مقال إرشاد الطائفين إلى العلم بالمنقول عن السلف وإجماع العلماء على ترك التقبيل والتمسح بمقام خليل الله إبراهيم الشيخ عبد القادر بن محمد الجنيد

إرشاد الطائفين إلى العلم بالمنقول عن السلف وإجماع العلماء على ترك التقبيل والتمسح بمقام خليل الله إبراهيم
الثلاثاء 22 شوال 1435 هـ   الموافق لـ : 19 أوت 2014 م
504.0K
127

إرشاد الطائفين إلى العلم بالمنقول عن السلف وإجماع العلماء على ترك التقبيل والتمسح بمقام خليل الله إبراهيم

الحمد لله ذي القوَّة المَتين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه على سُنَّته إلى يوم الدين.
أمَّا بعد، أيُّها الطائف بالكعبة ــ وفقك الله للعمل بالسُّنَّة النَّبوية ومُتابعة السَّلف الصالح ــ:
إنَّ الطائفً بالكعبة المشرَّفة في أثناء أداء نُسكه مِن حجٍّ أو عمرة أو إذا تطوع بالطواف لَيَرى كثيرًا مِن الرجال والنساء الطائفين معه يَقفون حول مقام نبيِّ الله وخليله إبراهيم ــ عليه السلام ــ فيمسَحون زُجاجه بأيديهم تبرُّكًا وتيمُّنًا، وربمَّا مسحوه بأيديهم ثم مسحوا بها وجوههم وصدورهم وما نَزل عنها، أو وضعوا جباههم وخدودهم وصدورهم على زُجاجه وقبَّلوه، أو مسحوه بخِرَق أو معاطف أو أكسية عندهم.
ودونكم ــ سدَّدكم الله وأكرَمكم بالإقبال على مراضيه ــ أربع وقفات تَزيد في تبيين حكم هذا الفِعل، وبُعْدِه عن الشريعة، وخُروجِه عن هَدي السَّلف الصالح ــ رحمهم الله تعالى ــ:
الوقفة الأولى / عن المنقول في النُّصوص الشرعية بشأن مقام نبيِّ الله إبراهيم ــ عليه السلام ــ.
إنَّ مَن نظر في القرآن العزيز والسُّنَّة النَّبوية وأقوال السَّلف الصالح وكُتب أئمة أهل العلم الأثبات المشهورين في الحديث والفقه والمناسك بشأن التعامل مع مقام خليل الله إبراهيم ــ عليه السلام ــ فلن يَجد إلا شيئًا واحد، ألا وهو:
اتخاذه مُصَلَّى.
واتخاذه مُصَلَّىً يَحصل ويتحقق بالصلاة خلْفه ركعتين بعد الانتهاء مِن كل سَبعة أشواط تُطاف حول الكعبة المُشرَّفة.
فقد قال الله ــ عزَّ وجلَّ ــ في سورة البقرة:
{ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ }.
وأخرج البخاري ــ رحمه الله ــ في "صحيحه" (395) عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال:
(( قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ )).
وأخرج مسلم (1218)، وأبو داود (1905 )، والنسائي (2939)، والترمذي (856)، ــ رحمهم الله ــ عن جابر بن عبد الله الأنصاري ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال في شأن حَجِّة الوداع مع النبي صلى الله عليه وسلم:
(( حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ــ عَلَيْهِ السَّلَام ــ فَقَرَأَ: { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى }، وكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: { قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ } وَ { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ }، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا ... )).
الوقفة الثانية / عن الآثار الواردة عن السَّلف الصالح مِن الصحابة والتابعين وغيرهم في ترْك التَّمَسُّح بمقام إبراهيم ــ عليه السلام ــ وتَقبِيله.
قال الإمام ابن قيِّم الجوزيَّة ــ رحمه الله ــ في كتابه "إغاثة اللهفان مِن مصائد الشيطان" (1/ 212):
ولقد أنْكَر السَّلف التَّمَسُّح بحَجَر المَقام الذى أمَر الله تعالى أنْ يُتخَذ مِنه مُصلَّى.اهـ
ودونكم ــ بصَّركم الله بدينه ــ بعض مَن ورَد عنه إنكار ذلك، مع لفظه، ومصدره:
أوَّلًا ــ الصحابي الجليل عبد الله بن الزُّبير ــ رضي الله عنهما ــ.
إذ قال عبد الرزاق الصنعاني ــ رحمه الله ــ في "مُصنَّفه" (8958):
عن الثوري، عن نُسير بن ذُعلوق:
(( أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ رَأَى النَّاسَ يَمْسَحُونَ الْمَقَامَ فَنَهَاهُمْ، وَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تُؤْمَرُوا بِالْمَسْحِ، وَقَالَ: إِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ )).
وإسناده صحيح.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مُصنَّفه" (15512)، والفاكهي في "تاريخ مكة" (1004)، وأبو داود السجستاني في "مسائله عن الإمام أحمد" (ص:160-161 ــ رقم:760)، مِن طريق سفيان عن بشير، نحوه.
ثانيًا ــ مُفتي المسلمين في مناسك الحج والعمرة التابعي وتلميذ الصحابة عطاء بن أبي رباح ــ رحمه الله ــ.
إذ قال عبد الرزاق الصنعاني ــ رحمه الله ــ في "مُصنَّفه" (8957):
عن ابن جريج قال:
(( قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَرَأَيْتَ أَحَدًا يُقَبِّلُ الْمَقَامَ أَوْ يَمَسُّهُ؟ فَقَالَ: أَمَّا أَحَدٌ يُعْتَبَرُ بهِ فَلَا )).
وإسناده صحيح.
وأخرج الفاكهي في "أخبار مكة" (1005)، مِن طريق ابن جريج، نحوه.
وقال الفاكهي ــ رحمه الله ــ في "أخبار مكة" (1006):
حدثنا محمد بن علي الشَّقِيقِي قال: سمعت أبي يقول: أخبرنا أبو حمزة، عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء:
(( أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُقَبِّلَ الرَّجُلُ الْمَقَامَ أَوْ يَمْسَحَهُ )).
وإسناده حسن.
ثالثًا ــ التابعي وتلميذ الصحابة قتادة بن دَعَامة السَّدوسي ــ رحمه الله ــ.
إذ قال ابن جرير الطبري ــ رحمه الله ــ في "تفسيره" (2000):
حدثنا بِشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد بن زُريع قال: حدثنا سعيد، عن قتادة:
(( { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } إِنَّمَا أُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا عِنْدَهُ، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِمَسْحِهِ )).
وإسناده صحيح.
وأخرجه الأزرقي في "أخبار مكة" (2/29)، مِن طريق يزيد، عن سعيد، عن قتادة، بمثله.
وقال سعيد بن أبي عروبة ــ رحمه الله ــ في كتاب "المناسك" (ص:68 ــرقم:23):
عن قتادة، قال:
(( أُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا عِنْدَهُ، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِمَسْحِهِ )).
وإسناده صحيح.
رابعًا ــ التابعي وتلميذ الصحابة مُجاهد بن جَبر ــ رحمه الله ــ.
إذ قال ابن أبي شيبة ــ رحمه الله ــ في مُصنَّفه" (15513):
نا ابن فضيل، عن لَيث، عن مُجاهد، قال:
(( لَا تُقَبِّلِ الْمَقَامَ، وَلَا تَلْمَسْهُ )).
وليث هو ابن أبي سليم، مُتكلَّم فيه.
خامسًا ــ الإمامان أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ــ رحمهما الله ــ.
إذ قال إسحاق بن منصور الكَوسَج ــ رحمه الله ــ في "مسائله عن الإمامين أحمد وإسحاق" (1541):
(( قلت: مسُّ المقام؟ قال: لا يمسُّه.
قال إسحاق: كما قال، إنَّما أُمِرَ بالصلاة إليه )).
الوقفة الثالثة / عن الإجماع المنقول على ترْك التَّمَسُّح بمقام إبراهيم ــ عليه السلام ــ وتقبِيله.
ودونكم ــ فقَّهكم الله في دينه ــ بعض مَن نقله، مع لفظه، والمصدر:
أوَّلًا ــ قال الإمام ابن تيمية الحرَّاني الدِّمشقي ــ رحمه الله ــ في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" (2/ 336):
وقد اتفق العلماء على ما مَضَت بِه السُّنَّة، مِن أنَّه لا يُشرع الاستلام والتقبِيل لِمقام إبراهيم الذي ذَكره الله تعالى في القرآن، وقال: { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى }، فإذا كان هذا بالسُّنَّة المتواترة وباتفاق الأئمة، لا يُشرع تقبِيله بالفم، ولا مسْحُه باليد، فغيره مِن مقامات الأنبياء أولى أنْ لا يُشرع تقبِيلها بالفم، ولا مسْحُها باليد.اهـ
وقال أيضًا كما في "جامع المسائل" (3/ 46، طبعة: دار عالم الفوائد ــ وتمويل: مؤسسة الراجحي ــ وتحقيق: محمد عزيز شمس):
وكذلك مقام إبراهيم الذي قال الله تعالى فيه: { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى } لم يَستلمه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يُقبِّلْه، ولا يُشرع ذلك فيه، بل يُنهى عنه باتفاق العلماء، فإذا كان مقام إبراهيم الذي ذَكره الله تعالى في القرآن لا يُشرع أنْ يَتَمسَّحَ العبد بْه، فكيف سائر المقامات والمشاهد التي يُقال: إنَّها أثر بعض الأنبياء والصالحين.اهـ
وقال أيضًا كما في رسالة له طُبعت بعنوان: "قاعدة عظيمة في الفَرْق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق" (ص:52):
ومَقام إبراهيم الذي قال الله فيه: { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } لم يَستلمه ولم يُقبِّله، واتفق العلماء على أنَّه لا يُستلَم ولا يُقبَّل، فإذا كان هذا مَقام إبراهيم الذي أُمِرنا أنْ نتخذه مُصلَّى، اقتداء بإبراهيم خليله، فمَقامٌ لم نُؤمر أنْ نُصلِّي فيه، أولى أنْ لا نَستلمه، ولا نُقبِّله، مثل مقامات تُضاف إلى إبراهيم وغيره بالشام، وغير الشام.اهـ
وقال أيضًا في "مَنسكه" (ص:55):
والاستلام هو: مسْحُه باليد.
وأمَّا سائر جوانب البيت، ومَقام إبراهيم، وسائر ما في الأرض مِن المساجد، وحيطانها، ومقابر الأنبياء والصالحين، كحُجْرة نبينا صلى الله عليه وسلم، ومغارة إبراهيم، ومَقام نبينا صلى الله عليه وسلم الذي كان يُصلِّي فيه، وغير ذلك مِن مقابر الأنبياء والصالحين، وصخرة بيت المقدس، فلا تُستلم ولا تُقبَّل باتفاق الأئمة.اهـ
ثانيًا ــ قال الفقيه أبو عبد الله بن مُفلح المقدسي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه "الفروع" (3/ 503):
ولا يُشرع تقبيل المقام ومسْحْه (ع)، فسائر المقامات أولى، ذكره شيخنا، وسأله ابن منصور عن مسِّ المقام قال: لا تمسُّه، ونَقل الفضل: يُكره مسُّه وتقبِيله.اهـ
والعين (ع) اختصار للإجماع، وتعني: أنَّ المسألة المذكورة مُجمع عليها بين العلماء.
ثالثًا ــ قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ــ رحمه الله ــ في كتابه "القول السديد شرح كتاب التوحيد" (ص:113-114):
فإنَّ العلماء اتفقوا على أنَّه لا يُشرع التَّبَرُّك بشيء مِن الأشجار، والأحجار، والبُقَع، والمشاهِد، وغيرها.اهـ
الوقفة الرابعة / عن عدم الاغترار بأفعال العوام وجهالاتهم التي لم تَثبت في نُصوص الشريعة ولم يكن عليها عمل السَّلف الصالح.
إنَّ ممَّا ينبغي أنْ يَتنبَّه له المسلم ــ سلَّمه الله وسدَّده ــ غاية الانتباه في هذا الباب وغيره أمران:
الأمر الأوَّل: أنْ لا يَغترَّ ولا يَلتفِت إلى مُحْدَثات العوام ومخالفاتهم وجهالاتهم عند مَقام خليل الله إبراهيم ــ عليه السلام ــ، وفِعلهم معه، حتى ولو كثروا وتزايدوا، فإنَّ الاقتداء والعمل إنَّما يكون بالأحاديث النَّبوية الثابتة، وما كان عليه السَّلف الصالح ــ رحمهم الله ــ.
وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:
(( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ )).
[ رواه البخاري (2697)، ومسلم (1718)، مِن حديث عائشة ــ رضي الله عنها ــ. ]
وفي لفظ عند الإمام مسلم وعلَّقه البخاري جازمًا بِه:
(( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ )).
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ أَحْدَثَ ــ أو ــ مَنْ عمِل )) أي: مِن اخترع وابتدع أو فَعَل شيئًا يَتقرَّبُ إلى الله بِه،.
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( فِي أَمْرِنَا هَذَا )) أي: في ديننا الإسلام.
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( مَا لَيْسَ فِيهِ )) أي: ما لا يُوجد في نُصوصه القُرآنيَّةِ والنَّبوية.
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( فَهُوَ رَدٌّ )) أي فحُكمه: أنَّه مردودٌ باطلٌ لا يُعتدُّ بِه، ولا يُقبلُ مِمَّن أحدَثَهُ أو عمِلَه.
وقال فقيه الشافعية أبو زكريا النَّووي ــ رحمه الله ــ عقب هذا الحديث:
قوله صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ ))، وفي الرِّواية الثانية: (( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ )).
قال أهل العربية: الرَّد هنا بمعنى المَردود، ومعناه: فهو باطل غير مُعتدّ بِه.
وهذا الحديث قاعدة عظيمة مِن قواعد الإسلام، وهو مِن جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، فإنَّه صريح في ردِّ كل البدع والمُخترعات.
وفي الرِّواية الثانية زيادة وهي:
أنَّه قد يُعانِد بعض الفاعِلين في بدعةٍ سُبِق إليها، فإذا احْتُجَّ عليه بالرِّواية الأولى يقول: "أنا ما أحدَثت شيئًا"، فيُحتَجُّ عليه بالثانية التي فيها التصريح بردِّ كل المحدَثات، سواء أحدَثها الفاعِل، أو سُبِق بإحداثِها.
وهذا الحديث ممَّا ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المُنكرات، وإشاعة الاستدلال به.اهـ
الأمر الثاني: أنَّ مَن خَطَر بباله وذِهنه أنَّ الفضل والبَرَكة تَحصل له بمسْح مَقام إبراهيم باليد أو الخِرَق أو بوضع الجبهة والخدين والصدر عليه فهو مِن جهالته وغفلته، وضعْف علمه، ونُقصان فهمه، لأنَّ الفضل والبرَكة إنَّما هي فيما وافق مِن الأعمال سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهَديه وعمله، أو وافق فِعل السَّلف الصالح مِن بعدِه، وعلى رأسهم أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ، وتلامذتهم مِن التابعين.
وفِعله صلى الله عليه وسلم خلْف مَقام إبراهيم ــ عليه السلام ــ، وفِعل أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ، وفِعل أئمة الهُدى مِن بعدهم، وأئمة المذاهب الأربعة المشهورة، وتلامذتهم، معروفٌ مشهور مسطور، وهو صلاة ركعتين خلفه بعد الانتهاء مِن كل سبعة أشواط تُطاف حول الكعبة، لم يَفعلوا غير ذلك، ولا نُقل عنهم سواه، بل نُقل عنهم الإنكار على مَن تمسَّح بِه وقبَّله، كما تقدَّم.
وقد قال الإمام ابن قيِّم الجوزيَّة ــ رحمه الله ــ في كتابه "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان" (1/ 212):
ولقد أنْكَر السَّلف التَّمَسُّح بحَجَر المَقام الذى أمَر الله تعالى أنْ يُتخذ مِنه مُصلَّى.اهـ

وكتبه:
عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.