تفريغ الخطبة
الحمد لله الذي له ما في السماوات والأرض مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويرزق من يشاء بغير حساب وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز الوهاب وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الرسل بلا ارتياب صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المآب وسلم تسليما كثيرا
فقد قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) (محمد:7-8) هكذا أيها المؤمنون ينادي الله تعالى عباده المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله فيعدهم هذا الوعد هذا الوعد الذي لا يخلف (وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَيَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الروم:6-7) يعدهم الله وهو الذي لا يخلف الميعاد يعدهم هذا الوعد المتضمن لأمرين هامين كل أمر يتضمن شيئين الأمر الأول النصر وتثبيت الأقدام والثاني ذل الأعداء وضلال أعمالهم حتى يصبحوا يتخبطون في قراراتهم لا يهتدون سبيلا (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) (محمد:8) أيها الناس لقد وعد الله الذين آمنوا بهذين الأمرين ولكن بشرط أن ينصروا الله لأن الله يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)(محمد: من الآية7) ومن المعلوم بمقتضى اللغة العربية أن المشروط لا يتحقق حتى يتحقق الشرط فماذا يعني بنصر الله لقد بين الله ذلك في كتابه في قوله عز وجل (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ* الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:40-41) كح إن هذا النصر إنما يكون بعد التمكين في الأرض ولكن التمكين في الأرض لا يكون إلا بشرط وهو قوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً )(النور: من الآية55) فلا بد من عبادة الله ولا بد من انتفاء الشرك بالله بحيث لا يعلق الإنسان رجاءه إلا بالله ولا يتوكل إلا على الله عز وجل لا يتوكل على أي قوة مادية بشرية مهما كانت تلك القوة لأن من اعتمد على غير الله خذله الله عز وجل في موطن يتمنى فيه النصر يقول الله عز وجل (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ)(آل عمران: من الآية160) ألم تروا أيها المؤمنون بالله ورسوله ألم تروا إلى ما جرى لعاد قوم هود حيث استكبروا في الأرض وقالوا من أشد منا قوة فقال الله عز وجل (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ)(فصلت: من الآية15) فبماذا أهلك هؤلاء القوم الذين يتبجحون بقوتهم ويتحدون قوة الله عز وجل بماذا اهلكوا استمعوا إلى قول الله عز وجل (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ)(فصلت: من الآية16) بعض الذي عملوا أيها المسلمون إن هؤلاء الذين تبجحوا في قوتهم (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّة)(فصلت: من الآية15) اهلكوا بالريح اللطيفة واهلكوا بها على وجه بطيء ليذوقوا العذاب حيث تقلبهم الرياح حتى تبلغ بهم القمة قمة السماء ثم بعد ذلك يرجعون إلى الأرض منحنين كأعجاز النخل الخاوية أيها المسلمون إن في القرآن لعبرة إن في قصص هؤلاء لعبرة لأولي الألباب الذين يؤمنون بالله ورسوله يا عباد الله اعتمدوا على الله عز وجل لا تعلقوا رجاءكم إلا بالله لا تخافوا إلا من الله إن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(المائدة: من الآية23) إن التوكل على العباد مهما كانت قوتهم هو نقص في التوكل على الله وإخلال بالتوحيد ولهذا قال الله عز وجل (يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً )(النور: من الآية55) فإذا حصل التمكين في الأرض بعبادة الله وعدم الإشراك به فهاهنا تأتي هذه الأوصاف الأربعة المذكورة في قوله تعالى (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ*الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:40-41) هذه أوصاف أربعة لا يمكن أن يتحقق نصر الله لنا إلا إذا تحققت هذه الأوصاف الوصف الأول إقامة الصلاة بأن نأتي بها كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وأن نكملها بمكملاتها نقوم إليها بنشاط وشوق لا نقوم إلى الصلاة كما يقوم المنافقون (َإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى)(النساء: من الآية142) نؤدي الصلاة في وقتها مع الجماعة إذا كنا ممن تجب عليهم الجماعة نسبغ الطهور نقوم بين يدي الله عز وجل بخشوع وهو خضوع القلب وسكون الجوارح نعتقد أننا نناجي الله في صلاتنا بذكره وقراءة كلامه ودعائه نتضرع إليه عز وجل نخشع في ركوعنا وسجودنا نقيم الركوع والسجود والقيام والقعود نستحضر ما نستحضر ما نقول في صلاتنا من قراءة وذكر ودعاء أيها المؤمنون إني أسألكم سؤالا تجيبون عنه وتو تجيبون عنه وتؤمنون بأنكم مسؤولون عن الجواب عنه أمام الله هل منا من أقام الصلاة على الوصف المطلوب إن منا من لا يقوم إلى الصلاة إلا بكسل وفتور إن منا من لا يصلي إلا إذا رأى بشرا يستحي منه وإلا فلا يصلي إن منا من لا يقيم القراءة في صلاته إن منا من لا يقيم الركوع ولا القيام منه ولا السجود ولا الجلوس بعده إن منا من لا يحافظ على الطهارة إن منا من لا يحافظ على الجماعة إن منا من لا يحافظ على الوقت إن منا من ينام الوقت والوقتين ولا يصلي إلا إذا استيقظ إن منا من لا يصلي ولو بعد أن يستيقظ إن من الناس من يتقلب بنعمة الله على فراشه نائما ولا يبالي بصلاته ولو كان له شغل في دنياه لكان يرقب النجوم متى يأتي وقت هذا الشغل حتى يقوم إليه أما الوصف الثاني فهو إيتاء الزكاة والزكاة هي النصيب الذي فرضه الله تعالى في الأموال الزكوية لأصناف مخصوصة يجمعهم أنهم محتاجون أو محتاج إليهم كح فيبذل الزكاة كح فيبذل الزكاة طيبة بها نفسه محتسبا أجرها على الله مؤمنا بقول الله عز وجل (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا )(التوبة: من الآية103) مؤمنا بقول الله عز وجل كح (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)(سـبأ: من الآية39) فهل منا أيها المؤمنون هل منا أحد آتى الزكاة على الوجه المطلوب إن منا من يغلبه الشح فلا يؤتي الزكاة إن منا من يؤتي الزكاة متكرها يشعر أنها غرامة وخسران ولذلك يذهب كل مذهب في سؤال العلماء لعله يجد أحدا يقول له إن هذا لا تجب فيه الزكاة إن منا من يؤتيها على وجه ناقص يختار الرديء من ماله فيؤديه إن منا من لا يحرص على إحصاء ماله لا يدقق الحساب ولو كان بينه وبين أحد من الناس حساب لدققه غاية التدقيق إن منا من يحابي بزكاته فيعطي القريب ويعطي الصهر ويعطي الصديق كح يعطيهم الزكاة مع أنهم ليسوا من أهلها إن من إن من أعطى شخصا من زكاته وهو يعلم أو يغلب على ظنه أنه ليس من أهل الزكاة فإنها لا تجزئه ولا تبرأ بها ذمته ولا يجزيء إعطاؤها إلا لمن تعلم أو يغلب على ظنك أنه مستحق لها الوصف الثالث من أوصاف الموعودين بالنصر أ نهم يأمرون بالمعروف والمعروف كل ما أمر الله به ورسوله وإنهم لم يأمروا بالمعروف إلا وقد قاموا به هذا مقتضى العقل فإن العقل يقتضي أن تفعل ما تأمر به غيرك إذا كنت أهلا له قال الله عز وجل (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:44) إن هؤلاء يأمرون بالمعروف امتثالا لأمر الله وإحياءً لشريعة الله وإصلاحا لعباد الله إنهم يأمرون بالمعروف لأنهم يعلمون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم شرائع الإسلام ومن أقوى دعائمه وشعائره إنهم يأمرون بالمعروف لأنهم يحبون أن تظهر شريعة الله في أرضه في عباده كح إنهم يأمرون بالمعروف لأنهم فعلوا المعروف فأحبوا للناس ما يحبون لأنفسهم وذلك من تمام الإيمان فلا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه الوصف الرابع النهي عن المنكر والمنكر كل ما نهى الله عنه ورسوله من كبائر الذنوب وصغائرها ولم ينهوا عن المنكر إلا وهم منتهون عنه لأن هذا مقتضى العقل فإن العقل يقتضي أن تنتهي عن ما نهيت الناس عنه إن كنت في مثل حالهم إنهم ينهون عن المنكر حماية لشريعة الله وتهذيبا لعباد الله وامتثالا لأمر الله (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران:104-105) إنهم ينهون عن المنكر خوفا من أن تحل عليهم اللعنة التي تشمل الصالح والطالح إذا لم ينهى الناس عن المنكر كما حلت على بني إسرائيل قال الله تعالى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) *كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة:78-79) أيها المؤمنون أيها المجتمع المؤمن أيها المجتمع المسلم هل منا من قام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن منا من لا يأمر أهله ولا أولاده بمعروف ولا ينهاهم عن منكر فضلا عن غيرهم إن منا من يرى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص بطائفة معينة إن منا من يقصر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل منا من لا بل منا من يرى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر فلا يساعده بل منا من هو شر من ذلك وأقبح من يرى من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيثبطه ويرجف به ويساعد صاحب المنكر عليه وربما يشهد معه شهادة زور يستوجب عليها عقوبة الله أيها المؤمنون إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو دعامة الأمة الإسلامية وهو خصيصة هذه الأمة وهو الذي به فضلت على سائر الأمم واستمعوا إلى قول الله عز وجل (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )(آل عمران: من الآية110) فهذه الأمور الثلاثة هي دعامة المجتمع الإسلامي الذي بعث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا زال الإيمان عنه وزال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فحينئذ يتخلى المجتمع من مقوماته التي هي مقوماته حقيقة إن مقومات المجتمع ليست بقوة الاقتصاد ولا بكثرة الأموال ولا بتحسين ولا بتشييد القصور ولا بالسيارات الفخمة ولا بأي شيء من زهرة الدنيا لأن الدنيا كلها زائلة أو زائل عنها صاحبها ولكن قوام المجتمع الإسلامي الإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيها المسلمون إن الله تعالى قد ينتقم من العباد صالحهم وطالحهم إذا رأوا المنكر فلم يقوموا بتغييره ولم يتساعدوا عليه إحم فإنه إذا فشى المنكر في أرض فلم يغيره الناس أوشك أن يعمهم الله بعقابه كما قال الله تعالى (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (لأنفال:25) وإننا أيها المؤمنون إذا قلنا بصراحة وتأملنا تأملا حقيقيا وعلينا أن نقول الصراحة وعلينا أن نتأمل تأملا حقيقيا فإننا نعلم أنما حل بنا من هذه النكبة العظيمة التي لا يخفى عليكم فإن سببها بلا شك هو تضييع أمر الله عز وجل فيما يتعلق بكل فرد بخاصته وفيما يتعلق بالمجتمع إننا والله إذا قارنا أحوالنا بأحوال صدر هذه الأمة الذين ملكوا مشارق الأرض ومغاربها الذين دانت لهم الأمم الذي نكست رؤوس أكابر الأمم تحتهم إننا إذا قارنا حالنا بحال أولئك وجدنا الفرق العظيم بيننا وبين أحوالهم وكأنما يذكر عن أحوالهم من عبادة الله وطاعته كأنما هي سوالف وقصص وأساطير الأولين فنسأل الله برحمته نسأل الله برحمته أن يردنا إلى ديننا ردا جميلا أن يردنا جميعا حكامنا ومحكومينا وجنودنا وجميع أفرادنا من العلماء وطلبة العلم وسائر الناس أن يردنا إلى ديننا ردا جميلا ردا قويا تكون هذه الفتن وهذه المصائب مواعظ لنا تحيي قلوبنا وتذكرنا بأحوالنا اللهم حقق لنا ذلك يا رب العالمين أيها المؤمنون إن علينا أن نتقي الله عز وجل علينا أن نحاسب أنفسنا علينا أن نرجع إلى الله بالتوبة إليه والتخلي عن معصيته والتشميل في طاعته حتى نستحق ما وعدنا به من النصر من النصر على أعدائنا وحماية الله لنا فهو نعم المولى ونعم النصير اللهم هييء لنا من أمرنا رشدا اللهم أبرم لنا أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهي عن المنكر إنك على كل شيء قدير اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد .
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة يوم نلاقيه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى على جميع الخلق فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد
يا أيها الناس فاستمعوا إلى هذه الآيات (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ*وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ*وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ *بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ*حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ *لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ*قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ *مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ*أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ*أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ*أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ*وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ*أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ*وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ*وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ*وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ*وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ*حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) (المؤمنون:57-77) أيها المؤمنون اتلوا هذه الآيات اقرءوا هذه الآيات بتمعن وتدبر وانظروا ماذا ينطبق عليها ماذا ينطبق علينا من مدلولاتها ومقتضياتها يقول الله عز وجل (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) (المؤمنون:63) نعم إن قلوب كثير من المسلمين اليوم في غمرة في غفلة عن هذا عن دين الله عز وجل عن القيام بطاعته ولهم أعمال من دون ذلك نعم لهم أعمال من دون ذلك وهي أعمال الدنيا التي هي دون أعمال الآخرة بمراتب كثيرة هم لها عاملون تأمل كيف جاءت هذه الجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار في وصف هؤلاء لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون يعملون لها ليلا ونهارا لا يستريحون فيها إنهم يكدحون فيها إنهم يتعبون أفكارهم وعقولهم وأبدانهم ويتعبون أولادهم وحاشيتهم في هذه الأعمال التي هي دون أعمال الآخرة بمراتب كثيرة وإذا طبقت هذا وجدته في كثير من المسلمين اليوم نسأل الله لنا ولهم العافية إنهم يعطون أعمال الآخرة جانبا يسيرا من قواهم الفكرية والعقلية والبدنية والجوانب الكثيرة العظيمة إنما تكون لأعمال الدنيا إن الموظف لو قيل له احضر من حين أن يبزغ الفجر لرأيته يقوم من حين أن يبزغ الفجر ليؤدي هذا العمل الوظيفي وهو عمل دنيوي ولكن المؤذن يقول الله أكبر وحي على الصلاة حي على الفلاح وهو يتقلب في فراشه لا يقوم إليه ولا يجيبه وقد قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لرجل: (هل تسمع النداء قال نعم قال فأجب) إنه لا يمكنني أن أتكلم عن كل آية من هذه الآيات ولكني أوصيكم بأن تتأملوها وتفهموها وتنظروا هل تنطبق على أحوالكم أم لا وإني أختم الكلام على هذه الآيات بقوله تعالى (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) (المؤمنون:76) أخذهم الله بالعذاب إما حالا فيهم وإما حالا فيمن حولهم ومع ذلك ما استكانوا لربهم وما يتضرعون ما ذلوا لله ولا تضرعوا إليه ولا لجأوا إليه ولا رفعوا أيديهم إليه يدعونه إلا من شاء الله ما أقاموا الصلاة ولا أتوا الزكاة ولا انتهوا عن منكر الربا ماشي حتى مع نزول العذاب التحيل على الربا بالمداينات التي يلعبون بها ويستهزئون بآيات الله بها ماشية كما هي ولم يتغير شيء الملاهي ماشية كما هي ولم يتغير شيء إننا نسمع نسمع كثيرا مما يذكر من آلات اللهو والغناء والمناظر الفاضحة في هذا الظرف العصيب الذي ينبغي بل يجب على المؤمنين بالله أن يرجعوا إلى الله عز وجل أن يستكينوا إلى الله أن يتضرعوا إليه (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) (المؤمنون:76) اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من المعتبرين بعقوباتك المتعظين بها يا رب العالمين اللهم اجعل هذه العقوبة وهذه المصيبة سببا ليقظتنا؛ ليقظتنا حكاما ومحكومين يا رب العالمين اللهم إنا نسألك أوبة إليك وتوبة إليك ورجوعا إلى دينك على الوجه الذي ترضاه عنا يا رب العالمين يا عباد الله إن الأمر والله شديد إنه مخيف إننا على أبواب حرب إننا على أسنة الرماح فتوبوا إلى الله وأكثروا من اللجوء إليه وأكثروا من دعائه ولا سيما ؛ ولا سيما في السجود ولا سيما في أوقات الإجابة مثل ما بين الآذان والإقامة وفي آخر الليل فإن الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر واعلموا أيها المؤمنون أن آكل الحرام يبعد أن يستجيب الله دعاءه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما صح عنه: ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ) وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً)(المؤمنون: من الآية51) وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (البقرة:172) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك ) فاستبعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستجيب الله دعاء هذا الآكل للحرام مع أنه أتى بالأسباب الموجبة للقبول ولكن أكل الحرام صار ولكن أكل الحرام صار مانعا من إجابة الدعاء وصارت إجابة الدعاء لهذا الآكل الحرام بعيدة لقوله صلى الله عليه وسلم : ( فأنى يستجاب لذلك ) أطيبوا أيها المسلمون مطعمكم أطيبوا مطعمكم تجب دعواتكم وارفعوا أكفكم لله تعالى في كل وقت مناسب أن ينجي الله المؤمنين من أعدائهم اللهم إنا نسألك أن تنجي المؤمنين من أعدائهم اللهم أنجي المؤمنين من أعدائهم اللهم أنجي المؤمنين من أعدائهم اللهم اجعل كيدهم في نحورهم اللهم شتت شملهم اللهم فرق جمعهم اللهم اهزم جندهم اللهم زلزل بهم اللهم أجعل تدبيرهم تدميرا عليهم يا رب العالمين اللهم أذقهم الهوان والذل في الدنيا والعار والخزي يا رب العالمين اللهم إن أعداء المسلمين لا يعجزونك فكن مع المؤمنين عليهم يا رب العالمين اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين اللهم إنك أنت الله الواحد القهار العزيز الغفار نسألك اللهم أن تغفر لنا وأن ترينا مظاهر عزتك في أعدائنا يا رب العالمين إنك على كل شيء قدير أيها المسلمون إنه كثر السؤال عن القنوت في الفرائض في هذه الأيام وهل ذلك مشروع أم لا وإني أقول لكم إن المشهور من مذهب الإمام أحمد أن القنوت في النوازل خاص بالإمام الأعظم لا يقنت إلا الإمام الأعظم أو إذا صدر منه أمر بذلك ولهذا فضلنا أن لا نقنت إلا بأمر من ولي أمرنا وإذا شرع القنوت في النوازل فإنه مشروع في كل صلاة في الفجر وفي الظهر وفي العصر وفي المغرب وفي العشاء يكون في الركعة الأخيرة ويكون جهرا حتى في الصلوات السرية كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اتصلت بجهات مسؤولة سمعت أنهم قنتوا فقالوا إنه قد جاءنا أمر بذلك ولو لم يأتنا أمر بذلك ما فعلنا وهذا هو الذي ينبغي أن تكون الأمة أن تكون الأمة عملها ومنهاجها واحد إذا أمروا بشيء فإنهم يأتمرون به ما لم يكن فيه معصية لله وإذا لم يؤمروا فإن الأولى أن يقتصروا على الدعاء في مواطن الإجابة في السجود وفي ما بين الآذان والإقامة ومع ذلك لا ننكر على من فعل هذا أي لا ننكر على من قنت ولكن نرى أن من الأفضل ألا نقنت إلا بأمر من ولاة أمورنا خصوصا وأن المشهور من مذهب الإمام أحمد أن القنوت خاص بالإمام الأعظم والدعاء ولله الحمد مفتوح في كل وقت مفتوح والدعاء ولله الحمد مفتوحة أبوابه في كل وقت قال الله تعالى (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (لأعراف:55) وقال الله عز وجل (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر: من الآية 60) أسأل الله تعالى أن يجعلنا من دعاة الحق وأنصاره وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب والحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين