تفريغ الخطبة
البيوع المحرمة
خطبة جمعة بمسجد القبلتين بتاريخ / 2-3-1430 هـ
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد عباد الله : اتقوا الله تعالى وراقبوه مراقبة من يعلم أن ربّه يسمعه ويراه .
عباد الله : إنّ الله جلّ وعلا أحل لعباده الكسب المباح وأباح لهم الرزق الحلال وجعل لهم في الأرض أبواباً للكسب عديدة وطرقاً لنيل الرزق كثيرة ، قال الله تعالى : {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً } [النبأ:11] ، وقال تعالى : { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } [الأعراف:10] ، وقال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ } [البقرة:198] ، وقال تعالى : { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ } [المزمل:20] ، وقال تعالى : { فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ } [الجمعة:10] ، وقال تعالى : { وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}[البقرة:275] والآيات في هذا المعنى كثيرة . ولكن - عباد الله - يجب على كل مسلم أن يأخذ المال بحقه وأن يصرفه في حله وأن يكون كسبه للمال من الطرق الشرعية والسبل المرضية ، وأن يحذر أشد الحذر من المكاسب الخبيثة والأرباح المحرمة .
يقول صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ يَأْخُذْ مَالاً بِحَقِّهِ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ ، وَمَنْ يَأْخُذْ مَالاً بِغَيْرِ حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِى يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ )) رواه مسلم . أي أنّ البركة تنزع من ماله وإن كثر وتعدد . وأيّ خيرٍ يُرجى من مال قد نُزعت منه بركته !!
وقال صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ مَنْ أَصَابَهُ بِحَقِّهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ، وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ فِيمَا شَاءَتْ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَيْسَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ النَّارُ )) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وقال صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِى حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ)) رواه البخاري ومسلم .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ – عز وجل - أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ : { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا } وَقَال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِىَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)) رواه مسلم .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ مَا يُبَالِي الرَّجُلُ مِنْ أَيْنَ أَصَابَ الْمَالَ مِنْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ )) رواه النسائي بسند صحيح.
وعن جابر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به )) رواه أحمد و الدرامي والبيهقي وغيرهم. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً.
عباد الله : ألا فليتق الله كلُّ مسلم في تجارته وماله وبيعه وشرائه وفي جميع أحواله ، وليحذر من كل بيع محرم ؛ فإنَّ البيوع المحرمة - عباد الله - مكاسبها نكدة خبيثة وعواقبها في الدنيا والآخرة سيئة مُرْدِية ، فهي منزوعةٌ بركتها ، رديئة في حقيقتها ، خبيثةٌ في مضمونها ، مهلِكة في عاقبتها وخاتمتها .
عباد الله : والبيوع المحرمة كثيرة يجب على كل مسلم أن يحترز منها وأن يحذر أشد الحذر من الوقوع في شيء منها ليسلم له ماله وليبارك له في رزقه .
عباد الله : وإنّ من أخطر ما يكون على المجتمعات المسلمة في هذه الأزمان الأطباق الهوائية لما تحمله في عدد من قنواتها من الضلال والإلحاد والعهر و الفساد مما يخلخل ديانة مشاهديها ويُذهب غيرته ويُفسد خلقه وأدبه ويوقعه في حمأة الرذيلة والفساد .
أيُّها المؤمنون عباد الله : إن الواجب علينا جميعا أن نراقب الله جل وعلا في جميع شؤوننا ؛ في عباداتنا ومعاملاتنا وبيعنا وشرائنا وجميع أحوالنا . وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((إِنَّ اللَّهَ – تعالى - يَغَارُ ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّه)) ، وهو جلّ وعلا إنما حرَّم على عباده ما فيه شرٌّ لهم في دينهم ودنياهم وحاضرهم ومستقبلهم ، وهو سبحانه العليم بخلقه الحكيم في تدبيره فبيَّن سبحانه لعباده ما أحلّ لهم وحدّ حدوده ومنعهم من تعدِّيها ، وبيَّن لهم ما حرم عليهم وحدّ حدوده ومنع من قربانها ؛ فقال في الحلال : { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [البقرة:229] ، وقال في الحرام : { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [البقرة:187] .
نسأل الله الكريم أن يبصّرنا جميعاً بحدود دينه ، وأن يفقِّهنا في شرعه وتنزيله ، وأن يمنّ علينا بالرّزق الطيّب الحلال، اللهم بارك لنا في أعمارنا وأموالنا وذرياتنا واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية :
الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد عباد الله : اتقوا الله تعالى.
عباد الله : لقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله وسلم عليه أنه قال : ((لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أربع )) وذكر منها: (( وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ)) ؛ عباد الله : فمن علِم أنه مسئول يوم القيامة عن ماله كسباً وإنفاقاً فليعِدَّ للسؤال جوابا وللجواب صوابا ، والكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني . وصلوا وسلموا - رعاكم الله - على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ [الأحزاب:٥٦] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا)).
اللّهم صلِّ على محمّد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، وبارك على محمّد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد . وارضَ اللهمّ عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين أبي بكر و عمر وعثمان وعلي ، وارض اللهم عن الصّحابة أجمعين ، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين .
اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين وأذلّ الشرك والمشركين ، اللهم وآمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، اللهم وفق ولي أمرنا لهداك واجعل عمله في رضاك .
اللهم آت نفوسنا تقواها ، زكِّها أنت خير من زكّاها أنت وليها ومولاها ، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات . اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا . ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله : اذكروا الله يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ، ) وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ( .