تفريغ الخطبة
الخطبة الأولى:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله الكريم المنان، المتفضل على عباده بأصناف النعم وأنواع الإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العظيم الديان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أُرسل بصلاح القلوب والأبدان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى، اتقوا الله الذي خلقكم والذين من قبلكم، اتقوا الله الذي أمدكم بالنعم وأعدكم بقبولها، اتقوا الله الذي تسألون به والأرحام إن الله عليكم رقيباً، اتقوا الله عباد الله، إخواني اشكروا نعمة الله عليكم، من النعم العظيمة نِعم الدنيا ونِعم الدين، نِعم كثيرة وافرة ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: 18]، اشكروا الله على هذه النِّعم فإن الشكر سبب لمزيدها وبقائها، وإن كفر النِّعم سبب لنقصها وزوالها، يقول الله - تعالى - وهو أصدق القائلين: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7] وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112].
أيها الإخوة المؤمنون، إن الشُّكر ليس قول باللسان، ولكنه قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالأركان، إنه القيام بطاعة الله، أن تفعلوا ما أمركم الله به، وأن تتركوا ما نهاكم الله عنه، تفعلوا ما أمركم الله به؛ ابتغاء رضوان الله وثوابه، وتتركوا ما نهى الله عنه؛ خوفاً من عقابه وعذابه.
أيها الإخوة، إن طاعة رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من طاعة الله؛ كما قال الله عز وجل: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80] وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب: 36]، وإن العاصي ليس بشاكر لربه حتى وإن قال أشكر الله بلسانه، أي فائدة للشكر باللسان مع الإقامة على معصية الله؟ إن الذي يقول إنه شاكر لله بلسانه وهو مقيم على معصية يخشى أن يكون من المستهزئين بالله عز وجل، كيف تدَّعي أنك شاكر له وأنت مقيم على معصيته؟ إنه يخشى أن يقال له يوم القيامة: كذبت، لم تشكر نعمة الله عليك.
أيها الإخوة، إن أكبر نعمة أنعم الله بها عليكم أن هداكم للإيمان والإسلام، اذكروا قول الله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: 3]، إن من أكبر نعمة أنعم الله بها عليكم أن تقوموا لله تعالى مخلصين له الدين، متبعين لهدي سيد المرسلين، وقد كان قوم يتخبطون العشواء في دينهم ما بين مغضوب عليهم علموا الحق واستكبروا عنه أو ضالين جهلوا الحق فلم يهتدوا إليه، وإن من نِعم الله عليكم هذا الأمن والاستقرار في بلادكم وقد أصيب قوم بالخوف والقلق والقتال، خوف مزعج وقتال مهلك مدمر وأنتم - ولله الحمد - ترفلون في نعمة الأمن والاستقرار، وإن من نِعم الله عليكم ما يَسَّره لكم من أنواع الأرزاق تأتيكم رغداً من كل مكان وقد كان قوم لا يستطيعون لقمة العيش إلا بتعب وعناء وربما ماتوا جوعاً وعطشاً، وإنَّ من نعمة الله عليكم ما أخرجه لكم من ثمرات النخيل والأعناب تتفكهون بها رطباً جنياً وتدخرونها تمراً وزبيباً، فاعتبروا - عباد الله - بما فيها من قدرة الله وحكمته ورحمته؛ حيث أخرجها لكم من هذه الجذوع والغصون مأكولاً طرياً شهياً ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]، اشكروا الله على هذه النعم واستعينوا بها على طاعته، وإياكم أن تكون سبباً لأشركم وبطركم وفسوقكم عن أمر ربكم، فإن ذلك - أعني: الأشر والبطر والفسوق - أقوى معول لهدمها، وأقوى سببٍ لزوالها، وإن من شكر نعمة الله علينا في هذه الثمار أن نتمشى في بيعها وشرائها على ما سَنَّه لنا إمامنا وقدوتنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم؛ ابتغاء لثواب الله، واتباعاً لشريعة الله، وطلباً للخير والبركة فيما نكتسبه؛ لأن الإنسان إذا اكتسب المال على وجه حلال بارك الله له فيه، وإن اكتسبه على وجه محرم لم يبارك له فيه، وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كيف تُباع هذه الثمار، وكيف ومتى تُباع، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لاَ تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، وَلاَ تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ"، فنهى النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - البائع والمشتري عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها؛ لأنها قبل صلاحها أكثر عرضة للآفات وأزيد نمواً، فيكون هذا النمو الزائد مجهولاً حين البيع وتكون عرضة للفساد، فيحصل النزاع في ذلك، ونهى النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - عن بيع الثمر بالتمر؛ لأن بيع التمر بالتمر لابُدَّ أن يكون متساوياً ولابُدَّ أن يكون التقابض فيه قبل التفرق، ومن المعلوم أنه لا يمكن التساوي بين الرطب والتمر، والصلاح في ثمر النخل أن يحمر أو يصفر، والصلاح في العنب أن تظهر فيه الحلاوة ويطيب أكله، فمن باع شيئاً من ثمر النخيل والأعناب على شجره قبل بدو صلاحه فقد عصى نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والبيع باطل، والثمرة يجب أن تُرد للبائع ولا يحل للمشتري أن يتصرف فيها بشيء، والثمن يجب أن يُرد للمشتري ولا يحل للبائع أن يتصرف فيه بشيء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل"، وكذلك كل عقد ليس في كتاب الله فهو باطل، وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "من عمل عملاً ليس فيه أمرنا فهو رد"، فاحذروا - أيها المسلمون - أن تبيعوا الثمر على شجره حتى يبدو صلاحه، واعلموا أن بيع ثمر النخيل على شجره ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يبيعه تفريداً كل نخلة وحدها، فهذه لابُدَّ أن يكون في كل نخلة لون ولو حبة واحدة وإلا وجب الانتظار حتى تلون.
الثاني: أن يبيعه أنواعاً كل نوع وحده جميعاً؛ مثل: أن يبيع السكري كله جملة واحدة، فهذا إن كان فيه لون ولو في نخلة واحدة منه جاز بيعه جميعاً تبعاً للملون منه، وإلا وجب الانتظار به حتى يظهر فيه اللون ولو في نخلة واحدة.
القسم الثالث: أن يبيع البستان كله جملة واحدة بجميع أنواعه، فإن كان اللون قد ظهر في جميع الأنواع ولو في نخلة واحدة من كل نوع جاز بيعه، وإلا وجب الانتظار فيما لم يظهر اللون في نوعه حتى يلون.
فانتبهوا - أيها المسلمون - لهذا التفصيل وهذا التقسيم، واجعلوا بيعكم مطابقاً لما جاءت به السُّنة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإذا حدث عيب في الثمر بعد بيعه فإن كان بسبب من المشتري فلا ضمان على البائع؛ مثل: أن يكون المشتري غير عارف بالخرف فيخرفها فتختلف من خرفه، أو يؤخر جدها عن وقته فيصيبها مطر أو غيره، فهنا لا ضمان على البائع، أما إذا كان العيب مجرد قضاء وقدر لا سبب من العبد فيه مثل الغبير والحشف الحاصل من شدة الحر فضمان نقصها على البائع؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إذا بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ"، وعلى هذا فيُقوم النقص على البائع ويسقط من الثمن بقسطه، فإذا كان النقص ربعاً أُسقط عن المشتري ربع الثمن، وإن كان أقل أو أكثر أُسقط عنه بنسبته، ولكن يبقى النظر لو شرط البائع على المشتري أنه إن ظهر في الثمرة عيب فلا رد وقبل المشتري هذا الشرط فإن ذلك لا يصح؛ لأن هذا الشرط يتضمن إسقاط ما أثبته الشرع فيكون مخالفاً لشريعة الله، إلا إذا كان العيب موجوداً وقال له اصبر بالعيب فإن هذا لا حرج عليه فيه إذا اشترط أنه إن زاد العيب فلا رد؛ وذلك لأن هذا قد بدأ فيه العيب ورضي به المشتري، وكذلك لو اشترط البائع على المشتري أنه إن حصل بها عيب فإنها لا ترد له ولكن يثمن عليه فرضي المشتري بذلك فإن هذا لا بأس به؛ لأن هذا حق للمشتري أسقطه ولكنه لم يكن منافياً لما جاء به الشرع.
أيها الإخوة، لقد اعتاد الناس عندنا أو اعتاد كثير منهم أن يبيعوا ثمرة بساتينهم مساهمة على الشركاء، وفي هذه الحال نجد أن الشركاء ينجش بعضهم على بعض؛ ليرفعوا قيمة النخل؛ حتى يكسبوا في ذلك، ولكني أقول لهؤلاء: إن مناجشتهم حرام، وإن الكسب الذي يأتي من المناجشة حرام ولا خير لهم فيه، وربما تنزع بركات أموالهم بسبب هذا الكسب المحرم، فمن أراد أن يشتري فليشترِ عن رغبة، وإلا فلا يزيد في الثمن.
أيها الإخوة المسلمون، إن الواجب علينا أن نتمشى في معاملاتنا على ما رُسم لنا، كما أنه يجب علينا أن نتمشى في العبادات على ما شُرِع لنا؛ لأن هذا مقتضى العبودية التامة، لا تكن لله عبداً في العبادات مستكبراً في المعاملات، كن عبداً لله في عباداتك وفي أخلاقك وفي معاملاتك؛ ليصدق عليك أنك عبد لله عز وجل، أسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - نبياً، وأسأل الله - تعالى - أن يثبتنا وإياكم على ذلك إلى الممات، وأسأل الله - تعالى - أن يسدد جوابنا في ذلك بعد الممات إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة يوم نلاقيه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فمادمنا نتحدث عن معاملات جاءت بها الشريعة فإن موضوع خطبتنا الثانية هذه سيكون أمرين:
الأمر الأول: ما يجلب في الأسواق من الخضروات والفواكه والرطب، فإن بعض الناس - نسأل الله لنا ولهم الهداية - يحاولون أن يكسبوا المال عن طريق محرم، فتجده يجعل الصغير والمعيب في أسفل الإناء ويجعل الطيب والسليم في أعلى الإناء، وهذا غش ظاهر، مرَّ النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - برجل يبيع الطعام فأدخل يده - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فإذا أسفله قد أصابه الماء، فقال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لصاحب الطعام: "ما هذا"؟ قال: أصابته السماء - يعني: المطر -، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من غش فليس منا"، وكان الواجب أن يجعل هذا الذي أصيب بهذا العيب أن يجعله فوق حتى يراه الناس، أو أن يجعل السليم في إناء وحده والمعيب في إناء وحده، فاتقوا الله - عباد الله -، لا تدخلوا في البراءة التي تبرأ منها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أتحب أن تكون مِمن تبرأ منهم النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من أجل كسب لعاعة من العيش؟ إن العاقل - فضلاً عن المؤمن - لا يمكن أبداً أن يرضى بذلك لنفسه، فاتقِ الله يا أخي، واجعل الطيب وحده والرديء وحده؛ حتى يكون المشتري على بصيرة من أمره، إن شاء أخذ الطيب وإن شاء أخذ الرديء.
أما المسألة الثانية والتي يكثر عنها السؤال هذه الأيام: فهي أن بعض المزارعين يكون قد أعطي بطاقة بقدر معين من أطنان العيش - أي: من أطنان القمح - وينقص ما عنده عن هذا القدر، فيذهب ويشتري من السوق أو من مزارع أخر؛ ليكمل به هذا القدر ثم يدخله على الحكومة، إني أسال سؤالاً سهلاً: هل صحيح أن هذا القدر هو من مزرعتك؟ إنه سيقول: إن هذا غير صحيح؛ لأن مزرعتي ثمانون طناً وهذا مائة طن، فأنا أدخلت عشرين طن على الحكومة مبيناً أو مظهراً أنه من نتاج مزرعتي وليس كذلك، إذاً فهذا كذب، ثم نقول: هل من النصح لولاة الأمور أن تخدعهم فتكذب عليهم؟ سيقول: ليس هذا من النصح، ثم نقول: هذا المال الذي أتاك أو هذه الزيادة التي أتتك على هذا القمح الذي اشتريته بريال وأدخلته على الحكومة بريالين هل هذه الزيادة مبنية على حق أو مبنية على باطل؟ سيقول: إنها مبنية على باطل؛ لأنه لا يستطيع أن يقول إنها مبينة على حق إذ أن الواقع يكذبه، فنقول له: إذا كنت تقول: إنها مبنية على باطل فإن المال المترتب عليها باطل وتكون أكلت المال بالباطل، فتضمنت هذه العملية ثلاثة محاذير: المحذور الأول: الكذب، المحذور الثاني: الخيانة لولاة الأمور، المحذور الثالث: أكل المال بالباطل، وإن المؤمن بالله واليوم الآخر ليربا بنفسه أن يتعامل مع الحكومة هذه المعاملة التي توقعه في هذه المحاذير، وإني أقول لهم - لهؤلاء ولأمثالهم مِمن يكتسبون المال الحرام - أقول لهم: إن من اكتسب المال الحرام وتغذى به فإنه يبعد أن يجيب الله دعاءه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا"، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون: 51]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 172]، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ"، فاستبعد النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أن يستجيب الله الدعاء لهذا الذي فعل أربعة أسباب من إجابة الدعاء، ومع ذلك يرد دعاء؛ لأنه يتغذى بالحرام، ثم نقول أيضاً: ألم تعلم أنك ستبعث؟ ألم تعلم أنك ستسأل عن مالك من أين اكتسبته؟ ألم تعلم أنك ستسأل عن مالك أين أنفقته؟ إن هذا لسفه أن يتجرأ الإنسان على هذه المعصية من أجل أن يصيب لعاعة من العيش، وكذلك يوجد بعض الناس يعطى بطاقة لتدخيل قمحه على الصوامع ولا يكون عنده قمح فيشتريها منه رجلاً آخر ويدخل قمحه بها، وهذه أيضاً جناية لا تقصر عن الجناية الأولى، فلا يحل لأحد أن يبيع بطاقته أو أن يهبها لأحد؛ لأن ذلك فيه الكذب والخيانة وأكل المال بالباطل، نسأل الله لنا ولكم السلامة.
أيها الإخوة، بلغوا هذا - بارك الله فيكم - لمن تتصلون به من المزارعين، فربما مبلغ أوعى من سامع، وأنتم إذا بلغتم شيئاً من أحكام دين الله فلكم أجره؛ لأن من دل على خير فهو كفاعله.
أيها الإخوة، قال لي بعض الناس الآن: إن بعض الناس إذا اشترى ثمرة نخلة ثم اشترى آخر ثمرة نخلة أخرى فإنه يقع التبادل بين الرجلين، فيقول: أعطني نخلتك وأعطيك نخلتي وهذا لا يجوز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - نهى عن بيع التمر إلا مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، ولكن لو ذهب الرجلان إلى البائع إلى الفلاح وقال أحدهم للفلاح: أقلني من بيعتي ثم أقاله، وقال الثاني: أقلني من بيعتي ثم أقاله، ثم باع الفلاح على أحدهما نخلة الآخر بيعاً جديداً فإن هذا لا بأس به إذا لم يكن حيلة، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وجعلنا مِمن يقولون سمعنا وأطعنا، ونسأل الله أن يغفر لنا ولكم ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وأن يتولانا بعنايته ورعايته، وأن يتوفانا على دينه وتوحيده، واعلموا أن "خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، فعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار"، وأكثروا من الصلاة والسلام على نبيكم محمد - صلى الله عليه وسلم - تنالوا أجراً وخيراً كثيراً، وتقوموا بشيء من حقه صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً، فإن "من صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشرا"، أتدرون ما معنى الصلاة عليه؟ إن معنى الصلاة عليه معنى عظيم، إنك إذا قلت: اللهم صلِّ على محمد فمعناه: اللهم أثنِ عليه في الملأ الأعلى، أي: عند الملائكة المقربين إلى رب العالمين، فإذا قلت ذلك وصلى الله عليك معناه أن الله أثنى عليك أنت عند الملأ الأعلى عند الملائكة المقربين، يا لها من نعمة، يا له من ثواب يسعى له كل إنسان مؤمن عاقل، فاللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارزقنا محبته واتباعه ظاهراً وباطناً، اللهم توفنا على ملته، اللهم احشرنا في زمرته، اللهم اسقنا من حوضه، اللهم أدخلنا في شفاعته، اللهم اجمعنا به في جنات النعيم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يا رب العالمين، اللهم ارضَ عن خلفائه الراشدين، وعن زوجاته أمهات المؤمنين، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم ارضَ عنا معهم، وأصلح أحوالنا كما أصلحت أحوالهم يا رب العالمين، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصر إخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك على أعدائهم وأعدائنا وأعدائك الصرب النصارى الظالمين الطاغين، اللهم أنزل بالصرب بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين، اللهم أورث المسلمين ديارهم وأموالهم وذرياتهم ونساءهم يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير.
عباد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: 90-91]، وأكثروا من ذكر الله دائماً يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45].