تفريغ الخطبة
خطبة الخسوف
بتاريخ / 14-7-1432 هـ
الحمد لله حمد الشاكرين ، وأثني عليه ثناء الذاكرين ، أحمده تبارك وتعالى بمحامده كلها التي هو لها أهل , وأثني عليه الخير كله لا أحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه ، أحمد تبارك وتعالى على نعمه العظام وعطاياه الجِزال ومِنَنه التي لا تعد ولا تحصى ، أحمده تبارك وتعالى على كل نعمةٍ أنعم علينا بها في قديمٍ أو حديث أو سرٍّ أو علانية أو خاصةٍ أو عامة ، أحمده جل وعلا على القرآن وعلى الإسلام وعلى الإيمان وعلى المعافاة وعلى الأهل والولد حمدا ًكثيراً طيباً مباركاً فيه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ؛ صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد أيها المؤمنون : اتقوا الله تعالى ؛ فإن تقوى الله عز وجل فلاح للعبد وسعادة في دنياه وأخراه ، وهي خير زاد يبلِّغ إلى رضوان الله جل وعلا كما قال الله تعالى : ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:197] .
أيها المؤمنون : الشمس والقمر آيتان عظيمتان من آيات الله تبارك وتعالى الدالة على كمال اقتداره وعظمة تدبيره جل وعلا ، وأن جميع هذا الكون بما فيه من آياتٍ عظام وأمورٍ مشاهدةٍ جسام كلها حركاتها وسكناتها طوع تدبير الله عز وجل وتقديره ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:38] .
أيها المؤمنون : إن الشمس كسفت مرةً واحدة في زمن نبينا عليه الصلاة والسلام ، وكان من اعتقاد الناس في الجاهلية أن كسوف الشمس أو القمر إنما يكون لولادة عظيم أو موت عظيم ، ووافق أن كسوف الشمس الذي كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام تزامن مع موت ابنه إبراهيم ؛ فبعض الناس ربط بين هذا وهذا ، فلما كسفت خرج النبي صلى الله عليه وسلم فزِعاً يجر رداءه - عليه إزار ويجر رداءه عليه الصلاة والسلام - متوجهاً إلى المسجد ، لأن الكسوف آية مخيفة ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:59] ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ)). فالكسوف آية ؛ إذا رأيتَ هذا القمر في هذه الليلة - ليلة الرابع عشر - وقد انطمس ضوؤه ولا يُرى ذلك الضياء الذي يشاهد في مثل هذا الوقت من كل شهر فإن نظرك هذا يهديك إلى أن هذا المخلوق العظيم والآية العظيمة دالة على عظمة الخالق ووحدانيته ؛ فالشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:37] ، فالعبادة حقٌّ لخالق هذه الآيات وموجد هذه المخلوقات ومصرِّف هذه الكائنات الذي بيده أزمَّة الأمور ومقاليد السماوات والأرض ؛ بيده الخفض والرفع والعطاء والمنع والقبض والبسط ، بيده جل وعلا كل شيء .
لما صلى بهم - عليه الصلاة والسلام - صلاة الكسوف رأو منه عليه الصلاة والسلام في صلاته أمراً عجباً لم يعهدوه منه في صلواته - صلوات الله وسلامه عليه - ؛ رأوه وهو يصلي يتقدم إلى الأمام كأنه يريد أن يأخذ شيئا ، ثم رأوه بعد قليل يرجع إلى الوراء كأنه خائف من شيء ، وسألوه عليه الصلاة والسلام فقال : (( رأيتُ الجنة والنار)) سبحان الله !! قال (( رأيت الجنة والنار )) والصحابة خلفه صفوف ما رأوا شيئا !! ورأى عليه الصلاة والسلام وهو يصلي الجنة والنار أمامه ، رآهما بعينه صلوات الله وسلامه عليه وتقدم ومدَّ يده أراد أن يقطِف عنقوداً من عناقيد عنب الجنة ، قال عليه الصلاة والسلام (( وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا )) ؛ وهذا يدلنا على عظم نعيم الجنة وأنه ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء كما قال ذلكم ابن عباس رضي الله عنهما .
ولما تأخر كان عليه الصلاة والسلام رأى النار ، وذكر صلى الله عليه وسلم أشياء رآها في النار إنذاراً للعباد وموعظةً وتذكيرا ، فكانت خطبته صلى الله عليه وسلم خطبةً تأخذ بمجامع القلوب لما فيها من عظيم التذكير وعظيم التخويف وذِكر ما رآه وشاهده صلوات الله وسلامه عليه ، وحث الناس في خطبته صلى الله عليه وسلم على الإكثار من ذكر الله والدعاء وعلى الصدقة وعلى الصلاة وحثهم على الأعمال الصالحات ، وفي الوقت نفسه حذَّر عليه الصلاة والسلام ؛ كان تحذيره من الكبائر والذنوب تحذيراً بذكرِ أشخاصٍ رآهم عليه الصلاة والسلام بعينه في النار بسبب ذنوبٍ اقترفوها وجرائم ارتكبوها ، ذكر أنه رآهم عليه الصلاة والسلام وهم في النار . وتتلخص الذنوب التي شاهد عليه الصلاة والسلام من أصحابها في النار من يُعذَّبون بسببها تتلخص في عدة أمور:
الأول : وهو أخطرها وأعظمها الشرك بالله عز وجل ؛ فهو الذنب الذي لا يُغفر والجرم الذي إذا مات عليه صاحبه ليس له من رحمة الله عز وجل حظ ولا نصيب وليس له فيها مطمع ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:48] .
وقد ذكر عليه الصلاة والسلام أنه رأى في النار - وهو يصلي صلاة الكسوف - رأى عمرو بن لحيّ الذي سيَّب السوائب ؛ والسوائب : إبل تُترك ولا يمسها أحد تُجعل قرباناً للأصنام التي كانوا يعبدونها ويتقربون إليها ، وكان عمرو بن لحي هو أول من جلب الأصنام وجاء بها إلى جزيرة العرب فكان سبباً في وجود الشرك وانتشاره ، فذكر عليه الصلاة والسلام أنه رآه يجر قصَبَه في النار ؛
أي مصارينه وأمعاءه في نار جهنم .
وقال عليه الصلاة والسلام في خطبته محذِّرا من ذنب آخر ؛ قال ((يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا )) ؛ فحذر عليه الصلاة والسلام من جريمة الزنا ، وهي جريمة شنيعة وذنب فظيع يترتب عليه من الأضرار والمفاسد ما لا حد له ولا عد ، وأخبر ؤ أن الله جل وعلا يغار أن يزني عبده أو أن تزني أمته ، محذِّرا عليه الصلاة والسلام من هذه الجريمة التي نهى الله جل وعلا عباده من قربانها ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:32] .
وذكر عليه الصلاة والسلام أنه رأى في النار امرأة من بني إسرائيل دخلت النار في هرة - في قطة - حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ، فرآها عليه الصلاة والسلام تعذَّب في النار بسبب هرة حبستها إلى أن ماتت ، وإذا كان إزهاق هرةٍ أو حيوان من هذه الحيوانات التي لا يُلقي كثير من الناس لها بال إيذاءً وعدواناً وبغياً يترتب عليه هذه العقوبة فكيف بمن يتجرأون على أرواح المسلمين ونفوس عباد الله المؤمنين ؛ يقتلونهم قتلاً لا تُقتَله حتى الحشرات !! ومن ذلك أشياء نراها فظيعة في زماننا هذا ، نسأل الله عز وجل أن يحقن دماء المسلمين وأن يحفظهم في كل مكان .
[ وقال عليه الصلاة والسلام محذرا من السرقة : ((رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِى النَّارِ كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِى، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ)) ] .
وقال عليه الصلاة والسلام في خطبته تلك أنه رأى أكثر أهل النار النساء ((رَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِكُفْرِهِنَّ قِيلَ يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ قَالَ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ )) ، وهذا من الذنوب التي قد تستهين بها كثير من النساء وتتهاون بأمرها ، وقد رأى النبي عليه الصلاة والسلام أكثر أهل النار النساء وذكر من سبب ذلك هذا الأمر الذي ذكره صلوات الله وسلامه وبركاته عليه .
أيها الإخوة الأفاضل عباد الله : إن هذه فرصةٌ ثمينةٌ لنا ونحن نشاهد هذه الآية العظيمة لنقبِل على الله تبارك وتعالى تائبين ، ولنرجع إليه جل وعلا منيبين ، ولنحاسب أنفسنا قبل أن يحاسبنا الله جل وعلا يوم القيامة ، ولنتفقد أحوالنا وأمورنا وشئوننا وأعمالنا ؛ فهاهو نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا الحدث العظيم وعظ هذه الموعظة التي سمعنا الآن طرفاً منها وشيئاً من كلام الناصح الأمين صلوات الله وسلامه عليه ، فهي فرصة - عباد الله - ثمينة لمحاسبة النفس ووزن الأعمال ، فإن الكيس من عباد الله من دان نفسه أي حاسبها وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، والله تعالى يقول : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:53] .
أسأل الله الكريم رب العرش العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يغفر لنا جميعاً ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا . اللهم اغفر لنا ذنبنا كله دقه وجله أوله وآخره سره وعلنه ، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات . اللهم اجعلنا ممن يتعظ ويعتبر بآياتك ولا تجعلنا من الغافلين يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام . اللهم وأصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير ، والموت راحةً لنا من كل شر . اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك ، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا . اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا .
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك . اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .