خطبة عن انفلونزا الخنازير الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

عن انفلونزا الخنازير
الجمعة 18 ذي القعدة 1430 هـ   الموافق لـ : 6 نوفمبر 2009 م

تفريغ الخطبة

عن انفلونزا الخنازير

خطبة جمعة بتاريخ / 18-11-1430 هـ

 

إنَّ الحمدَ لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونتوب إليه ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا وسيّئاتِ أعمالنا ، من يهدهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ، ومن يُضْلِلْ فلا هادي له ، وأشهدُ أن لا إلـٰه إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه بلَّغ الرِّسالة وأَدّى الأمانة ونَصَحَ الأمَّة وجاهدَ في الله حقَّ جهاده حتّى أتاه اليقين ، فما ترك خيرًا إلَّا دلّ الأمَّةَ عليه ولا شرًّا إلَّا حذَّرَها منه ؛ فصلواتُ الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .

أمّا بعْدُ عبادَ الله : اتَّقوا الله تعالى وراقبوه في السِّرِّ والعلانية والغيْب والشَّهادة مراقبةَ من يعلم أنّ ربّه يسمعه ويراه ، وتقوى الله جلّ وعلا : عملٌ بطاعة الله على نورٍ من الله رجاءَ ثوابِ الله، وتركٌ لمعصيةِ الله على نورٍ من الله خِيفَةَ عذابِ الله.

عبادَ الله معاشرَ المؤمنين : يتردَّد في مجالس النّاس كثيرًا حديثٌ عن مرض يتخوَّف منه النّاس ويتخوّفون من انتشاره ومنَ الإصابة به ، وحديث النّاس عن هـٰذا المرض في أوساطهم ومجالسهم هو حديث بين حديث رجلٍ مُتَنَدِّرٍ مازح  أو شخصٍ مبيِّنٍ ناصح أو غير ذلك من الأغراض والأحاديث التي تُدار حول هذا المرض . والواجب على المسلم  -عباد الله- في كلِّ حالٍ ووقت ومع كل نازلة أن يعتصم بالله جلّ وعلا وأن يكون انطلاقه في الحديث عنها أو مداواتها أو معاجلتها منطلقًا من أسسٍ شرعيَّة وأصولٍ مرعيّة وخوفٍ من الله جلّ وعلا ومراقبةٍ له.

ولهـٰذا فهـٰذه وقفة - عبادَ الله - بل خمسُ وقفات حول هـٰذا الموضوع الذي يشكِّلُ في حياة النَّاس في هـٰذه الأيَّام أهمِّيةً بالغةً وخطورةً عظيمةً .

mالوَقْفَةُ الأُولَى عبادَ الله :

الواجب على كلٍّ مسلمٍ أن يكون في أحواله معْتصمًا بربِّه جلّ وعلا متوكِّلاً عليه معتقدًا أنّ الأمور كلّها بيده ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:11] ، فالأمور كلُّها بيد الله وطوْع تدبيره وتسخيره ؛ فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا عاصم إلَّا الله ﴿ قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ﴾ [الأحزاب:17] ، ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر:38]، ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر:02] .

وفي الحديث (( وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ )) ، وفي الحديث ((كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلاَئِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)) ، وفي الحديث ((إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ. قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَة)) .

فالواجب - عباد َالله - على كلّ مسلم أن يعلِّق قلبَه بالله راجيًا طامعًا معتمدًا متوكِّلاً ، لا يرجو عافيته وشفاءه وسلامتَه إلَّا من ربِّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فلا تزيدُه الأحداثُ ولا يزيدُه حلول المصاب إلا التجاءً واعتصامًا بالله ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ [الأعراف:101].

 

m الوَقْفَة الثَّانِيَة عبادَ الله :

إنّ الواجب على كلِّ مسلم أن يحفظ اللهَ -جلّ وعلا- بحفْظِ طاعته امتثالاً للأوامر واجتنابًا للنواهي، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وصيّته لابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُما : ((احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ)) ؛ فالمحافظة -عباد الله- على أوامر الله امتثالًا للمأمور وتركًا للمحظور سببٌ لوقاية العبْد وسلامته وحفْظِ الله جلّ وعلا له في دنياه وأخراه ، فإن أُصيب بمصيبة أو نزلت به ضرّاء فلن تكون إلاَّ رفعة له عند الله ، وفي هـٰذا يقول نبيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : ((عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ )) ؛ فالمؤمن - عباد الله- في سرّائه وضرّائه وشدّته ورخائه من خيرٍ وإلى خيرٍ، وذلك كما قال نبيّنا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : ((وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ)).

حفظ الطّاعات والأوامر سبب للسّلامة ، والوقوع في المعاصي والآثام سبب للهلاك والعطب ، قال جل وعلا: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:25]، وقال جلّ وعلا: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ [العنكبوت:40] ، وفي الحديث يقول نبيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا)) .

 

m الوَقْفَة الثَّالِثَة عبادَ الله :

إنّ شريعة الإسلام جاءت ببذْل الأسباب والدّعوة إلى التّداوي ، وأنّ التَّداوي والاستشفاء لا يتنافى مع التّوكّل على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .

والتّداوي -عباد الله- الذي جاءت به شريعة الإسلام يتناول نوعي الطّب : الطّبّ الوِقَائي الذي يكون قبل نزول المرض ، والطّبّ العِلاجي الذي يكون بعد نزوله ؛ وبكلِّ ذلكم جاءت الشَّريعة. وجاء فيها أصول العلاج والشِّفاء وأصول التّداوي مما يحقِّق للمسلم سلامةً وعافيةً في دنياه وأخراه ، ومن يقرأ كتاب "الطِّبّ النّبوي" للعلاّمة ابن القيم رحمه الله يجد في هـٰذا الباب عجبًا ممّا جاءت به شريعةُ الإسلام وصحّ عن الرّسول الكريم عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.

عبادَ الله : في مجال الطِّبّ الوقائي يقول نبيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : ((مَنِ اصْطَبَحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ )) ، وجاء عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في حديث عثمان بن عفَّان رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (( مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِى صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ : بِسْمِ اللَّهِ الَّذِى لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَىْءٌ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ـ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ـ فَيَضُرُّهُ شَىْءٌ)) .

وجاء عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّه قال: (( مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِى لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ )) أي من كلِّ آفةٍ وسوءٍ وشرٍّ .

وجاء في حديث عبد الله بن خُبَيْب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ  قال: خَرَجْنَا فِى لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّى لَنَا - قَالَ - فَأَدْرَكْتُهُ فَقَالَ « قُلْ ». فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ « قُلْ ». فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا. قَالَ « قُلْ ». قُلْتُ مَا أَقُولُ قَالَ « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِى وَتُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ)) .

وجاء عنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كما في حديث عبد الله بن عمر أنّه كان لا يدع هـٰؤلاء الدّعوات حين يصبح وحين يمسي: (( اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِى دِينِى وَدُنْيَاىَ وَأَهْلِى وَمَالِى ، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِى، وَآمِنْ رَوْعَاتِى ، اللَّهُمَّ احْفَظْنِى مِنْ بَيْنِ يَدَىَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي )) ؛ وفي هـٰذه الدّعوة -معاشرَ المؤمنين- تحصينٌ تامّ وحِفْظٌ كامل للعبد من جميع جهاته .

عباد الله : وفي مجال الطبِّ العِلاجيِّ جاء عنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ إرْشادات عظيمة وتوجيهات كريمة وأَشْفِيَة متنوّعة جاءت مبيَّنةً في سنّته عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ يطول المقامُ بذكرها أو الإشارة إليها.

 

m الوَقْفَة الرَّابِعَة عبادَ الله في هذا الباب العظيم :

أنَّ الواجب على كلِّ مسلم أنْ لا ينساق مع إشاعات كاذبة ؛ لأنّ بعض النّاس في مثل هـٰذا المقام ربّما يروِّج أمورًا أو يذكُر أشياءَ لا صِحَّةَ لهَا ولا حقيقة فيرُوج بين النّاس رعبٌ وخوفٌ وهَلَعٌ لا أساسَ له ولا مسوِّغ لوجوده . فلا ينبغي لمسلمٍ أن يَنِسَاقَ مع شائعاتٍ ونحو ذلك فيُخلّ انسياقُه وراءَها بتمام إيمانه وكمال يقينه وحُسْن توكِّله على ربِّه جل وعلا .

عبادَ الله : وفيما يتعلّق بأداء فريضة الحجّ فينبغي للمسلم الذي لم يؤدِّ هـٰذه الفريضة أن يبادر إليها ، ولا يَمْنعه من ذلك تخوُّفٌ ليس في بابه وجَزَعٌ ليس في مكانه . ومن النّاس من يخطئ خطأً فادحًا فينزِّل في هـٰذا الباب أحاديثَ ليست في بابها، كقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا ، وَإِذَا وَقَعَ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا)) .

وهـٰذا المرَضُ يوجَدُ في مناطقَ متنوِّعة في حالاتٍ قليلة فلا ينبغي لمسلمٍ أن يتخوّف أو يتوجَّس، وإنَّما يبادرُ إلى أداء طاعة الله والمحافظة على عبادته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ؛ بل إنني أقول - عبادَ الله - على من لم يحجّ أن يسارع إلى الحج ففي الحج فوائد عظيمة ومنها الوقاية من الأمراض والأسقام ؛ أليس في الحج مواقف عظيمة للدّعاء تُستجاب فيها الدّعوات ولا يردّ فيها جلَّ وعلا دعاء من ناداه !! فعلى المسلم أن يبادرَ وأن يُقبل على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى داعيًا راجيًا طامعًا في فضله ونَوَاله سُبحانه .

أقول هـٰذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنّه هو الغفور الرَّحيم.

 

الخطبة الثانية :

الحمْدُ لله عظيم الإحسان ، واسعِ الفضل والجُودِ والامتنان ، وأشهدُ أن لا إلـٰه إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهدُ أنّ محمدًا عبده ورسوله ؛ صَلَّى اللهُ وسلَّمَ عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه أجمعين . أمَّا بعد عبادَ الله : اتّقوا الله تعالى.

m عبادَ الله : الوَقْفَة الخَامِسَة

أنَّ المصائب التي تُصيب المسلمَ سواءً في صحّته أو في أهله وولده أو في ماله وتجارته أو نحو ذلك إذا كان يتلقَّاها بالصَّبْر والاحتساب فإنها تكون له رِفْعَة عند الله جلّ وعلا ، قال الله تعالى : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156) أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة:155-157] ، فالمصائب    - عباد الله - في حق المؤمن كفّارة ورِفْعَة ، ولهـٰذا من أُصيب بشيء من المرض أو أُصيب بشيء من الجوائح أو نقص المال أو نحو ذلك فعليه أن يحتسب ذلك عند الله وأن يتلقّى ذلك بالصّبر والرِّضا ليفوز بثواب الصّابرين .

 والكيِّسُ – عباد الله - من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأمانيّ.

واعلمُوا أنّ أصدق الحديث كلَام الله ، وخيْرَ الهُدى هُدى محمّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وشرّ الأمور محدثاتها ، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة ، وكلّ ضلالة في النّار. وعليكم بالجمـاعة فإنّ يد الله عـلى الجماعة .

وصـلّوا وسلّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله كما أمركم الله في كتابه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ [الأحزاب:٥٦] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا)).

اللَّهم صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد ، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد . وارْضَ اللَّهم عن الخُلفاء الراشدين أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي ، وارضَ اللَّهم عن الصَّحابة أجمعين ، وعن التَّابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين ، وعنّا معهم بمنّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللَّهمّ أعزّ الإسلام والمسلمين ، وأذلّ الشِّرك والمشْرِكِينَ ودمِّر أعداء الدّين . اللَّهم وفِّق وليّ أمرنا لهُداك، وأعِنْه على طاعتك يا ذا الجلال والإكرام .

اللَّهم آتِ نفوسَنَا تقْوَاها ، زكِّها أنت خير من زكّاها ، أنت وليّها ومولاها . اللَّهم إنّا نسألك الهُدى والتُّقى والعفة والغنى . اللَّهم ارْفع عنّا الغلا والوبا والمحن كلها والفتن ما ظهر منها وما بطن . اللَّهم أصلح لنا شأننا كلّه ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين .

اللَّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات . اللَّهم إنّا نسألك بأنّك أنت الله الذي لَا إلـٰه إلا أنت يا منّان يا بديع السّمٰوات والأرض يا ذا الجَلال والإكْرام يا حيّ يا قيّوم أن تُسْقِيَنَا الغيْثَ ولا تجعلنا من القانطين ، اللَّهم أغثنا ، اللَّهم أغثنا ، اللَّهم أغثنا ، اللَّهم إنا خلْقٌ من خلقك وعبادٌ من عبادك فلا تمنع عنّا بذنوبنا فضلك ، اللَّهم لا تؤاخذنا بما فعله السّفهاء منّا ، اللَّهم أغثنا غيثاً مغيثا، هنيئًا مريئًا، سحًّا طبقا ، نافعًا غير ضار ، عاجلاً غير آجل ، اللَّهم أغث قلوبنا بالإيمان وديارنا بالمطر ، اللَّهم أغثنا ، اللَّهم أغثنا ، اللَّهم أغثنا . وآخرُ دعْوانا أنِ الحمْدُ لله ربِّ العَالمين .