تفريغ الخطبة
الحمد لله الذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق رحمة للعالمين وقدوة للعاملين وحجة إلى المبعوث إليهم أجمعين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى على العالمين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا
أما بعد
أيها الناس إنكم تستقبلون أياما فاضلة ومواسم خيرات جزيلة ألا وهي عشر ذي الحجة الأولى التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء ) فأكثروا في هذه الأيام العشر العشر الأولى من ذي الحجة أكثروا فيها من الأعمال الصالحة من الذكر وقراءة القرءان والصدقة والصيام وغيرها تقولون الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله و الله اكبر الله اكبر ولله الحمد ومن الأعمال الصالحة صيامها لأن الصيام من أفضل الأعمال التي تقرب العبد إلى الله عز وجل أكثروا فيها من الأعمال الصالحة وإنكم أيها الحجاج تستقبلون في هذه الأيام السفر إلى حج بيت الله الحرام ترجون من الله مغفرة الذنوب والآثام وتؤملون الفوز بالنعيم المقيم في دار السلام وتؤملون الخلف العاجل من ذي الجلال والإكرام إنكم تتوجهون في أشهر حرم إلى أمكنة فاضلة ومشاعر معظمة تؤدون عبادة من أجل العبادات لا يريد بها المؤمن فخرا ولا رياء ولا نزهة ولا طربا وإنما يريد بها وجه الله والدار الآخرة فأدوا هذه العبادة كما أمرتم مخلصين لله متبعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم من غير غلو ولا تقصير فإن دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه قوموا أيها المسلمون في سفركم وإقامتكم بما أوجب الله عليكم في الطهارة والصلاة وغيرهما من شعائر الدين إذا وجدتم الماء فتطهروا به للصلاة فإن لم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه أدوا الصلاة جماعة ولا تشتغلوا عنها بشيء فإن صلاة الجماعة تفوت والشغل يمكن قضاءه فيما بعد صلوا الرباعية ركعتين من حين مغادرة بلادكم حتى ترجعوا إليها صلوا الظهر والعصر والعشاء على ركعتين ركعتين إلا أن تصلوا خلف إمام يتم فأتموها أربع سواء أدركتم معه الصلاة من أولها أو أدركتم بعضها اجمعوا بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء جمع تقديم أو جمع تأخير حسبما يتيسر لكم إن كنتم سائرين أما إن كنتم نازلين فالأفضل أن لا تجمعوا صلوا من النوافل ما شئتم إلا سنة الظهر والمغرب والعشاء فالأفضل أن لا تصلوها تخلقوا بالأخلاق الفاضلة من الصدق والسماحة وبشاشة الوجه وخفة النفس والكرم بالمال والبدن والجاه واحسنوا إن الله يحب المحسنين واصبروا على المشقة والأذى فإن الله مع الصابرين استصحبوا من طلبة العلم حتى يبينوا لكم شعائر الله فإن كثيرا من المسلمين يجهلون أحكام الحج فإذا وصلتم إلى الميقات فاغتسلوا وطيبوا أبدانكم الرؤوس واللحا والبسوا ثياب الإحرام غير مطيبة إزارا ورداءً أبيضين للذكور وأما النساء فيلبسن ما شئن من الثياب غير متبرجات بزينة احرموا من أول ميقات تمرون به وإن كان ليس ميقاتكم الأصلي لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت وقال هن لأهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة ومن كان في الطائرة فليتأهب للإحرام قبل محاذاة الميقات ثم يحرم إذا حاذاه بدون تأخير احرموا بالنسك من غير تردد ولا شرط إلا إذا كان الإنسان مريضا يخاف أن لا يتم نسكه فليشترط وليقل إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني احرموا بالعمرة قائلين لبيك اللهم عمرة لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وارفعوا أصواتكم بالتلبية وأما النساء فلا يرفعن أصواتهن فإذا وصلتم المسجد الحرام فطوفوا بالبيت طواف العمرة سبعة أشواط ابتدئوا بالحجر الأسود وانتهوا به طوفوا بجميع البيت ولا تدخلوا بين الحجر والكعبة فمن فعل ذلك لم يصح شوطه ولا تشقوا بأنفسكم بمحاولة الوصول إلى الحجر الأسود لاستلامه أو تقبيله وأشيروا إليه عند المشقة ولا تكلفوا أنفسكم بمحاولة الدخول إلى الكعبة أو الدنو منها فإن الخشوع في الطواف أفضل من القرب إلى الكعبة وجميع المسجد مكان للطواف حتى السطح الأعلى والأوسط فإذا أتممتم الطواف فصلوا ركعتين خلف مقام إبراهيم إن تيسر وإلا ففي أي مكان من المسجد ثم اسعوا بين الصفا والمروة سعي العمرة سبعة أشواط تبداءون بالصفا وتنتهون بالمروة ذهابكم من الصفا إلى المروة شوط ورجوعكم من المروة إلى الصفا شوط آخر فإذا أتممتم السعي فقصروا رؤوسكم من جميع الجوانب حتى يتبين أثر التقصير على الشعر أما المرأة فإنها تقصر من أطراف بمقدار أنملة أي بمقدار فصلة الأصبع وبهذا تمت العمرة وحل الحاج الحل كله فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة فاحرموا بالحج من مكانكم الذي أنتم فيه واصنعوا عند الإحرام بالحج كما صنعتم عند الإحرام بالعمرة قولا وفعلا إلا أنكم تقولون لبيك حجا بدل لبيك عمرة ثم صلوا بمنى ظهر اليوم الثامن والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصرا بلا جمع تصلون الرباعية ركعتين كل صلاة في وقتها إقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا طلعت الشمس فسيروا إلى عرفة وصلوا بها الظهر والعصر قصرا وجمعا بالتقديم ثم اشتغلوا بالذكر والدعاء والتضرع إلى الله عز وجل واعلموا أن كل عرفة موقت إلا بطن الوادي عرنه وانتبهوا أيها الإخوة انتبهوا لحدود عرفة فإن بعض الناس ينزل قبل أن يصل إليها ثم ينصرف من مكانه بدون وقوف ومن لم يقف بعرفة في وقت الوقوف فلا حج له فإذا غربت الشمس فسيروا إلى مزدلفة ملبين وصلوا بها المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين متى وصلتم إليها إلا أن ينتصف الليل قبل وصولكم فصلوا قبل منتصف الليل لأن آخر وقت العشاء منتصف الليل فإذا صليتم الفجر فقفوا عند المشعر الحرام أو في أي مكان من مزدلفة واذكروا الله تعالى وادعوه حتى تسفروا جدا ثم سيروا إلى منى ملبين وأبدأوا بجمرة العقبة وهي الأخيرة التي تلي مكة فارموها بسبع حصيات متعاقبات تكبرون مع كل حصاة كل حصاة أكبر من الحمص قليلا تلتقطونها من حيث ما شئتم فإذا رميتم الجمرة فاذبحوا هديكم واحلقوا رؤوسكم والمرأة تقصر فإذا رميتم وحلقتم أو قصرتم حل لكم كل شيء من محظورات الإحرام إلا النساء فالبسوا الثياب وتطيبوا ثم انزلوا إلى مكة وطوفوا بالبيت واسعوا بين الصفا والمروة وذلك للحج وبفعل هذه الأربعة الرمي والحلق أو التقصير والطواف والسعي تحلون من محظورات الإحرام كلها ثم بيتوا بمنى ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر وارموا الجمرات الثلاثة في اليومين بعد الزوال ابدءوا برمي الجمرة الصغرى وهي الأولى الشرقية بسبع حصيات متعاقبات تكبرون مع كل حصاة ثم تقدموا عن الزحام واستقبلوا القبلة وارفعوا أيديكم وادعوا الله دعاءً طويلا ثم ارموا الوسطى كذلك وقفوا بعدها للدعاء كما فعلتم بعد الأولى ثم ارموا جمرة العقبة ولا تقفوا بعدها للدعاء اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ترموا في هذين اليومين قبل الزوال ولكم تأخير الرمي إلى الليل لأن النبي صلى الله عليه وقت أول الرمي دون آخره وأذن للضعفاء أن يدفعوا من مزدلفة قبل الفجر ليرموا قبل زحمة الناس وارموا بأنفسكم ولا توكلوا أحدا في الرمي عنكم لأن الرمي من الحج وقد قال الله تعالى ( وأتموا الحج والعمرة لله ) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للضعفاء أن يدفعوا من مزدلفة قبل الناس ليرموا بأنفسهم ولم يرخص لهم أن يوكلوا ولكن لو كان الحاج لا يستطيع الرمي بنفسه كالمريض والكبير العاجز والمرأة الحامل التي تخشى على نفسها وحملها فإنه يجوز لهؤلاء أن يوكلوا بالرمي لأنهم عاجزون عنه فيرمي الإنسان عن نفسه أولا وعن موكله ثانيا ولو في موقف واحد ومن سقطت منه حصاة وهو يرمي فله أن يأخذ حصاة بدلها من مكانه ويرمي بها ولا حرج عليه لأن الحصى كله يرمى به فإذا رميتم الجمرات الثلاث يوم الثاني عشر فإن شئتم فانزلوا إلى مكة وإن شئتم فتأخروا لليوم الثالث عشر لترموا الجمرات الثلاثة كما رميتموها في اليومين السابقين وهذا أفضل لقوله تعالى : ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى ) ولأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه أكثر عملا حيث يحصل له المبيت والرمي في الثالث عشر فإذا أتممتم أفعال الحج كلها وأردتم الرجوع إلى بلادكم فلا تخرجوا من مكة حتى تطوفوا للوداع ولكن لا وداع للحائض والنفساء لقول ابن عباس رضي الله عنهما أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت يعني الطواف إلا أنه خفف عن الحائض . أيها المسلمون أيها الحجاج هذه صفة الحج والعمرة سقناها حسب الإمكان على نحو ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقوموا بحجكم وعمرتكم وجميع عباداتكم مخلصين لله متبعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم لتنالوا محبة الله ومغفرة ذنوبكم قال الله عز وجل )قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) اللهم وفقنا للإخلاص في عبادتك واتباع رسولك اللهم اجعلنا من الهداة المهتدين والصلحاء المصلحين إنك جواد كريم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين إن الحمد لله أحمده وأشكره وأتوب أليه وأستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد
فإن الله تعالى شرع بحكمته ورحمته شرع لعباده الذين لم يحجوا أن يتقربوا إليه بذبح الأضاحي عنهم وعن أهليهم فضحى النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بأضحيتين إحداهما عنه وعن أهله والثانية عن أمته ومن أراد أن يضحي فدخل العشر فإنه لا يأخذ من شعره ولا من بشرته ولا من ظفره شيئا حتى يضحي وهذه الأضاحي إنما تشرع للناس في بلادهم ليعظموا شعائر الله في بلادهم كما عظم الحجاج شعائر الله عند المسجد الحرام قال الله عز وجل)وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا) وقال تعالى )وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) وقال تعالى ( فصلي لربك وانحر ) وقال تعالى )قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين َ) وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الأضحية شيء واللحم شيء آخر فقال من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم فقال رجل يا رسول الله نسكت قبل أن اخرج إلى الصلاة فقال النبي صلى الله عليه وسلم شاتك شاة لحم وفي هذه النصوص القرآنية والسنة النبوية دليل واضح على أنه ليس المقصود من الأضاحي مجرد الانتفاع باللحم ولكن المقصود الأعظم شيء وراء ذلك وهو تعظيم شعائر الله والتقرب إليه بالذبح وذكر اسم الله تعالى عليها وهذا لا يحصل إلا إذا أقيمت هذه الشعيرة في البلاد ورآها الصغير والكبير وذكر اسم الله عليها وبهذا نعلم أن الأولى والأكمل والأفضل والأقوم لشعائر الله أن يضحي الناس في بلادهم وأن لا يخرجوا أضاحيهم عن بلادهم وبيوتهم لأن إخراجها عن البلاد يفوت به مصالح كثيرة ويحصل به شيء من المفاسد فمن ما يفوت به من المصالح إظهار شعيرة من شعائر الله في البلاد لأنه إذا لم يضحى في البلاد فإن البيوت تتعطل أو بعضها أو كثير منها عن هذه الشعيرة ولاسيما إذا تتابع الناس فيها فتتايعوا ومما يفوت به مباشرة ذبح المضحي لأضحيته فالسنة أن يذبح الإنسان أضحيته بنفسه ويسمي الله عليها ويكبره تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم وامتثالا لقوله تعالى ( فصلي لربك وانحر ) وقوله ) فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا ) قال العلماء وإذا كان المضحي لا يحسن الذبح وكل مسلما وحضرها ومما يفوت به من المصالح شعور الإنسان بالتعبد لله تعالى بالذبح نفسه فإن الذبح لله من أجل العبادات وأفضلها ولهذا قرن الله الذبح بالصلاة في قوله ( فصلي لربك وانحر ) واسأل من بعث بقيمة أضحيته خارج البلاد هل يشعر بهذه العبادة العظيمة هل يشعر بالتقرب إلى الله بها بالذبح إنه لن يشعر بذلك أبدا لأنه لم يذبحها ولم تذبح أمامه ومما يفوت به ذكر الله تعالى على الذبيحة وتكبيره وقد أمر الله تعالى بذكر اسمه عليها فقال جل وعلا )وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ) وقال تعالى () كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ) وفي هذا دليل على أن ذبح الأضحية وذكر اسم الله عليها عبادة مقصودة لذلك ومن المعلوم أن نقلها إلى خارج البلد يفوت به هذا المقصود العظيم بل هذا المقصود الأعظم فإن ذلك أعني التقرب إلى الله تعالى بذبحها وذكر اسم الله عليها اعظم من مجرد الانتفاع بلحمها والتصدق به لقوله تعالى )لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ) ومما يفوت به الأكل من الأضحية فإن المضحي مأمور بالأكل من أضحيته إما وجوبا أو استحبابا على خلاف في ذلك بين العلماء بل إن الله قدم الأمر بالأكل منها على إطعام الفقير فقال تعالى ) فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) فأكل المضحي من أضحيته عبادة يتقرب بها إلى الله عز وجل ويثاب عليها لامتثاله لأمر الله ومن المعلوم أن بعثها إلى خارج البلاد يمنع الأكل منها لأنه لا يمكنه فيكون بذلك مفرطا في أمر الله عز وجل وآثما على قول بعض العلماء لما يفوت به من المصالح أن الإنسان يبقى معلقا هل يقص شاربه و يقلم أظفاره لأنه أذبحت أضحيته أم لا وهل ذبحت يوم العيد أو في الأيام التي تليه وقد ذكر بعض العلماء أنه يستحب للمضحي أن يأخذ من ذلك بعد ذبح أضحيته لحديث ورد في ذلك وفيه مقال فهذه ست مصالح تفوت بنقل الأضاحي إلى بلاد أخري ومن المعلوم أن المؤمن يطلب المصالح أينما كانت أما المفاسد فمنها أن الناس ينظرون إلى الأضحية وهي هذه العبادة العظيمة نظرة اقتصادية مالية محضة وهي مصلحة الفقير دون أن يشعروا بأنها عبادة يتقربون بها إلى الله وربما يشعر أن فيها الإحسان إلى الفقراء وهذا خير وعبادة لأن الله يحب المحسنين ولكنه دون شعور العبد بالتقرب إلى الله بالذبح فإن في الذبح من تعظيم الله ما تربو مصلحته على مجرد الإحسان إلى الفقراء ثم إن الفقراء يمكن أن ننفعهم بإرسال الدراهم أو الأطعمة أو الفرش أو الملابس أو غيرها دون أن نقتطع لهم جزء من عباداتنا المهمة ومن المفاسد تعطيل شعائر الله تعالى أو تقليلها في البلاد التي نقلت منها ومن المفاسد تفويت مقاصد الموصين الأموات إذا كانت الأضاحي وصايا لأن الظاهر من حال الموصين أنهم يريدون مع التقرب إلى الله منفعة ذويهم وتمتعهم بهذه الأضاحي ولم يكن يخطر ببالهم أن تنقل إلى بلاد أخرى قريبة أو بعيدة فيكون في نقلها مخالفة لما يظهر من مقصود الموصين ثم إننا أيها الإخوة لا ندري من الذي يتولى ذبحها في البلاد الأخرى هل هو على علم بأوصاف الأضحية المطلوبة أم سيذبح ما حصل بيده على أي حال كانت ولا ندري هل سيتمكن من ذبح هذه الأضاحي في وقتها أو لا يتمكن قد تكون الأضاحي التي دفعت قيمتها كثيرة جدا فيعوز الحصول عليها في أيام الذبح فتؤخر إلى ما بعد أيام الذبح لأن أيام الذبح محصورة أربعة أيام فقط ثم أننا لا ندري أيضا هل ستذبح كل أضحية باسم صاحبها أو ستجمع الكمية فيقال مثلا هذه مائة رأس عن مائة شخص بدون أن يعين الشخص وفي إجزاء ذلك نظر . أيها الإخوة إننا أطلنا في هذه المسألة لدعاء الحاجة بل الضرورة إليها لأن من الناس من ينساب وراء العاطفة دون بصيرة من الأمر وهذا لاشك لاشك أنه من الجهل فلا تضيعوا هذه الشعيرة بإرسال قيمتها إلى خارج البلاد لتذبح هناك وانفعوا إخوانكم بما شاء الله من دراهم أو ألبسة أو فرش أو أطعمة أو غيرها أما الأضحية فإنها عبادة لا تفرطوا فيها اذبحوا ضحاياكم على مشهد من أهليكم وأولادكم حتى يعرفوا تلك الشعيرة العظيمة أسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا ممن يعبد الله على بصيرة وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا وأن يرزقنا البر والتقوى وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .