أو ما أشبه ذلك فإن في هذا خلاف بين أهل العلم، منهم مَنْ أجازَ ذلك، ومنهم من كرهه ومنهم من منعه، وأما تهنئاتهم بشعائر الكفر المختصة بهم فإن هذا حرام بالاتفاق، قال ابن القيم - رحمه الله - في الصفحة الخامسة بعد المئتين من الجزء الأول من أحكام أهل الذمة وابن القيم من أكابر تلاميذ شيخ الإٍسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - قال رحمه الله: وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به - أي: بالكافر - فحرام بالاتفاق مثل: أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول عيدٌ مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، قال ابن القيم: فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات وهذا إشارة من ابن القيم أن من هنئهم بأعيادهم فإنه قد لا يسلم من الكفر، قال: فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، قال رحمه الله: وكثيرٌ ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك ولا يدري قبح ما فعل، أهـ كلامه رحمه الله تعالى.

 إذاً: فلا يجوز لنا أن نهنئهم بأعيادهم ولا أن نشاركهم في أفرحاها؛ لأنها أعياد محرمة .

 أيها المؤمنون، لقد شرَع الله للأمة الإسلامية أن يعود بعضهم بعضاً إذا مرض، فعيادة المرض تجلب المودة وترقق القلب وتزيد في الإيمان والثواب كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن عاد مريضاً ناداه منادٍ من السماء طبت وطاب ممشاك»(9) و قال صلى الله عليه وسلم: «ومَنْ عاد أخاه المسلم لم يزل في جنى الجنة حتى يرجع»(10)، وينبغي لمن عاد مريضاً أن لا يطيل الجلوس عنده إلا إذا كان يرغب في ذلك، وينبغي لمن عاد مريضاً أن يذكره بما أعدَّ الله للصابرين من الثواب وبما في المصائب من تكفير السيئات وأن لكل كربة فرجة، وينبغي له أن يفتح له باب التوبة والخروج من حقوق الناس واغتنام الوقت بالذكر والقراءة والاستغفار وغيرها، وأن يرشده إلى ما يلزمه من الوضوء إن قدر عليه أو التيمم إن لم يقدر على الماء، وأن يرشده كيف يصلي؛ فإن كثيراً من المرضى يجهلون كثيراً من أحكام الطهارة و الصلاة، ولا يحقرن أحدكم شيئاً من تذكير المريض وإرشاده؛ فإن المريض قد رقَّت نفسه وخشَعَ قلبه فهو إلى قبول الحق والتوجيه قريب، ولقد أمر الله - تعالى - بالإصلاح بين الناس فقال:+إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ"[الحجرات:10]،  وأخبر أن ذلك هو الخير في قوله تعالى: +لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا" [النساء: 114] وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«تعدل بين اثنين صدقة»(11) .

إن الإصلاح بين الناس رأب للصدع ولـمٌّ للشعث وإصلاح للمجتمع كله وثواب عظيم لمن ابتغى به وجه الله، إن الموفق إذا رأى بين اثنين عدواة وتباعد سعى بينهما في إزالة تلك العدواة والتباعد حتى يكونا صديقين متقاربين، وإن مما يوجب الألفة: أن يجتمع المسلمون على كلمة الحق وأن يتشاوروا بينهم في أمورهم حتى تتمُّ الأمور وتنجح على الوجه الأكمل؛ فإن الآراء إذا اجتمعت مع الفهم والدراية وحسن النية تحقَّقَ الخير وزال الشر بإذن الله .

 أيها المسلمون، إن القاعدة الأصيلة بين المسلمين أن يسعوا في كل أمر يؤلف بين قلوبهم ويجمع كلمتهم ويوحد رأيهم وأن ينبذوا كل ما يضاد ذلك؛ ومن أجل هذا حرم على المسلمين أن يهجر بعضهم بعضاً إلا لمصلحة شرعية، وإنك لترى بعض المسلمين حريصاً على الخير جادًّا في فعله لكن غرَّه الشيطان في هجر أخيه المسلم؛ من أجل أغراض شخصية ومصلحة دنيوية ولم يعلم أن الإسلام الذي مَنَّ الله به عليه أسمى وأعلى من أن تؤثر الأغراض الشخصية أو المصالح الدنيوية في الصلة بين أفراده، ولقد حرَّم الله على المسلمين أن تقع العداوة بينهم بالنميمة وأن يسعى في الإفساد بينهم، إن النميمة شر عظيم، يأتي إلى شخص فيقول له: قال فيك فلان كذا وكذا فيلقي العداوة بينهما ولم يعلم أنه بنميمته هذه أصبح من المفسدين في الأرض المتعرضين لعقوبة الله، مرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بقبرين فقال:«إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة»(12) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة نمَّام»(13)، فاتقوا الله عباد الله، وأصلحوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، اللهم وفقنا للاجتماع على الحق، اللهم اجعلنا أمة صالحة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتفعل ما فيه المودة والمحبة بين المسلمين، اللهم اجعلنا من أوليائك المفلحين الذين يحبون من أحببت وما أحببت، ولا تجعلنا من أعدائك الذين يوالون أعدائك ويحبونهم يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد .

 

الخطبة الثانية

 

 الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر، وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولو كره ذلك من أشرك به وكفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، سيد البشر، الشافع المشفع في المحشر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه خير صحبٍ ومعشر، وعلى التابعين لهم بإحسان ما بدا البدر وأنور، وسلَّم تسليماً كثيراً .

أما بعد:

أيها الناس، اتقوا الله - تعالى - واشكروه على ما أنعم به عليكم في هذه البلاد من الرخاء والأمن وسهولة الأمور؛ فإن الله - تعالى - يقول في كتابه:+وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ"[إبراهيم: 7]، اللهم ارزقنا شكر نعمتك وحسن عبادتك .

 إن كثيراً من الناس في أيام الإجازة يذهبون إلى الحجاز: إلى المدينة وإلى مكة ليزوروا مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليقوموا بالعمرة؛ «فإن العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما»(14) كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنه ينبغي للإنسان إذا أراد عملاً أن يفهم أحكامه قبل أن يتلبس به؛ لأجل أن يعبد الله - تعالى - على بصيرة؛ فإنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، لا يستوي مَنْ عبد ربه وهو على شريعة من الله يدري أنه على شريعة لا يستوي هذا ومَنْ يعبد ربه كما يفعل الناس لا يدري أشريعة هو أم غير شريعة .

 إن من آداب زيارة المسجد النبوي: إذا دخل الإنسان المسجد أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»(15) وإن تطوَّع بزائد على ذلك فلا حرج عليه إلا أن يكون في أوقات النهي فإنه لا يزيد على ركعتين «ثم يسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر»(16)؛ «فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين توفي دُفن في حجرة عائشة ودُفن معه صاحبه أبو بكر - رضي الله عنه - ودُفن معه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وكلا الصاحبيين دفنا مع النبي صلى الله عليه وسلم»(17) فتسلِّم أولاً على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما أرشد إليه «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته»(18) وتصلي عليه صلى الله عليه وسلم بما أرشد إليه «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد»(19)، «ثم تخطو عن يمينك خطوة لتكون أمام وجه أبي بكر - رضي الله عنه - وتقول: السلام عليك يا خليفة رسول الله ورحمة الله وبركاته، اللهم اغفر له وارحمه واجزه عن أمة محمد خيراً، ثم تخطو خطوة عن اليمين لتكون وجاه وجه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فتقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراً، وإن قلت غير ذلك من الدعاء المناسب فلا حرج ثم تنصرف»(م1)، أما النساء فلا يقفن على قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا على قبري صاحبيه ولا على غيرهما من القبور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن زائرات القبور»(20)، «ثم ينبغي لك أن تخرج من بيتك متطهراً إلى مسجد قباء فتصلي فيه ركعتين أو ما شاء الله»(21)، «وينبغي كذلك أن تخرج إلى أُحُد لتسلم على الشهداء هناك وفيهم حمزة بن عبد المطلب عم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسد الله وأسد رسوله - صلى الله عليه وسلم - و رضي الله - تعالى - عن حمزة بن عبد المطلب»(22)  وأما المساجد السبعة وما يذكر في المدينة من الأمور فإنه لا صحةَ لها ولا أثر لها «أما البقيع وهو: مقبرة أهل المدينة فإنك تزوره وتسلم على مَنْ فيه بما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم و المستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم»(23)، «أما في العمرة فإن الإنسان إذا كان قد مَرَّ بالمدينة فإنه لا يتجاوز آبار علي حتى يحرم منها»(24) كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقَّتَ المواقت وقال:«هنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن يريد الحج أو العمرة»(25)، فلا يحل لأحد يريد العمرة أو الحج أن يتجاوز أول ميقات مَرَّ به حتى يحرم منه مُلبياً بالعمرة، فإذا وصلت إلى مكة فإنك «تطوف طواف العمرة»(26) وفي هذا الطواف ينبغي للرجل أن يفعل سُنتين إحداهما:«أن يرمل في الأشواط الثلاث الأولى والرمل هو: إسراع المشي بدون أن يباعد بين الخطى»(27) كما ذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، «وأن يضطبع وهي السنة الثانية والإضطباع: أن يخرج كتفه الأيمن ويجعل طرفي الرداء على كتفه الأيسر والإضطباع خاص بالطواف»(28) كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس كما يفعله بعض الجهال من حين إحرامه إلى أن يحل، بل الإضطباع خاص في طواف القدوم أول ما يقدم، ثم بعد ذلك «تصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم إنْ تيسرت وإلا في أي مكان من المسجد، والأفضل أن يكون المقام بينك وبين البيت، ثم تخرج إلى السعي فتبدأ من الصفا فإذا أقبلت على الصفا أول مرة فقط فقل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أبدأ بما بدأ الله به واقرأ قول الله عزَّ وجل: +إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ" [البقرة: 158]، ثم ترقى على الصفا وتتجه إلى القبلة وتدعو الله - تعالى - بما ورَدَ ثم تنزل، فإذا وصلت إلى العَلَم الأخضر فإنك تسعى سعياً شديداً إلى العَلَم الآخر ثم تمشي إلى المروة شوط ومن المروة إلى الصفا شوط آخر حتى تتم سبعة أشواط»(29)، «فإذا فرغت فاحلق رأسك أو قصره»(30) كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المتفق عليه، «والنساء لا يحلقن وإنما يقصرن»(31)، ثم إن كنت تريد البقاء في مكة فلا تخرج بعد ذلك حتى «تطوف للوداع»(32) كما جاء في الحديث المتفق عليه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كانت نيتك أن تخرج فور إنقضاء عمرتك فإنه لا يلزمك الوداع اكتفاءً بالطواف الأول؛ لأن هذا هو ظاهر«ما رُوي عن عائشة - رضي الله عنها - حينما أتت إلى العمرة مع النبي صلى الله عليه وسلم»(33).

أيها المسلمون، إن الإنسان إذا خرج من بيته فهو في سفر حتى يرجع إلى بلده فالسنة أن تقصروا الصلاة الرباعية ركعتين إلا إذا كنتم في مكان تقام في الجماعة فإن عليكم أن تصلوا مع المسلمين جماعة، ثم تتموا الصلاة إذا كان الإمام يتم الصلاة؛ لأن مَنْ صلى خلف إمام يتم وجب عليه الإتمام وإن كان هو مسافراً، أما الجمع فلكم أن تجمعوا ولكن الأفضل ألا يجمع الإنسان إلا إذا جدَّ به السير، فاتقوا الله أيها المؤمنون، واعرفوا حدود ما أنزل الله على رسوله، واعملوا بما علمتم من شريعة الله؛ لتكونوا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، من الذين قالوا: سمعنا وأطعنا، من الذين لم يقولوا ممن قال الله فيهم: +سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا" [البقرة: 93]، اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اجعلنا من الممتثلين لأمرك القائمين بما يرضيك يا رب العالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين .

 عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً، إن الله يعلم ما تفعلون، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نِعَمِهِ يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون .

 

-------------------------------                            

 

(1)  أخرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الصلاة  (459)، وأخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب البر والصلة والأدب (4684) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، ت ط ع .

(2)  أخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب البر والصلة والأدب (4685)  من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه،  ت ط ع .

(3)  أخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب الإيمان(81) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ت ط ع .

(4)  أخرجه الترمذي -رحمه الله تعالى- في سننه في كتاب الاستئذان والأدب، باب «ما جاء في فضل الذي يبدأ بالسلام» ( 2618)، وعند أبو داود في سننه (4522)، وأخرجه أحمد في مسنده (21384) ( 21348 )، ت ط ع .

(5)  أخرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الأدب من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه (5605)، وأخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب البر والصلة والأدب (4641) واللفظ له، ت ط ع .

(6)  أخرجه مسلم -رحمه الله تعالى- في صحيحه في كتاب البر والصلة والأدب من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (4653)،  ت ط ع .

(7)  أخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب السلام من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (4030)، ت ط ع .

(8)  أخرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الاستئذان (5787) (414)، وأخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في السلام (4025)  من حديث عمر رضي الله تعالى عنهما، ت ط ع .

(9)  أخرجه الترمذي في سننه -رحمه الله تعالى- في كتاب البر والصلة (1931)، وابن ماجة في كتاب ما جاء في الجنائز من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (1433)، وأخرجه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في مسنده (8180)، ت ط ع .

(10) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والأدب (4658) من حديث ثوبان رضي الله عنه، وأخرجه مسلم (4660)، ت ط ع .

(11)  أخرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الجهاد والسير (2767)، وأخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب الزكاة (1677) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ت ط ع .

(12)  أخرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الوضوء (209) من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأيضاً عند البخاري في كتاب الجنائز (1273)، وأخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب الجنائز (439) من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ت ط ع .

(13)   أخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب الإيمان من حديث حذيفة ابن اليمان رضي الله تعالى عنه (151)، ت ط ع .

(14)  أخرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الحج (1650)، وأخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب الحج (2430) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ت ط ع .

(15)   أخرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الجمعة (1097) واللفظ له، وأخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب صلاة المسافرين وقصرها (1167) من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، ت ط ع .

(16)  كما جاء في الأثر و في الموطأ عند الإمام مالك -رحمه الله تعالى- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما «قال رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعلى عمر»، وأخرجه مالك في الموطأ في كتاب النداء للصلاة (359) وعند مالك أيضاً في الموطأ ح3 ص 448 ( 947)، ت م ش . 

(17)   أخرجه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب المناقب (3424) من حديث عمرو بن ميمون -رضي الله تعالى عنه- في الحديث الطويل في قصة قتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه .

(18)   أخرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الاستئذان (5762) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وأخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب الصلاة (609)، ت ط ع .

(19)  أخرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب تفسير القرآن (4423) (3119) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وأخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب الصلاة (614) من حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه، ت ط ع .

( م1)  انظر إلى هذه الصفحة في كتاب فقه العبادات في آداب الزيارة زيارة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الشافعي ح1 ص759.

(20)  أخرجه الترمذي -رحمه الله تعالى- في سننه في كتاب الصلاة من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (294) ورواية له (زوارات) (976)، والنسائي في كتاب الجنائز (2016)، وأخرجه أبو داود في كتاب الجنائز(2817)، وأخرجه أحمد في مسنده (1926)، ت ط ع . 

(21)  أخرجه ابن ماجة -رحمه الله تعالى- في سننه من حديث سهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه (1402) واللفظ له، وأخرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الجمعة من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (1117) (1119)، وأخرجه مسلم -رضي الله تعالى- في كتاب الحج من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ( 2479 ) .

(22)  أخرجه ابن حبان -رحمه الله تعالى- في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله رضي عنهما في حديث 7 ص 474 (3199)، ت م ش .

(23)  أخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب الجنائز من حديث عطاء بن يسار -رضي الله تعالى عنه- عن عائشة رضي الله تعالى عنها (1618)، وأخرجه النسائي -رحمه الله تعالى- في سننه في كتاب الجنائز من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها  (2012)، ت ط ع .

(24)  أخرجه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الحج (1419)