تفريغ الخطبة
فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
خطبة جمعة بتاريخ / 27-5-1435 هـ
الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، وأشهد أن لا إلـٰه إلا الله وحده لا شريك له ، إله الأولين والآخرين وقيوم السماوات والأراضين ، وأشهد أنّ محمَّدًا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين ؛ صلى اللهُ وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .
أمَّا بعدُ أيها المؤمنون عباد الله : اتقوا الله تعالى ، وراقبوه جلَّ في علاه مراقبة من يعلم أن ربه يسمعه ويراه ، وتقوى الله جل وعلا هي خير زادٍ يبلغ إلى رضوان الله كما قال الله تعالى: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } [البقرة:197] .
أيها المؤمنون عباد الله : اعلموا -رعاكم الله- أنكم ستقفون يومًا بين يدي الله ، وأنه سبحانه سائلكم عمَّا قدَّمتكم في هذه الحياة ؛ فأعدُّوا للمسألة جوابا ، وليكن الجواب صوابا ، قال الله تعالى : {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الحجر:92-93] ، وقال الله تعالى : {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[النحل:93] ، وقال الله تعالى : {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ}[الأعراف:6] ، وقال الله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}[الأنبياء:23] ، والآيات في هذا المعنى -معاشر المؤمنين- كثيرة .
عباد الله : وأول ما تكون المسألة عندما يُدرج المرء في قبره ؛ ففي المسند عن البراء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الميت إذا كان مؤمنا يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ : مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ ، فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ ؟ فَيَقُولُ دِينِيَ الْإِسْلَامُ ، فَيَقُولَانِ لَهُ : مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ . وأن الكافر يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي ، فَيَقُولَانِ لَهُ : مَنْ نَبِيُّك ؟ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي ، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ .
أيها المؤمنون عباد الله : وإن أعظم المسألة وأعظم ما يُسأل الناس يوم القيامة سؤالان عظيمان لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عنهما : الأول: عن « ماذا كنت تعبد؟ » ، والثاني :«ماذا أجبتم المرسلين» ، وجواب الأول: تحقيق «لا إله إلا الله» علمًا وعملًا وإخلاصا ، وجواب الثاني : تحقيق «شهادة أن محمدًا رسول الله» معرفةً وعملًا وطاعة .
أيها المؤمنون عباد الله : وإن مما يُسأل العبد عنه يوم القيامة كتاب الله جل وعلا كما قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ}[الزخرف:44] أي عن هذا القرآن ؛ هل عملتم به فيكون حجة لكم ؟ أم فرطتم فيكون حجة عليكم ، وذلك أن القرآن إنما أُنزل ليُعمل به .
أيها المؤمنون عباد الله : وأعظم الأعمال وأجلّها هي أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة ؛ ففي الطبراني عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((أَوَّلَ مَا يسأَلُ عَنْهُ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَلَاتُهُ ؛ فيُنْظَرُ فِيهَا ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ)) .
عباد الله : ويُسأل العبد يوم القيامة عن عمُره كله وعن مرحلة الشباب سؤالًا خاصا فيمَ أمضاه وفيمَ صرفه ؟ ويُسأل عن أمواله من أي طريقٍ اكتسبها وكيف صرفها وأنفقها ؟ ويُسأل عن العلم الذي تعلمه ماذا عمل به ؟ روى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ)) .
أيها المؤمنون عباد الله : حواس المرء من لسانٍ وسمعٍ وبصر كل ذلكم يُسأل عنه يوم القيامة ؛ قال الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}[الإسراء:36] .
أيها المؤمنون عباد الله : وما كان من العبد في هذه الحياة من تعدياتٍ على الناس في مالٍ أو نفسٍ أو عرضٍ فإنه يُسأل عنه يوم القيامة ؛ فعن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإنَّكم سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)) خرَّجاه في الصحيحين .
أيها المؤمنون عباد الله : وكل صاحب ولاية عامة أو خاصة يُسأل عنها يوم القيامة ؛ ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ ومَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) .
أيها المؤمنون عباد الله : ومما يسأل عنه العبد يوم القيامة هذا النعيم الذي منَّ الله عليه به في هذه الحياة من مسكنٍ أو مركبٍ أو مطعمٍ أو مشربٍ أو ملبس ، وقد جاء في الحديث عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ رضي الله عنه لَمَّا نَزَلَ قول الله تعالى : {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8] قَالَ قلت : «يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيُّ النَّعِيمِ نُسْأَلُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا هُمَا الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالمَاءُ؟» قَالَ: ((أَمَا إِنَّهُ سَيَكُونُ)) رواه الترمذي . وإذا كان سيكون -عباد الله- أي السؤال عن هذا النعيم وإن قلّ وإن كان تمرًا وماء ، فكيف بمن وسِّع عليه في النعيم والعطاء من مسكنٍ واسع ومركب مريح ومطاعم ومشارب متنوعات ؛ فإن كل ذلك -عباد الله- يُسأل عنه العبد يوم القيامة .
معاشر المؤمنين : من علِم أنه واقف بين يدي الله وأن الله جل في علاه سائله عما قدَّم في هذه الحياة فليعد للمسألة جوابا ، وليكن الجواب صوابا ، وما التوفيق إلا بالله وحده ، وفَّقنا الله أجمعين لحُسن العمل وحسن الاستعداد ليوم السؤال .
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية :
الحمد لله كثيرا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد أيها المؤمنون عباد الله : اتقوا الله تعالى .
عباد الله : من كان من الناس مفرطًا مضيِّعا فإن الفرصة أمامه مهيأة وميسَّرة ما لم تغرغر روحه وما لم تطلع الشمس من مغربها .
عباد الله : ليتدارك كل مفرطٍ قبل الفوات ، وليغْنم عمره قبل الموت ؛ فإن الفرصة سانحة ، وإذا سوَّف وأجَّل المرء فلربما داهمه الموت فندم ندامةً عظيمة ، ومن أحسَن فيما بقي من حياته وإن قلّ غُفر له ما أمضاه في حياته وإن كثُر ، وتأملوا في هذا الباب قصة عظيمة مفيدة رواها أبو نعيم في كتابه الحلية عن إمامٍ من أئمة التابعين وهو الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى : أنه لقي رجلًا فقال له كم أتت عليك ؟ قال ستون سنة ، قال : أوَما علمتَ أنك في طريق إلى الله وأنك قد أوشكت أن تبلغ نهايته ؟ فقال الرجل : «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» ، فقال له الفضيل: أوَتعرف تفسيره ؟ قال يا أبا علي وما تفسيره ؟ قال: «إِنَّا لِلَّهِ» أي أنا لله عبد ، « وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» أي أنا إليه راجع ؛ فإذا علمتَ أنك لله عبدٌ وأنك إليه راجع فاعلم أنك موقوفٌ بين يدي الله ، وإذا علمتَ أنك موقوفٌ بين يدي الله فاعلم أنه سائلك ، وإذا علمتَ أنه سائلك فأعدَّ للمسألة جوابا . فقال الرجل : وما الحيلة؟ قال : يسيرة ، قال وما هي ؟ قال : أحسن فيما بقي يُغفر لك ما قد مضى ، فإنك إن أسأت فيما بقي أُخذت فيما بقي وفيما مضى .
اللهم يا رب العالمين وفقنا أجمعين للتوبة النصوح يا ذا الجلال والإكرام ، وهيئ لنا من أمرنا رشدا ، وأصلح لنا شأننا كله ، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين .
وصلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ [الأحزاب:٥٦] ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا)) .
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد . وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين ؛ أبي بكرٍ الصديق ، وعمر الفاروق ، وعثمان ذي النورين ، وأبي الحسنين علي ، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين ، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين .
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين ، اللهم انصُر من نصَر دينك وكتابك وسنَّة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، اللهم آمِنَّا في أوطاننا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفِّق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من سديد الأقوال وصالح الأعمال يا ذا الجلال والإكرام .
اللهم آت نفوسنا تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليُّها ومولاها ، اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد ، ونسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك ، ونسألك شكر نعمتك وحُسن عبادتك ، ونسألك قلبًا سليمًا ولسانًا صادقا ، ونسألك من خير ما تعلم ، ونعوذ بك من شر ما تعلم ، ونستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب ، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات . ربنا إنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين . ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .