خطبة وجوب ارتداء الحجاب للنساء الشيخ علي بن يحيى الحدادي

وجوب ارتداء الحجاب للنساء
الجمعة 26 ربيع ثاني 1448 هـ   الموافق لـ : 9 أكتوبر 2026 م

تفريغ الخطبة

الحجاب الشرعي طاعة وانقياد

الْخُطْبَةُ الْأُولَى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكِيمٌ عَلِيمٌ خَبِيرٌ، فَمَا شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ مِمَّا أَمَرَهُمْ بِهِ أَوْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَهُوَ الْخَيْرُ لَهُمْ، وَالْأَحْسَنُ لَهُمْ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ، سَوَاءٌ أَدْرَكَ النَّاسُ هَذِهِ الْحِكَمَ وَالْمَصَالِحَ أَمْ لَمْ يُدْرِكُوهَا، فَهُوَ خَالِقُ أَرْوَاحِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ وَعُقُولِهِمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.

وَمَا عَلَى الْمُسْلِمِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى إِذَا جَاءَهُ الْأَمْرُ مِنَ اللَّهِ أَوْ مِنْ رَسُولِهِ ﷺ إِلَّا أَنْ يَسْمَعَ وَيُطِيعَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}. وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا}.

فَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى الرِّسَالَةُ، وَمِنَ الرَّسُولِ ﷺ التَّبْلِيغُ، وَمِنَّا الِانْقِيَادُ وَالتَّسْلِيمُ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}.

وَمِنَ الْأَحْكَامِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي شُرِعَتْ لِمَصَالِحَ عَظِيمَةٍ تُحْفَظُ بِهَا الْأَعْرَاضُ، وَتُصَانُ بِهَا الْأَنْسَابُ، وَتَزْكُو بِهَا الْقُلُوبُ، وَتَسْتَقِيمُ بِهَا الْأَخْلَاقُ؛ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النِّسَاءِ مِنَ الْحِجَابِ وَالسِّتْرِ، وَإِخْفَاءِ الزِّينَةِ إِلَّا عَلَى مَنْ أَذِنَ اللَّهُ لَهُنَّ أَنْ لَا يَحْتَجِبْنَ عَنْهُ، قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}   

وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}

وَقَالَ تَعَالَى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

عِبَادَ اللَّهِ:

مَا أَحْسَنَ مَا فَعَلَهُ نِسَاءُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ وَهُنَّ الْقُدْوَةُ لِكُلِّ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَإِنَّهُنَّ لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ الْحِجَابِ بَادَرْنَ إِلَى لُبْسِ الْجَلَابِيبِ، وَأَدْنَيْنَ الْخُمُرَ عَلَى رُؤُوسِهِنَّ، وَغَطَّيْنَ أَجْسَادَهُنَّ عَنِ الْأَجَانِبِ عَنْهُنَّ دُونَ تَلَكُّؤٍ، وَلَا تَرَدُّدٍ وَلَا اعْتِرَاضٍ، وَلَا اعْتِذَارٍ؛ لِقُوَّةِ إِيمَانِهِنَّ، وَعِظَمِ رَغْبَتِهِنَّ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوَابِ، وَصِدْقِ خَوْفِهِنَّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى شَدِيدِ الْعِقَابِ.

قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "لَمَّا نَزَلَتْ {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} خَرَجَ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ مِنَ الْأَكْسِيَةِ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ، وَرَحِمَهُنَّ، وَأَلْهَمَ نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ حُسْنَ الِاقْتِدَاءِ وَالتَّشَبُّهِ بِهِنَّ.

أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

 

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ حَقِّ نِسَائِكُمْ وَبَنَاتِكُمْ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحَدِّثُوهُنَّ بِمَا يُثَبِّتُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِنَّ، وَمَا يَكُونُ عَوْنًا لَهُنَّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَالسَّيْرِ عَلَى مِنْهَاجِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَنِسَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، مِنْ لُزُومِ الْحِجَابِ الَّذِي أَمَرَهُنَّ اللَّهُ بِهِ، وَاجْتِنَابِ تَبَرُّجِ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَبِشَارَتِهِنَّ بِأَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الطَّاعَةِ حِينَ يَكْثُرُ الْمُخَذِّلُونَ عَنْهَا، وَأَنَّ الصَّبْرَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ حِينَ يَكْثُرُ الْمُرَغِّبُونَ فِيهَا، مِنْ أَعْظَمِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَأَكْثَرِهَا ثَوَابًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}

وَلَا بُدَّ مِنْ تَذْكِيرِهِنَّ بِوُجُوبِ الْحَذَرِ مِنَ الحَمَلاتِ الْإِلِكْتِرُونِيَّةِ الْمُغْرِضَةِ الْمُعَادِيَةِ، وَالْحَذَرِ مِنْ مُتَابَعَةِ الْمَشَاهِيرِ وَالْمَشْهُورَاتِ كَمَا يُسَمَّوْنَ، الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى التَّمَرُّدِ عَلَى الدِّينِ وَالْقِيَمِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْحِجَابِ وَالْحِشْمَةِ وَالْحَيَاءِ، فَإِنَّ دَعْوَةَ الْخَيْرِ لَا بُدَّ أَنْ يُقَابِلَهَا دَعْوَةٌ إِلَى الشَّرِّ، فَمَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لَهُ أَعْدَاءٌ يُعَارِضُونَهُ وَيُخَالِفُونَهُ وَيُحَارِبُونَ دَعْوَتَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا}

وَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يُرِيدُ بِنَا الْخَيْرَ وَالْعِفَّةَ وَالطُّهْرَ وَالْحَيَاءَ وَالِاسْتِقَامَةَ، فَإِنَّ أَعْدَاءَ دِينِهِ وَرُسُلِهِ لَا يُرِيدُونَ بِنَا إِلَّا ضِدَّ ذَلِكَ، مِنَ السُّقُوطِ فِي أَوْحَالِ الرَّذِيلَةِ وَالِانْحِلَالِ، قَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا}  

كَفَى اللَّهُ نِسَاءَنَا وَأَخْلَاقَنَا وَقِيَمَنَا شَرَّ كُلِّ ذِي شَرٍّ، إِنَّهُ قَوِيٌّ عَزِيزٌ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ بِلَادَنَا آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ إِمَامَنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَأَحْسِنْ لَهُمُ الْبِطَانَةَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ أَمِّنْ حُدُودَنَا، وَانْصُرْ بِالْحَقِّ جُنُودَنَا، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.