تفريغ الخطبة
خطبة الخسوف
بتاريخ / 15-1-1433 هـ
الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ؛ صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين .
أما بعد أيها المؤمنون عباد الله : ها نحن هذه الليلة رأينا آيةً عظيمة من آيات الله الكبار الدالة على كمال اقتداره وكمال تدبيره وكمال عظمته وأنَّ هذا الكون طوع تسخير مدبِّره جل وعلا ، فالله عزَّ وجل يقضي ما يشاء ويحكم ما يريد ، لا رادَّ لحكمه ولا معقِّب لقضائه ؛ وفي هذه الآية أيها المؤمنون عبرةٌ للمعتبرين وعظةٌ للمتَّعظين ولاسيما من يتيقَّظ قلبه ويتنبَّه فؤاده ويحرص على الانتفاع بآيات الله تبارك وتعالى ، بخلاف سبيل المعرضين .
أيها المؤمنون : إن هذه الآية العظيمة هي من جملة آيات الله عزَّ وجل التي يخوِّف بها عباده كما قال الله تعالى : ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:59] ، ولهذا ثبت في الصحيحين عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ)) وقال: ((فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا)) ؛ فحث عليه الصلاة والسلام عند رؤية الآيات العظام أن يكثر الإنسان من الذكر والتكبير والدعاء والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى والصلاة والصدقة، وهانحن أيها المؤمنون قد أكرمنا الله عز وجل بهذه الصلاة وبهذه العبادة التي نسأل الله عز وجل أن يتقبَّلها منَّا أجمعين وأن يجعلها لنا ذخراً وباباً للإقبال على الله سبحانه وتعالى والإنابة إليه ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة .
أيها المؤمنون عباد الله : إن الشمس لم تكسِف في حياة النبي عليه الصلاة والسلام إلا مرةً واحدة ، لكن ما حدث في ذلك اليوم أمره عجب وأمره عظيم ؛ فلنتأمَّله أيها الإخوة الكرام .
صلى النبي عليه الصلاة والسلام بالناس جماعةً في المسجد بركعتين كل ركعة فيها ركوعان أطال فيها صلوات الله وسلامه عليه القراءة ، ثم خطب الناس خطبة أثنى فيها على الله جل وعلا ومجَّده سبحانه وأثنى عليه بما هو أهل ، ثم بيَّن عليه الصلاة والسلام أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته وإنما هو أمرٌ أو آية يخوِّف الله سبحانه وتعالى بها عباده ، ثم حثهم على الإكثار من الدعاء والذكر والتكبير والصدقة والإقبال على الله سبحانه وتعالى .
ثم إن الصحابة رضي الله عنهم رأوا النبي عليه الصلاة والسلام وهو يصلي يفعل شيئاً ما عهدوه منه صلى الله عليه وسلم في صلواته؛ فرأوه وهو يصلي بهم صلاة الكسوف تقدَّم إلى الأمام إلى جهة القبلة ومدَّ يده صلوات الله وسلامه عليه كأنه يريد أن يأخذ شيئاً - في أثناء الصلاة تقدَّم - الصحابة رضي الله عنهم يرونه ولا يرون شيئا أمامه وإنما رأوا النبي عليه الصلاة والسلام - والحديث في الصحيحين - يتقدَّم صلى الله عليه وسلم مادًّا يده كأنه يريد أن يأخذ شيئا ، ثم بعد ذلك رأوه عليه الصلاة والسلام تكعكع - رجع إلى الوراء - كالخائف من شيء صلوات الله وسلامه عليه فسألوه عن ذلك ؛ فقال عليه الصلاة والسلام : ((رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ)) رآهما عياناً حقيقةً بعينيه صلوات الله وسلامه عليه ، أولاً رأى الجنة ثم رأى النار ، وخلفه تلك الصفوف من الصحب الكرام ما رأوا شيئا !! وهذا أيضاً من الدلائل العظيمة على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى .
النبي عليه الصلاة والسلام يرى الجنة حقيقةً ويتقدَّم وقال : ((مَدَدْتُ يَدِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ)) وفي رواية ((وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأكلتم مِنْهُ مَا بقيت الدُّنْيَا )) ؛ وهذا مما يدل أن نعيم الجنة نسأل الله الكريم لنا أجمعين من فضله لا يقارن بنعيم الدنيا ((فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ)) ، عنقودٌ واحد من عناقيد الجنة لو قطفه النبي صلى الله عليه وسلم في مقامه ذلك لأكل منه الناس ما بقيت الدنيا !! الله أكبر ، ولهذا يقول ابن عباس رضي الله عنهما : " ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء " عنب ، رمان ، أنهار ، أشجار ، إلى غير ذلك من النعيم أسماء ، أما الحقائق فالشيء الذي في الجنة أمرٌ آخر { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [السجدة:17] ، ولهذا عليه الصلاة والسلام رغَّب في خطبته في صلاة الكسوف في الصلاة ، في الدعاء ، في الذكر ، في العبادة ، في الصدقة ، في الالتجاء إلى الله بالأعمال التي تقرِّب من الجنة .
ثم إنه عليه الصلاة والسلام أيضاً أخبرهم أنه رأى النار رآها بعينه ولهذا تكعكع رجع إلى الوراء صلوات الله وسلامه عليه ، وجاء في بعض الروايات قال عليه الصلاة والسلام (( مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا )) فرجع إلى الوراء صلوات الله وسلامه عليه ، رأى النار بعينه .
ثم يا إخوان ؛ أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأشياء رآها في النار وكانت خطبته بعد صلاة الكسوف خطبة ًكما أنها اشتملت الحث على الفضائل والأعمال والخيرات أيضاً اشتملت في الوقت نفسه على التحذير من الآثام والتحذير من الذنوب وبيان عقوبتها ، لكن كانت الطريقة التي اشتملت عليها خطبة الكسوف في زمانه عليه الصلاة والسلام في التحذير من الآثام ولاسيما كبائر الآثام طريقة متميزة عن غيرها من خطب النبي عليه الصلاة والسلام ؛ من جهة ماذا ؟ من جهة أنه عليه الصلاة والسلام خوَّفهم من الكبائر بأن ذكَر لهم عليه الصلاة والسلام أنه رأى في النار أصحاب ذنوب ورآهم يعذَّبون بتلك الذنوب ، وتحديداً ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في خطبته أكبر الكبائر ، وكل كبيرة ذكر لها مثالاً من أشخاص رآهم في النار يعذبون بها ، ذكر أكبر الكبائر وهي : الشرك وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق والزنا والسرقة ؛ هذه الذنوب الكبار ، وكان عليه الصلاة والسلام يجمع هذه الذنوب الكبار في غير ما موضع من أحاديثه منها : قوله في خطبته عليه الصلاة والسلام يوم النحر في حجة الوداع: ((أَلَا إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ : أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَلَا تَزْنُوا ، وَلَا تَسْرِقُوا)) هذه الكبائر الكبار حذَّر منها عليه الصلاة والسلام في خطبة الكسوف كما قدَّمت بطريقة تميزت بأنه يذكر أشخاصاً فعلوا تلك الكبائر فرآهم يعذبون بها .
v أما الشرك فيقول عليه الصلاة والسلام ((رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرِ بْنِ لُحَيٍّ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ – أي أمعاء بطنه - فِي النَّارِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ )) ؛ السوائب هي الإبل كانت تسيَّب في الجاهلية متقربين بتسييبها للأصنام وجاعلين ذلك قربةً للأوثان ، فكان عمرو بن عامر الخزاعي أوَّل من جلب الشرك إلى مكة وعمل على استجلاب الأصنام والأوثان حتى أصبح والعياذ بالله بسبب فعله حول بيت الله الحرام العديد من الأصنام، وفي يوم الفتح كسر عليه الصلاة والسلام ثلاثمائة وستين صنماً حول الكعبة وكان يقول : { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } [الإسراء:81] ، فرأى هذا الذي دعا إلى الشرك وفتح أبواب الشرك للناس وعلَّمهم إياه واستجلب الأصنام رآه عليه الصلاة والسلام يجر قُصْبه أي أمعاءه في النار .
v أما القتل وهو من كبائر الذنوب وعظائم الآثام فانظروا تحذيره من هذه الجريمة في خطبة الكسوف ماذا قال في تحذيره من القتل ؟ قال عليه الصلاة والسلام : ((رَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ )) فتركتها محبوسة حتى ماتت ؛ فإذا كان امرأة عُذِّبت بقتل هرة فكيف بمن يقتل الدماء المعصومة ويقتل المسلمين ويزهق الأرواح ويدمِّر الناس !! أي جريمة هذه ؟! وأي عقوبة تترتب على مثل هذا العمل ؟! .
v وأما الكبيرة الثالثة وهي كبيرة الزنا فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال في خطبته تلك : ((يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا )) ؛ فحذَّر عليه الصلاة والسلام من الزنا .
v أما تحذيره من السرقة فإنه يقول عليه الصلاة والسلام : ((رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ الَّذِي كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ)) معه محجن - والمحجن : العصا التي في أعلاها عكفة يمسك بها الإنسان - فصاحب المحجن هذا كان يمسك محجنه فإذا مرَّ من جواره حاج بدابة وعليها متاع يسحب شيء من متاعه بمحجنه ويأخذه ؛ ((فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِى. وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ)) ، فرآه عليه الصلاة والسلام يعذَّب في النار .
فهذا كله تخويف ، ولهذا يا إخوان ينبغي حقيقةً أن نتنبَّه لهذا الأمر وأن نستفيد من هذه الآية وأن تكون سبباً لحياة قلوبنا .
لا أطيل عليكم ، أسأل الله الكريم أن يوقظ قلوبنا أجمعين وأن يذهِب عنها غفلتها ، وأن يحيينا مسلمين وأن يتوفانا مؤمنين ، وأن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأن يصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ، وأن يجعل الحياة زيادة لنا في كل خير ، والموت راحة لنا كل شر ؛ إنه تبارك وتعالى سميعٌ قريبٌ مجيب .
والله تعالى أعلم ، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .