تفريغ الخطبة
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
> أحمدُ بالحمد له من نعمه
> مُستنطِرًا بالحمدِ فيضَ كرمِه
> ثم الصلاةُ والسلامُ سرمدا
> على الذي أوضحَ أعلامَ الهدى
> محمدٍ وآلِهِ والصحبِ ما
> تبسَّمَ البرقُ وما غيثٌ هما
أما بعد فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الإيمان ليس مجرد دعوى، بل هو تصديق وقول وعمل.
نعم يا عباد الله، وإن من أعظم ما يجلي صفات المؤمن ما نزل في أول سورة الأنفال، حين اختصم بعض الصحابة في غنائم معركة بدر، فأنزل الله هذه الآيات مبينة حقيقة الإيمان.
قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ _ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ _ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾
فهذه خمس صفات يا عباد الله:
الصفة الأولى: أنهم إذا ذُكر الله، أي إذا سمعوا ما يذكر بالله من عذابه سبحانه لأعدائه، أو نعيمه لأوليائه، وجلت قلوبهم وخافت وفزعت.
وعلامة ذلك ألا يتجرأ المؤمن على معاصي الله في خلواته وخلف شاشات هاتفه، ولكنه متى زلت قدمه أسرع بالأوبة والتوبة لخالقه ومولاه.
كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا".
إخوة الإيمان، والصفة الثانية: لعباد الله المؤمنين أنهم يزدادون إيمانًا إذا تليت عليهم آيات ربهم، لأنهم يقبلون عليها بتدبر، ويتبعون التلاوة والتدبر بالعمل بما في هذه الآيات، وكل ذلك من الإيمان.
وهم يتأثرون بالقرآن ويتعظون بمواعظه، كما قال الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾
إخوة الإيمان والصفة الثالثة: أنهم على ربهم يتوكلون حق التوكل، فيعتمدون عليه وحده في حوائجهم مع أخذهم بالأسباب، لأنهم يعلمون أنه هو الذي بيده مقاليد السماوات والأرض.
ولصدق توكلهم على الله تراهم يعيشون في طمأنينة حين يعيش أكثر الخلق في قلق واضطراب، وهم يخافون من الفقر أو يخافون من المرض أو الخسارة أو غير ذلك مما يخافون في المستقبل.
والصفة الرابعة يا عباد الله: أنهم يقيمون الصلاة كما أمر الله إقامة كاملة قدر استطاعتهم، يقيمون ظاهرها بالمحافظة على أركانها وواجباتها وسننها، وأدائها جماعة مع المسلمين في بيوت الله، ويقيمون باطنها بالإخلاص لله، والخشوع له، وحضور القلب.
عباد الله، والصفة الخامسة: أنهم ينفقون مما رزقهم الله، فيؤدون الزكاة، وينفقون على أهلهم، ويبذلون في وجوه البر والإحسان.
وبعد أن ذكر الله سبحانه هذه الصفات قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي الذين صدقوا في إيمانهم، ثم أخبر بما عنده لهم من العطاء الجزيل والنعيم المقيم، فقال جل وعلا: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي في أعلى عليين، وأنعم بجوار الله من جوار، ولهم أيضًا ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ فيغفر الله بها ذنوبهم ويعفو بها عن سيئاتهم، ولهم أيضًا ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في الجنة لا ينقطع مدده، ولا ينتهي أمده.
جعلني الله وإياكم من هؤلاء المؤمنين الصادقين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد عباد الله، فاتقوا الله جل وعلا، ولنعلم أن المؤمنين يتفاوتون في إيمانهم بحسب تحقيقهم لهذه الصفات الخمس؛ ولهذا أمرنا الله جل وعلا بتدبر كتابه لنعرض أنفسنا عليه.
فليبحث كل منا يا عباد الله مع نفسه، أين هو من هذه الصفات؟ هل توجل قلوبنا عند ذكر ربنا جل وعلا؟ وهل تزداد إيمانًا إذا تلونا كتاب ربنا أو استمعنا إليه؟ وهل نعتمد على الله حقًا ونتوكل عليه؟ أم أن القلوب متعلقة بالأسباب الدنيوية تعلقًا ينسيها أن الأمر كله لله وبيد الله، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؟ وهل أقمنا الصلاة كما يحب ربنا؟ وهل أنفقنا مما رزقنا الله تعالى محتسبين منه الأجر والمثوبة؟
فما وجدنا فينا من خير فلنحمد الله ولنزدد منه ولنثبت عليه، وما وجدنا من نقص - وما أكثره - فلنسارع في جبره لنبلغ برحمة الله مرتبة المؤمنين حقًا.
أيها الإخوة المؤمنون، ومما يؤخذ من هذه الآيات الكريمات أن البكاء من خشية الله عز وجل هو شعار المؤمنين المتقين، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله».
ومما يؤخذ من هذه الآيات أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والغفلات. ومما يؤخذ من هذه الآيات أن من لم يزده سماع القرآن إيمانًا فليتهم نفسه، فهو علامة على فساد قلبه عياذًا بالله. ومما يؤخذ من هذه الآيات أن التوكل على الله هو من خصال الإيمان العظيمة، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ومما يؤخذ من هذه الآيات يا عباد الله عظم الثواب للمؤمنين الذين حققوا هذه الصفات، وأن الله وعدهم بالمغفرة لذنوبهم، والستر لعيوبهم، والرزق الذي لا نهاية له ولا فناء. فنسأل الله جل وعلا من فضله العظيم.
هذا وصلوا وسلموا على نبيكم محمد عليه الصلاة والسلام كما أمركم الله بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين واحم حوزة الدين، اللهم انتقم من أعدائك أعداء الدين يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين، اللهم وفق أئمة المسلمين في كل مكان يا رب العالمين، وفق إمامنا في هذه البلاد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، اللهم ووفق ولي عهده الأمين محمد بن سلمان، اللهم خذ بنواصيهم للبر والتقوى يا ذا الجلال والإكرام وأصلح بطانتهم يا حي يا قيوم.
اللهم عليك بأعداء هذه البلاد خذهم من فوقهم ومن تحتهم يا رب العالمين، اللهم عليك بالحوثيين خذهم من فوقهم ومن تحتهم يا رب العالمين، واكسر شوكتهم وأعز دينك وكتابك وسنة نبيك محمد عليه الصلاة والسلام.
اللهم ارحم المستضعفين من أمة الإسلام، اللهم ارحم المستضعفين من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، اللهم عليك بأعداء الإسلام فإنهم لا يعجزونك، اللهم عليك بدولة اليهود خذهم من فوقهم ومن تحتهم يا رب العالمين وعليك بأعداء الإسلام في كل مكان يا حي يا قيوم.
اللهم ارحم المستضعفين في اليمن، في الشام، في العراق، في ليبيا، في السودان، في كل مكان يا ذا الجلال والإكرام، اللهم آمن روعاتهم يا حي يا قيوم، اللهم آمن روعاتهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم من أراد بهم سوءًا فانتقم منه يا حي يا قيوم.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
عباد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.