إرشاد المُتعَبِّد بوقت دخول وخروج معتكف عشر رمضان الأخيرة المسجد

المؤلف : الشيخ عبد القادر بن محمد الجنيد

القسم :فقه

التصنيف :

تاريخ :2019-05-22

شاهده :34

الحجم:0

إرشاد المُتعَبِّد بوقت دخول وخروج معتكف عشر رمضان الأخيرة المسجد

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.

وبعد:

فقد قلت في شرحي على كتاب “الصيام” مِن كتاب “عمدة الأحكام” (ص: 170-174):

المسألة الرابعة / عن بعض الأحكام التي يذكرها العلماء عند هذا الحديث.

الحكم الأوَّل: عن وقت دخول المسجد للاعتكاف، ووقت الخروج.

وسوف يكون الكلام ــ بإذن الله ــ عن هذا الحكم في فرعين:

الفرع الأوَّل: عن زمن دخول معتكف العشر الأخيرة مِن رمضان إلى المسجد.

ذهب جماهير أهل العلم، الأئمة الأربعة، وغيرهم:

إلى أنَّ مُعتكِف العشر الأخيرة مِن رمضان يدخل إلى المسجد الذي سيعتكف فيه قبْل غروب شمس ليلة الحادي والعشرين.

وقد نسبه إليهم:

الفقيه زين الدين العراقي الشافعي ــ رحمه الله ــ في “طرح التثريب في شرح التقريب” (4/ 168)، وغيره.

وذلك لِمَا أخرجه مسلم (1167)، عن أبي سعيد الخُدري ــ رضي الله عنه ــ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ، فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ، فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ )).

وفي لفظ للبخاري (2027): (( مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي، فَلْيَعْتَكِفِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ، وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ )).

وأخرج البخاري (2025)، ومسلم (1171)، عن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ )).

ووجْه الاستدلال منهما:

أنَّ المراد بالعشر الأواخِر الليالي، وأوَّلُها ليلة إحدى وعشرين، والليلة تبدأ مِن المغيب، وإلا لم يَكن النَّبي صلى الله عليه وسلم قد اعتكف عشرًا أو شهرًا.

وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ في “شرح العمدة” (2/ 777):

وإذا أراد أنْ يَعتكف العشر الأواخِر، أو شهر رمضان، ونحو ذلك، فإنَّه يدخل معتكَفه قبْل غروب الشمس مِن أوَّل ليلة، لأنَّه لا يكون معتكِفًا جميع العشر أو جميع الشهر إلا باعتكاف أوَّل ليلة منه، لاسيَّما وهي إحدى الليالي التي يُلتمس فيها ليلة القدر.اهـ

وذهب الأوزاعي، والليث، والثوري:

إلى أنَّ المعتكِف يدخل مِن بعد صلاة صبح اليوم الحادي والعشرين.

وذلك لِمَا أخرجه مسلم (1172)، عن عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنَّها قالت: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ )).

وفي الاحتجاج بهذا الحديث نظر.

وقد أُجِيب عنه:

بما قاله الفقيه زين الدين العراقي الشافعي ــ رحمه الله ــ في “طرح التثريب في شرح التقريب” (4/ 168)، حيث قال:

وتَأوَّلَه الجمهور:

على أنَّه دخل المُعتكَف، وانقطع فيه وتَخَلَّى بنفسه بعد صلاته الصُّبح، لا أنَّ ذلك وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان مِن قبْل المغرب مُعتكِفًا لابثًا في المسجد فلمَّا صلَّى الصُّبح انْفرَد.اهـ

وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ في “شرح العمدة” (2/ /779):

فإنَّه ليس في حديث عائشة أنَّه كان يدخل مُعتَكَفه صبيحة إحدى وعشرين، وإنَّما ذَكَرت أنَّه كان يَدخل المعتكَف بعد صلاة الفجر، مع قولها: (( إنَّه أمَر بخبائه فضُرب، ثم أراد الاعتكاف في العشر الأواخِر )).

والعشر صفة الليالي لا الأيَّام، فمُحال أنْ يريد الاعتكاف في الليالي العشر، وقد مضَت ليلة منها، وإنَّما يكون ذلك إذا استقبلها بالاعتكاف، وقد ذَكَرَت أنَّه اعتكف عشرًا، قضاء للعشر التي تركها، وإنَّما يَقضي عشرًا مَن كان يريد أنْ يَعتكِف عشرًا.اهـ

وقال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (4/ 325 ــ حديث رقم:2034):

وقال الأئمة الأربعة، وطائفة: يدخل قُبيل غروب الشمس.

وأوَّلوا الحديث على أنَّه دخل مِن أوَّل الليل، ولكن إنَّما تخلَّى بنفسه في المكان الذي أعدَّه لنفسه بعد صلاة الصبح.اهـ

وقال الفقيه ابن جُزَي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “القوانين الفقهية” (ص: 143-144):

ويُستحب أنْ يدخله قبْل غروب الشمس مِن ليلة اليوم الذي يَبدأ فيه.

فإنْ فعل ذلك أجزأ اتِّفاقًا.

وإنْ دخل بعد الفجر لم يُجزئه.

وإنْ دخل بين المغرب والعشاء ففي الصِّحة والبُطلان قولان.اهـ

وخلاصة الجواب:

أنَّ المراد بِمُعتكَفه في الحديث:

مكان اعتكافه صلى الله عليه وسلم في المسجد، وهو الخِباء الذي ضُرب له.

وقد جاء في رواية البخاري (2041) لحديث عائشة ــ رضي الله عنها ــ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ، وَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ )).

ثم إنَّ دخوله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الذي هو محَل الاعتكاف لم يَكن بعد صلاة الفجر، وإنَّما قبلها، لأنَّه قد صلَّى الفجر إمامًا بالناس في المسجد.

وقد جاء في رواية مسلم (1172)، لحديث عائشة ــ رضي الله عنها ــ: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ )).

الفرع الثاني: عن زمَن خروج معتكِف العشر الأخيرة مِن رمضان مِن المسجد.

تنتهي آخِر ليلة مِن ليالي العشر بغروب شمس آخِر يوم منها، فإذا غرَبت جاز للمعتكف أنْ يَخرج عند عامة الفقهاء، أو أكثرهم.

مِنهم: الزُّهري، وأبو حنيفة وأصحابه، ومالك، والليث بن سعد، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وغيرهم.

وقد قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البَر المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (23/ 54):

وقال ابن القاسم: فإنْ خرج ليلة الفطر فلا قضاء عليه.

وقال ابن الماجشون: يَفسد اعتكافه، لأنَّ السُّنة المُجتمَع عليها أنَّه يَبيت في مُعتكَفه حتى يُصبح.

قال أبو عمر:

لم يَقُل بقولِهما أحدٌ مِن أهل العلم فيما عَلِمْت، ولا وجْه له في القياس، لأنَّ ليلةَ الفطر ليست بموضع اعتكاف، ولا صيام، ولا مِن شهر رمضان، ولا يَصح فيها عن النَّبي صلى الله عليه وسلم شيء.اهـ

وإنَّ أخَّر المُعتكِف خروجه حتى صُبح العيد، وخرج مِن المسجد إلى المُصلَّى بعد صلاته الفجر فيه استُحِّب له ذلك.

وقد نُقِل فِعله عن بعض الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ، وفَعله جمْعٌ مِن التابعين، وقال بَه مالك، وأحمد، وغيرهما مِن الفقهاء والمُحدِّثين.

وقد قال ابن أبي شيبة ــ رحمه الله ــ في “مصنَّفه” ( 9678):

حدثنا وكيع، عن سفيان، عن مُغيرة، عن أبي مَعْشَر، عن إبراهيم، قال: (( كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فِي مَسْجِدِهِ، حَتَّى يَكُونَ غُدُوُّهُ مِنْهُ )).

وسنده صحيح.

وقال أبو مصعب الزُّهري ــ رحمه الله ــ في “موطأ مالك” (875):

قال مالك بن أنس: (( إنَّهُ رَأَى أَهْلِ الْفَضْلِ إِذَا اعْتَكَفُوا الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ لاَ يَرْجِعُوا إِلَى أَهَالِيهِمْ حَتَّى يَشْهَدُوا الْعيد مَعَ النَّاسِ )).

قال مالك: (( وَبَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْفَضْلِ الَّذِينَ مَضَوْا, وذَلِكَ أَحَسن مَا سَمِعْتُ )).

وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (6/ 501):

والأفضل أنْ يَمكُث ليلة العيد في المسجد حتى يُصلِّي فيه صلاة العيد، أو يَخرج مِنه إلى المُصلَّى لصلاة العيد إنْ صلَّوها في المُصلَّى.اهـ

 

 

وكتبه:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.