تفريغ الخطبة
القنوات الفضائية ومواقع الانترنت أخطار وأضرار
خطبة جمعة بتاريخ / 17-6-1432هـ
الحمد لله الرقيب الحسيب ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، السر عنده علانية والغيب عنده شهادة لا تخفى عليه خافية ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليم الخبير ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيّه وخليله وأمينه على وحيه ، بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ، فما ترك خيراً إلا دل الأمة عليه ولا شراً إلا حذرها منه ؛ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد أيها المؤمنون عباد الله : اتقوا الله تعالى ؛ فإن في تقوى الله جل وعلا خَلَفاً من كل شيء وليس من تقوى الله خَلَف .
أيها المؤمنون : إن حفظ الأديان مقدَّمٌ على حفظ الدنيا والأبدان ، وإصلاحِ الأخلاق مقدمٌ على إصلاح الأرزاق وفي الدعاء المأثور عن نبينا عليه الصلاة والسلام : ((اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ )) فقدَّم - عليه الصلاة والسلام - سؤال الله جل وعلا صلاح الدين الذي هو عصمة الأمر لأن العناية به ألزم والاهتمام به أوجب .
أيها المؤمنون : آفتان عظيمتان وبليَّتان خطيرتان وصلتا إلى كثير من البيوت ودخلتا عدداً من المنازل فيهما خلخلة عظيمة للأديان وإضعاف كبير للأخلاق ، وتخريب بيِّن للمبادئ والقيَم ؛ ومن لم يتدارك نفسه وبيته أهلكته أيما هلكة ؛ إنهما - أيها المؤمنون - القنواتُ الفضائية الموبوءة ، ومواقعُ الشبكات العنكبوتية المشبوهة ؛ فما أعظم ما ينشأ عن هذين من فساد ويترتب عليهما من انحلال ، فكم من أخلاق دُمِّرت ، وكم من عقائد هُدمت ، وكم من فساد نُشر من خلال هاتين الآلتين المفسدتين . نعم - عباد الله - لقد تمكن أعداء دين الله من خلال القنوات الفضائية والمواقع في الشبكة العنكبوتية من الوصول إلى العقول والدخول إلى القلوب والوصول إلى النفوس نشراً للشبهاتِ والشكوك ، وزرعاً للشهوات وتتبعِ الملذات مما ترتب على ذلكم تسلل تلكم الأفكار الخبيثة والمبادئ الهدامة والأخلاق السيئة الرذيلة إلى عقول كثيرٍ من الشباب والشابات بل وحتى الكبارُ والكبيرات .
أيها المؤمنون : لقد كان أعداءُ دين الله في الأزمنة الماضية لا يتمكنون من الوصول إلى العقول إلا بصعوبة بالغة ومن خلال مجالات ضيقة محدودة ، أما الآن فقد أصبحت تحمل أفكارهم ، بل تحمل سُفولهم وانحطاطهم ، بل تحمل رذائلهم وحقاراتهم الرياح بل أعاصيرُ الشر والفساد من خلال القنوات والمواقع ؛ ولما أسلم بعضُ الشباب والشابات أنفسهم لتلك القنوات مشاهدةً ونظراً واستماعاً بقلبٍ وقالب تسللت تلك المفاسد والانحلالات إلى القلوب ، ومن الأمور المتقررة التي لا نزاع فيها ولا شك أن مشاهدات المرء وسماعاته تنعكس على قيَمهِ وأخلاقهِ ، والقلب بحسب الواردات ؛ فإذا كان الذي يرِد إليه من خلال السمع والبصر واردات شرٍ وفساد كيف يُنتظر من قلبٍ هذا شأنه أن يبقى على الاستقامة !! وإذا خُلخل القلب بذلك النظر وبتلك المشاهدات والسماعات تحللت منه عُراه وتبدَّدت أواصره وعُمِر بالشرور والفساد ؛ وإذا فسد القلب تبِعه البدن كما قال عليه الصلاة والسلام : (( أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ )) .
أيها المؤمنون عباد الله : إن أخطار وأضرار تلك القنوات والمواقع لا حصرَ لها ولا عد ؛ أخطارٌ على العقيدة ، وأخطارٌ على القيم والأخلاق ، وأخطارٌ على المجتمعاتِ المسلمة ، وأخطارٌ على القلوب والنفوس ، شيءٌ مُهيل وأمرٌ مخيف .
أما - أيها المؤمنون - خطرها على العقائد فهو شرٌ عظيمٌ لا حد له ؛ وكم من أناسٍ نشأوا على فطرٍ سليمة وعقائد مستقيمةٍ وأصول مباركة فتحولوا بسبب تلك المشاهدات إلى عقائد باطلة ، ومنهم من أصبح في شكٍ من دينه وفي شبهاتٍ تزعزع عقائده ، ومن خلال تلك القنوات والمواقع زُرِع في القلوب ضعْف الإيمان وضعف الاعتقاد وضعف الموالاة والمحبة لله ولما يحبه الله ، وأصبحت القلوب ميّالةً إلى حبِّ زعماء الشرِ ورؤساء الفساد ، وإذا نظر الناظرُ وتأمل المتأمل في حال كثيرٍ من الشباب والشابات بسبب ذلك النظر وتلك المشاهدات أصبح يجد أن عدداً منهم أصبح قُدواتهم ومن يطمعون أن يكونوا في مصافِّهم رؤساءَ شرٍ وزعماءَ باطلٍ وفساد ؛ إما فسادٌ في العقائد ، أو فسادٌ في الأخلاق ، أو انحلالٌ كاملٌ من عرى الدين .
أيها المؤمنون : وأما تأثير تلك القنوات والمواقع على الأخلاق فإنها توجِد في نفوسِ مُطالِعيها وقلوبِ مُشاهديها رُعونةً عظيمة وشراً مستطيرا ؛ فكم تخرَّج على تلك القنوات من متمردٍ وشرِّير ومن عنيفٍ مبغِضٍ لبلده ووطنه ومجتمعه بل ولأهل بيته ؛ فأصبح يتعامل برُعونةٍ وفظاظةٍ وقسوة ، بل وأصبح في نفوسِ البعض ميلٌ إلى الجريمة وانصرافٌ إلى العنف وتعدٍّ على الحقوق في النفوس والأموال والأعراض ؛ كل ذلكم نتاج تلك المشاهدات الآثمة المحرمة.
وأما التأثير على أحوال الناس الاجتماعية ؛ فكم نشأ عن تلك القنوات من عقوق للآباء وقطعٍ لصلة الأرحام وتفكُّكٍ في العلاقات ، وكم نشأ من بغضٍ بين زوجٍ وزوجه ، وأخ وأخيه ، وقريبٍ وقريبه بسبب ما يُبث في تلك القنوات من صنوف الشر وأنواع الانحلال .
وأما تأثيرها على المجتمعات فحدث ولا حرج شراً وفسادا ؛ فكم وُجِد في المجتمعات بسببها أقوامٌ نشاز ليسو من المجتمع ولا المجتمع منهم بل تمردوا عليه في عقائدهم وأخلاقهم وتعاملاتهم .
أيها المؤمنون : وليس الغرض من هذا العرض تهويلُ الأمر وإفزاعُ النفوس ؛ وإنما الغرضُ من ذلك دعوةٌ صادقة من محبٍ مشفق أن نتدارك أنفسنا قبل أن نلقى الله عز وجل ، وأن نحذر أشد الحذر - أيها المؤمنون - من تلك القنوات والمواقع حتى لا يؤول الأمر إلى حالٍ عصيبةٍ وواقعٍ مرير .
عباد الله : إن لم نتدارك أنفسنا بتقوى الله عز وجل ومراقبته سبحانه في السر والعلانية أودى بنا الأمر إلى أشد الهلكة .
عباد الله : من يجالسُ تلك القنوات والمواقع في بداية أمره يخلو تلك الخلوة المحرمة وهو يوهم نفسه أنه جالسٌ بلا رقيبٍ ولا حسيب يغلق على نفسه باب غرفته ويطمئن أن أحداً من الناس لا يراه ثم يتنقل بين تلك المواقع الموبوءة مما يكون عليه أعظمُ الخطر وأشدُّ الضرر ، ونسي هذا الغافل أو المُتغافل قول الله تبارك وتعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:1] ، وقول الله تبارك وتعالى : ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [النساء:6] وإذا غفلت النفسُ عن مراقبةِ الله عز وجل أظلمت وتكاثرت عليها الشرور .
اللهم إنا نسألك بأنّك أنت الله لا إله إلا أنت يا من بيده صلاح القلوب وزكاءُ النفوس واستقامةُ العباد أصلح نفوسنا أجمعين .. اللهم أصلح نفوسنا أجمعين ، اللهم وأصلح لنا ذريّاتنا ، اللهم أصلح أبناءنا وبناتنا ، اللهم ومن ضلّ منهم ردّه إلى الحق رداً جميلا ، اللهم لا عاصم من هذه الشرور ولا منجيَ منها إلا أنت يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم فأصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين .
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية :
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبُ ربُّنا ويرضى ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ؛ صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد :
عباد الله : اتقوا الله تعالى ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ( ، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام : ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) .
عباد الله : لنتقِ الله جل وعلا ربَّنا ، ولنعمل جاهدين لتحقيق رضاه والبعد عن مساخطه سبحانه ، ولنعلم -أيها المؤمنون- أن هذه الدار ليست بدار قرار وإنما هي دارُ معبرٍ وانتقال ؛ فإن الدار الآخرة ارتحلت مقبلة والدار الدنيا ارتحلت مدبرة ولكلٍ من الدارين بنون ، فلنكن حريصين على أن نكون من أبناء الآخرة لا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عملٌ ولا حساب وغداً حسابٌ ولا عمل ، والكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .
واعلموا أن أصدق الحديث كلام الله ، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثةٍ بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالة ، وكل ضلالةٍ في النار ، وعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة.
وصَلُّوا وسلِّموا - رعاكم الله - على محمّد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:56] ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا)). اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.
وارضَ اللَّهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين ؛ أبي بكرٍ الصديق ، وعمر الفاروق ، وعثمان ذي النورين ، وأبي الحسنين علي ، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنّا معهم بمنّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذلّ الشرك والمشركين ودمّر أعداء الدين ، اللهم انصر من نصر دينك وكتاب وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ، اللهم وانصر إخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان ، اللهم كن لهم ناصراً ومعينا، وحافظاً ومؤيدا . اللهم أعنا وإيّاهم ولا تُعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا ، وامكر لنا ولا تمكر علينا ، واهدنا ويسّر الهدى لنا ، وانصرنا على من بغى علينا ، اللهم اجعلنا لك ذاكرين ، لك شاكرين ، إليك أوّاهين منيبين ، لك مخبتين ، لك مطيعين ، اللهم تقبلّ توبتنا ، واغسل حوبتنا ، وثبِّت حجتنا ، واهد قلوبنا ، وسدد ألسنتنا ، واسلل سخيمة صدورنا . اللهم وأصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين .
اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يقربنا إلى حبك ، اللهم آتِ نفوسنا تقواها وزكِّها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها ، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى ، اللهم اغفر ذنوب المذنبين وتب على التائبين ، اللهم وفرج همَّ المهمومين ، ونفِّس كرب المكروبين ، واقض الدين عن المدينين ، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين ، وارحم موتانا وموتى المسلمين .
اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين . اللهم وفق وليّ أمرنا لما تحبه وترضاه من سديد الأقوال وصالح الأعمال ، ووفق جميع ولاة أمرِ المسلمين للعمل بكتابك وتحكيم شرعك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام . اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
اللهم أغثنا .. اللهم أغثنا .. اللهم أغثنا .. اللهم إنا نسألك غيثاً مُغيثا هنيئاً مريئا سحاً طبقا نافعاً غير ضار اللهم أغث قلوبنا بالإيمان وديارنا بالمطر ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين .. اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من اليائسين ، اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدمٍ ولا عذاب ولا غرق ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا وزدنا ولا تنقصنا وآثرنا ولا تؤثر علينا .ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .
عباد الله : اذكروا الله يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ، ) وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ(.