تفريغ الخطبة
الجزاء من جنس العمل
خطبة جمعة بتاريخ / 28-1-1425 هـ
الحمد لله حمد الشاكرين ، وأثني عليه ثناء الذاكرين ، لا أحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه ، أحمده جلّ وعلا على نعمه التي لا تعد ولا تحصى ، وعلى آلائه ومننه التي لا تستقصى ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد عباد الله : اتقوا الله تعالى فإن من اتقى الله وقاه وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه .
ثم اعلموا - رحمكم الله - أن الله بحكمته قضى أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر ؛ ليعرِف العباد أنه حليمٌ عليمٌ رؤوفٌ رحيم ، وليرغبوا في الخير ويحذروا من أسباب العذاب الأليم ، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)) ، إن الله طيب لا يقبل من الأعمال والأقوال والنفقات إلا طيبا ، والله جوادٌ يحب الجود ، كريمٌ يحب الكرم ، وما نقصت صدقة من مال بل تزيده ، وما زاد الله عبدا بعفوٍ إلا عزا ، وما تواضع أحد إلا رفعه الله ، ومن أحسن إلى الخلق أحسن الله إليه ، ومن عَفَا عنهم عَفاَ الله عنه ، ومن غفر لهم غفر الله له ، ومن تكبّر عليهم وضعه الله ، ومن يسّر على معسرٍ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن فرَّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرَّج الله عنه كربة من كرَبِ يوم القيامة ، والله في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه ، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علما سهَّل الله له به طريقا إلى الجنة ، ومن غدا إلى المسجد وراح أعدّ الله له نزلاً من الجنة كلما غدا أو راح ، ومن أمسك عمَّا عليه أتلفه الله ، وما ظهر الغلول وأكل المال بغير حق في قوم إلا أوقع الله في قلوبهم الرعب وابتلاهم بالذل ، وما نقص قومٌ المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرّزق ، وما نكث قومٌ العهد إلا سُلِّط عليهم الأعداء ، وما فَشَى في قوم الزنا إلا كثر فيهم الوباء والموت ، وما حكم قومٌ بغير ما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم ، ومن وصل رحمه وصله الله ومن قطعها قطعه الله ، ومن آوى إلى الله آواه الله ، ومن استحيا من الله استحيا الله منه ، ومن أعرض عن الله أعرض الله عنه ، ومن تقرّب إلى الله تقرب الله منه أكثر ، ومن أشبع مسلماً من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة ، ومن سقاه على ظمأ سقاه الله من أنهار الجنة ، ومن كساه من عُريٍّ كساه الله من حُلل الجنة ، ومن نصر أخاه المسلم نصره الله ومن خذله خذلَه الله، ومن تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته وأظهر عيوبه ، ومن سترهم وأغضى عن معائبهم ستره الله ، ومن يستعفِف يعفُّه الله ، ومن يستغنِ يُغنِه الله ، ومن يصبِر يُصبِّره الله ، ومن أقال مسلماً بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة ، ومن أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه ، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ، ومن ظلم قيد شبر من الأرض طُوِّقَهُ من سبع أرضين يوم القيامة ، ومن فرَّق بين والدة وولدها فرَّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة ، ومن جمع بين متحابَيْن أو أصلح بين اثنين جمع الله بينه وبين أحبته وأصلح له شأنه ، ومن كانت هِمتُه الآخرة جمع الله له شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا راغمة ، ومن كانت همّه الدنيا فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له . وهكذا عباد الله في جميع الأمور ؛ الجزاء من جنس العمل ، وكما تدين تُدان {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:7-8] .
منَّ الله علينا أجمعين بالقيام بالأسباب النافعة والأعمال الصالحة وحمانا من الأسباب الضارة وهدانا إليه صراطاً مستقيما . أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية :
الحمد لله عظيم الإحسان ، واسع الفضل والجود والامتنان ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليماً كثيرا .
أما بعد عباد الله : اتّقوا الله تعالى واعلموا أنَّ تقوى الله جلّ وعلا أساس السعادة وسبيل الفلاح في الدنيا والآخرة، ثم تذكَّروا - رعاكم الله - أن هذه الحياةَ الدنيا التي نعيشها ونحياها الآن ميدانٌ للعمل ، وما يقدِّمه فيها العبد من خير أو شر يلقاه بين يديه يوم القيامة يوم يلقى الله يوم يقف بين يدي الله تبارك وتعالى ؛ إن كان قدَّم إحسانا لقي يوم القيامة إحسان ، وإن كان قدم إساءةً لقي يوم القيامة من جنس عمله ، قال الله تعالى في الإحسان : ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] ، وقال الله تعالى في الإساءة : ﴿ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى ﴾ [الروم:١٠] ، فكما تدين تُدان . فاتقِ الله - عبدَ الله - ما دمت في دار العمل وعليك بالبدار إلى صالح الأعمال وسديد الأقوال قبل فوات الأوان ، ونسأل الله جلّ وعلا أن يأخذ بنواصينا إلى الخير وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين وأن يهدينا سواء السبيل .
وصلوا وسلموا رعاكم الله على إمام الهداة محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ [الأحزاب:٥٦] ، وقال صلى الله عليه وسلم : ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا)).
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد . وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين أبى بكر وعمر وعثمان وعلي ، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين ، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنا معهم بمنك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهمّ أعز الإسلام والمسلمين ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ودمِّر أعداء الدين ، واحمِ حوزة الدين يا رب العالمين . اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين .
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى ، اللهم أعنه على البر والتقوى ، وسدده في أقواله وأعماله ، وألبسه ثوب الصّحة والعافية ، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة . اللهم وفِّق جميع ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابك واتباع سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ، واجعلهم رحمةً ورأفةً على عبادك المؤمنين .
اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك ، وعزائم مغفرتك ، والغنيمة من كل بِر والسلامة من كل إثم ، والفوزَ بالجنة والنجاة من النار ، اللهم إنا نسألك من كل خير خزائنه بيدك ، ونعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك . اللهم آت نفوسنا تقواها ، زكها أنت خير من زكاها أنت وليُّها ومولاها ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير ، والموت راحةً لنا من كل شر . اللهم اغفر لنا ذنبنا كله ؛ دقه وجله ، أوّله وآخره ، سره وعلنه . اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أسرفنَا وما أنت أعلم به منا أنت المقدِّم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .