خطبة نعمة اللباس والفتنة فيه الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

نعمة اللباس والفتنة فيه
الجمعة 12 شعبان 1429 هـ   الموافق لـ : 15 أوت 2008 م
تحميل الخطبة

تفريغ الخطبة

نعمة اللباس والفتنة فيه

خطبة جمعة بمسجد القبلتين بتاريخ / 14-8-1429 هـ

 

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمّداً عبده ورسوله ؛ صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .

أما بعد عباد الله : اتقوا الله تعالى واذكروا نعمة الله عليكم ؛ فإن ذكر النعمة سبب لشكر المنعِم سبحانه ، والشكر سببٌ للمزيد قال الله تعالى : {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}[إبراهيم:7].

عباد الله : وإنَّ من نعم الله العظيمة علينا أنْ مَنَّ علينا بنعمة اللّباس ؛ فهي نعمة عظمى ومنة كبرى ، ولذا فإنَّ الله عزّ وجلّ عدَّ هذه النّعمة وذكرها سبحانه في جملة نعمه العظيمة التي عدَّدها في سورة النحل المعروفة عند أهل العلم بسورة النعم لكثرة ما عدد الله فيها من نعمه على عباده ، وقد جاء في هذه السورة في خاتمة هذه النّعم قول الله تبارك وتعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } [النحل:81].  

عباد الله : اللباس نعمة عظيمة حيث منّ الله عزّ وجلّ على العباد بسرابيل - وهي القمصان من الكتان والقطن والصوف وغير ذلك - يتقي بها العباد الحر والبرد ويتجمّلون بلبسها ويوارون بها سوءاتهم ، ولهذا قال الله تعالى ممتناً على عباده بهذه النّعمة في سياقٍ آخر من القرآن قال الله عز وجل : {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } [الأعراف:26] ؛ وهنا - عباد الله - ذكر الله جلّ وعلا النّعمة على عباده باللّباسين : لباس الباطن بالتقوى ، ولباس الظاهر بالثياب التي تستر العورة وتواري السوءة ؛ وهذه نعمة عظيمة - عباد الله - ، تقوى الله جلّ وعلا وهي موطنها القلوب ، وإذا زانت القلوب بالتقوى زانت الأبدان وصلحت الأعمال , وإذا انتُزعت التقوى من القلوب وذهب عنها هذا اللّباس العظيم وقعت الأبدان في أنواعٍ كثيرة من الرذائل وصنوفٍ عديدة من الخسائس ؛ ومن ذلكم : أن تعري الإنسان في ظاهره من لباسه الذي يواري سوءته هو ناتج عن تعري قلبه من التقوى وذهاب هذا اللباس العظيم عنه ، فإن من تزيَّن قلبُه بلباس التقوى تزينت جوارحه بالحشمة والعفاف والستر والحياء والمراقبة لله تبارك وتعالى .

عباد الله : اللباس سترٌ للمرء وجمالٌ له وزينة ونعمةٌ من الله تبارك وتعالى عليه عظيمة ؛ باللباس يتجمّل ، وباللباس يستر السوءة ويواريها ، وباللباس يتقي الحرّ والبرد .

اللباس - عباد الله - نعمة عظيمة ، والشيطان يكيد للإنسان كيداً عظيما ليجرده من لباسه وليكشف عورته  وليجرده من حيائه وحشمته , الشيطان - عباد الله - عداوته للإنسان في لباسه قديمةٌ جداً وكيده له فيه قديم , ولهذا قال الله تعالى : {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا} [الأعراف:27] ؛ فذكر جلّ وعلا كيداً قديماً للشيطان في أمر اللّباس مع بني الإنسان ، وحذّر الإنسان من كيد الشيطان له في لباسه ليكون من ذلك على حذرٍ شديد ؛ لأنّ الشيطان - عباد الله - يمضي مع الإنسان في خطواتٍ عديدة ليجرّده من لباسه وليعرِّيه من كل فضيلة .

عباد الله : وهي خطوات يتدرّج بها الشيطان مع الإنسان إلى أن يوقعه في الحضيض وفي حمأة الرذيلة وفي شدة الفساد , ولاسيما مع المرأة يستغل نقص عقلها ودينها وضعفها فيوقعها في هذا الباب من أنواعٍ من التجرد من اللباس والتعري من الفضائل عبر خطواتٍ عديدةٍ وكيدٍ متواصل . ونسأل الله عز وجل أن يحمينا في أنفسنا ونساءنا وذرياتنا من كيد الشيطان الرجيم إنه تبارك وتعالى سميع مجيب .

عباد الله : الفتنة في اللّباس تأخذ أبواباً عديدة ومجالاتٍ متنوعة يجب على كلِّ مسلم أن يكون منها في حيطة وحذر .

عباد الله : الأصل في اللباس الإباحة كما قال نبيُّنا عليه الصلاة والسلام: ((كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ)) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ((كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ)) ؛ الأصل في اللباس الإباحة لكن الشريعة جاءت بجملة من الضوابط والقيود تكفل للإنسان سعادته وحشمته وفلاحه في دنياه وأخراه , ولهذا يجب على كل مسلم أن يتقيَّد في لباسه بضوابط الشريعة وقيود الإسلام لتحقق له الفضيلة وليتم له الكمال .

عباد الله : وإنّ مما حذّر منه نبُّينا عليه الصلاة والسلام في شأن اللباس التشبه بالكفار في ألبستهم , وجاء عنه في هذا قاعدةً عامة وأصلاً جامعا قال فيه عليه الصلاة والسلام : ((مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)) ، وفي أمر اللباس جاء عنه على وجه الخصوص ما جاء في الحديث أنه صلوات الله وسلامه عليه رأى على عبد الله بن عمرو ثوبين معصفرين فقال عليه الصلاة والسلام : ((إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلاَ تَلْبَسْهَا)) ، وهذا الحديث يُعدُّ أصلاً - عباد الله -  في تجنب ألبسة الكفار المختصة بهم؛ ومن ذلكم عباد الله البناطيل الضيّقة التي تصف العورة وتحجمها ، ومن ذلكم - عباد الله - الألبسة الشفّافة التي تشف عن العورة وتكشفها ، ومن ذلكم - عباد الله - اللباس الذي عليه من شعارات الكفار كالصلبان أو صورهم أو صور ذات الأرواح أو شعاراتهم أو أنديتهم أو أسماء المشهورين فيهم من الممثلين واللاعبين والمطربين والمغنيين وغير ذلك ، فكل ذلكم - عباد الله - حرام ولبسه مخالفة للإسلام ووقوع فيما نهى عنه النبي الكريم عليه الصلاة والسلام . ألا فلنتقِ الله في ذلك في أنفسنا وأولادنا .

عباد الله : ومما جاء أيضاً في شأن اللّباس تحريم الإسبال ، وشدّد النبي صلى الله عليه وسلم فيه كثيراً في أحاديث عديدة منها ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي ذر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : ((ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ .. الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ)) ؛ فذكر في أوّل هؤلاء المسبل : أي المسبل ثيابه ؛ وهو من يرخي ثيابه أسفل من الكعبين. 

ومن ذلكم عباد الله في شأن اللباس : أن يتجنّب المرء من اللباس ثياب الشهرة ؛ وهي الثياب التي يتميّز بها عن مجتمعه وعن مألوف بلاده من اللباس بحيث يكون مشتهراً بذلك مشاراً إليه فيها بالبنان بحيث يقال فلان الذي يلبس كذا وكذا , فيشتهر بنوع من اللباس يختص به ؛ فهذا مما حذّر منه نبيُّنا صلوات الله وسلامه عليه .

والواجب - عباد الله - على المرأة على وجه الخصوص أن تحذر أشدّ الحذر من كيد الأعداء ووساوس الشيطان في خطواتٍ لهم جريئة نحو تجريد المرأة من لباسها وتعريتها من حشمتها في ثياب كثيرة زُجَّ بها في أسواق المسلمين توريطاً للمرأة المسلمة وإيقاعا لها في حمأة الرذيلة . فلتتق الله المرأة المسلمة ولتراقب ربَّها جلّ وعلا في السّر والعلانية ولتعلم أن سترها ولباسها يُعدُّ حشمة لها , وصِمَام أمان لها يحفظها بإذن الله من الفتن وعاديات السوء .

والحديث - عباد الله - عن أنواع اللباس التي زُجّ بها لتوريط المرأة فيها كثيرة جداً , حتى إنه بات من المعضلات أن يجد أهلُ الفضل والخير لباساً محتشماً يشترونه لنسائهم وبناتهم .ألا - عباد الله - فلنتق الله جميعا - تجار وآباء ونساء وأولاد وبنات ورجال - لنتق الله عزّ وجل في باب اللباس ولنراقبه سبحانه في السر والعلانية والغيب والشهادة .

اللهم يا ذا الجلال والإكرام ألبس قلوبنا لباس التقوى وزيِّنا بالجمال الظاهر , ومنّ علينا جميعاً بالحشمة والوقار ، وجنِّبنا يا ذا الجلال والإكرام منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء إنك سميع الدعاء . أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

 

الخطبة الثانية :

الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .

أما بعد عباد الله : فإنّ أصدق الحديث كلام الله ، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار , وعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة

عباد الله : لنكن دائماً وأبداً على ذكرٍ من قول نبينا عليه الصلاة والسلام : ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ )) ، ولنجتهد - عباد الله - دوماً وأبداً في أن يكون تقرّبنا إلى الله وتعبُّدنا له جل وعلا بما شرع لنا من سديد الأقوال وصالح الأعمال , ولنتجنَّب محدثات الأمور ومخترعاتها ؛ فإن ذلك كله مما حذر منه النبي صلى الله عيه وسلم وأخبر أنه ضلالة وأن كل ضلالة في النار وأنه مردود على صاحبه وغير مقبول منه .

وفي هذا المقام أُذكِّر عباد الله بأنّ ليلة النّصف من شعبان - هذه الليلة -لم يرِد حديث صحيح عن نبينا صلوات الله وسلامه في فضل إحياءها أو تخصيصها باحتفال أو أعمال معينة تُخص بها تلك الليلة ، ولم يرد حديث صحيح عن نبينا عليه الصلاة والسلام في تخصيص يومها بصيام , ألا فلنتق الله وليكن تقربنا إلى الله بما شرع ، ولنكن على ذكرٍ من قول نبينا عليه الصلاة والسلام : ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ )) .

اللهم ارزقنا لزوم السنة واتّباع نبيِّنا عليه الصلاة والسلام وجنِّبنا المحدثات والمبتدعات يا ذا الجلال والإكرام . وصلُّوا وسلموا رعاكم الله على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ [الأحزاب:٥٦] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا)).

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد , وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد . وارضَ اللهمّ عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين .

اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، ودمر أعداء الدين . اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا , اللهم وفق ولي أمرنا لهداك واجعل عمله في رضاك , اللهم آت نفوسنا تقواها ، زكِّها أنت خير من زكاها , اللهم أصلح ذات بيننا وألِّف بين قلوبنا واهدنا سبل السلام وأخرجنا من الظلمات إلى النور ، وبارك لنا في أزواجنا وذرياتنا وأموالنا وأوقاتنا واجعلنا مباركين أينما كنا .

اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات . اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين واشف مرضانا ومرضى المسلمين , اللهم ارفع عنا الغلا والوبا والزلازل والمحن والفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلد المسلمين عامة يا ذا الجلال والإكرام . ربَّنا إنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين . ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

عباد الله : اذكروا الله يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ، ) وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ( .