تفريغ الخطبة
خطبة الاستسقاء بتاريخ 29/8/1423 هـ
الحمد لله العزيز الغفار ، يبسط يده بالنهار ليتوب مسيءُ الليل ويبسطُ يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار ، خير من دعا الله وخير من أمر بالاستغفار ؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الأخيار ، ومن اتبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار .
أما بعد أيها المؤمنون عباد الله : أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى ، اتقوا الله جل وعلا وراقبوه وتعرَّفوا إليه سبحانه وتعالى في الشّدة والرّخاء وفي السراء والضراء ، واعلموا رحمكم الله أنكم محتاجون إلى الله جلّ وعلا من كل وجه ، لا غنى لكم عنه سبحانه طرفة عين يقول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴾ [فاطر:15-17]
عبادَ الله : إن حاجة الناس إلى الله وافتقارَهم إليه واضطرارهم إليه سبحانه هو في كل أحوالهم وجميع شؤونهم لا غنى لهم عن ربهم ومولاهم ، أمَّا الله جل وعلا فهو الغني الحميد ، لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين ، ولا ينفعه استغفار من استغفر ولا شُكْرُ من شَكَر ، ولا يضره إعراض من أعرض ولا كفر من كفر ؛ فهو الغني الحميد سبحانه ، فتذلَّلوا إلى الله وأظهِروا فقركم إليه سبحانه واعرضوا عليه فاقتكم وألِحُّوا عليه بالدعاء والسؤال ؛ فإن الخلق كلَّهم لا غنى لهم عن الله جلَّ وعلا.
عبادَ الله : إنكم لتعلمون ما يحصل من الضرر بتأخر الأمطار وقِلَّةِ نزولها وما يترتَّب على ذلك من نقصٍ في الثِّمار والزّروع والماشية فإن الماء هو مادة حياتها كما قال الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ [الأنبياء:30] ، فالمخلوقات بحاجةٍ إلى الماء وبحاجةٍ إلى المطر وضرورتها إلى المطر ونزول الغيث أعظم الضرورة وأشد الحاجة.
عباد الله : وقد ندب الله عز وجل عباده إذا قلَّتْ فيهم الأمطار وحصل عندهم الجدب والقحط أن يفزعوا إلى الله جل وعلا بالصلاة والصّدقة والنّدم والتوبة والاستغفار ، وأخبر جل وعلا أن خزائنه ملأى لا يغيضُها نفقة فهو سبحانه بيده أزِمَّة الأمور لا مُعقِّب لحكمه ولا راد لقضائه : ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [فاطر:2] .
وقد بيَّن الله جل وعلا في كتابه العزيز عظم شأن الاستغفار والتوبة إلى الله وأنه سببٌ لنـزول الخيرات وتوالي البركات ونزول العطايا والهبات من الله تبارك وتعالى ، قال جل وعلا عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٠-١٢]
عباد الله : إن شأن الاستغفار عظيمٌ ، وبركاته على الخلق لا تعد ولا تحصى ، خرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالناس للاستسقاء فلم يزد في استسقائه على الاستغفار ؛ فقيل له في ذلك ؟ قال : " لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يُستنزَل بها المطر " ، وجاء رجلٌ إلى الحسن البصري رحمه الله يشكو إليه الفقر فقال استغفر الله ، وجاءه آخر يشكو إليه جفاف بستانه فقال له استغفر الله ، وجاءه ثالثٌ يشكو إليه عدم الإنجاب فقال له استغفر الله ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : " لم أزد على ما جاء في كتاب الله ، ثم تلا قول الله جل وعلا: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٠-١٢] " .
عباد الله : إن احتباس المطر وقلّة الماء وقلّة نزول الغيث وغير ذلك مما قد يَحِلُّ بالناس من مصائب ومؤلمات ؛ سبب ذلك هو الذنوب والمعاصي و ((كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ )) ؛ فلنتذلَّل بين يد الله جل وعلا ولنلازم التوبة والاستغفار والندم على التفريط والتقصير ، ولنكثِر من الاستغفار فإنه سببٌ لنـزول الخيرات وتوالي البركات وتعدد الهبات .
اللهم اغفر لنا ذنوبنا يا حي يا قيوم . اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت . اللهم اغفر لنا ذنبنا كلَّه دِقَّه وجِلَّه أوله وآخر سرّه وعلنه . اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات . ربنا إنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين .
اللهم اغفر لنا يا حيُّ يا قيوم . اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا ، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا فأرسل السماء علينا مدرارًا ، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدراراً . اللهم اسقنا وأغثنا ، اللهم اسقنا وأغثنا ، اللهم اسقنا وأغثنا . اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى ونسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت يا من وسعت كلَّ شيء رحمةً وعلما ، يا من يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ، يا مغيث الملهوفين ويا جابر الكسير ويا من بيده أزمة الأمور ، اللهم اسقنا وأغثنا ، اللهم اسقنا وأغثنا ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، اللهم زدنا ولا تنقصنا ، اللهم آثرنا ولا تؤثر علينا ، اللهم إنا نسألك غيثاً مغيثا هنيئًا مريئًا سحّاً طبقا نافعاً غير ضار عاجلاً غير آجل ، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان وديارنا بالمطر .
اللهم رحمتك نرجو فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ، اللهم لا تكلنا إلا إليك ، اللهم لا تكلنا إلا إليك ، اللهم لا تكلنا إلا إليك ، اللهم اسقنا وأغثنا ، اللهم اسقنا وأغثنا ، اللهم اسقنا وأغثنا . ربنا لا تؤاخذنا بما فعله السفهاء منا ، ربنا لا تؤاخذنا بما فعله السفهاء منا ، اللهم أغثنا اللهم أغثنا ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من اليائسين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين . اللهم انشر رحمتك في البلاد والعباد يا رب العالمين . اللهم اسقنا وأغثنا ، اللهم اسقنا ، وأغثنا اللهم اسقنا وأغثنا .
عبادَ الله : اقتدوا بنبيكم صلى الله عليه وسلم بقلْب الرداء تفاؤلاً بتغيِّر الأحوال . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.