تنبيهٌ وتحذيرٌ
حول رسالة «الجمعيات من وسائل الدعوة إلى الله»
لكاتبها: بن حنفية العابدين
الحمدُ لله وحدَه، والصلاةُ والسلامُ على من لا نبيّ بَعدَه، وعلى آله ومن اقتفَى أثرَه إلى يوم الدِّين، أَمَّا بعد:
فإنَّ الدعاةَ السالكين مذهبَ أهل السُّنَّة والجماعة، القائم منهجهم على الدعوة إلى الحق، وإلى الوحدة بالتوحيد، والاجتماع على الاتباع، وعقد الولاء والبراء لله ربّ العالمين، ومجانبة لسبل المخالفين، قد لاحظوا ـ في الآونةِ الأخيرةِ ـ تفعيلاً غيرَ مرغوب فيه على الساحة الدعوية من أحد المنتسبين إلى هذه الدعوة السلفيّة، وذلك من خلال نشاطه المستميت في تكريس مضامين رسالته الموسومة بـ: «الجمعيات من وسائل الدعوة إلى الله»! المتضمّنة تسويغ إقامة جمعيات حزبية، والنشاط تحت لوائها، وقد ساعده في ذلك ثلةٌ من أتباعه.
إن هذه الدعوة المخالفة في منهجها وانتمائها، فيها توجيه للشباب السلفي ـ تدريجيًّا ـ إلى اتخاذ مَقرَّات الجمعيات الإخوانية والجزأرية وسيلةً للدعوة إلى الله، وذلك بُغيةَ جَرِّهم إلى الانخراط في عضويتها والتحزّب تحت شعارها، وتكثير سوادها، وهي جمعيات حزبية معروفة بعدائها للمنهج السلفي، وتحمل شعاراً مُبايِناً لأهل السُّنَّة في معتقدهم، ومنافيًا للتوحيد ـ الحقّ ـ في مسلكهم، وأهدافا وغايات مفرِّقةً للجماعة في منهجهم، وهذا يتعارض مع أصل أهل السنة في وجوب موالاة أهل الحق، ومعادة أهل الأهواء والباطل.
وقد حاول الكاتبُ ـ هداه الله ـ ؛ التلبيسَ والتدليسَ على معظم شباب منطقته وغيرها من الجهات، بما تضمّنته رسالته من إجمال بلا تفصيل، وتفريع بلا تقعيد ولا تأصيل، ومن ذلك عدم التفريق بين التعاون الخيري الشرعي والتجمُّع الحزبي البدعي، والعمل بالقاعدة الميكافيلية المردودة شرعًا: «الغَايَةُ تُبَرِّرُ الوَسِيلَةَ»! وهذا منافٍ لقاعدة الشريعة: أنّ الوسائل تتبع المقاصد في أحكامها، فيعتبر خروجًا عن الصواب، وعدولاً عن الحق بلا ارتياب.
لذلك فإنَّ الدعاةَ السلفيين، وبناء على ما يمليه واجب التناصح والتواصي بالحق يحذّرون الشبابَ من مَغبَّة الانضمام إلى هذه الجمعيات الحزبية المتسترة تحت شعارات برّاقة، ويُدلُون بما يلي:
ـ إنّ عمومَ الجمعيات مهما كانت صفتُها، إذا عُقِدَ عليها الولاءُ والبراءُ، والحبُّ والعداءُ، أو اتخِذَت أقوالُ قادتِها ومُسَيِّرِيهَا أصولاً بلا دليلٍ، أو جُعلت آراء الجماعة قطعيَّةَ الثبوتِ مسلَّمة غيرَ قابلة للنقاش أو النقد، ونحو هذه المعاني، فهي ـ بهذا الاعتبار ـ جمعيةٌ حزبية ـ ولو وُسمت باسم الإسلام ـ ، وتعتبر مشاقَّة ومحادَّة لله ولرسوله ؛ لأنَّ محورَ الولاء والبراء هو الإيمان بالله ورسوله.
ـ إنّ التجمُّع الحزبي مقيتٌ، قد فَرَّقَ الأُمَّةَ شِيَعًا وأحزابًا، وما زادها إلاَّ خبالاً، على مَرِّ العصور وَكَرِّ الدُّهور، ودينُنا الحنيف أمرنا بالاجتماع على عقيدة التوحيد وعلى متابعة الرسول صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: 103]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159].
ـ وإذا كان التجمُّع الحزبيُّ غيرَ جائزٍ فإنَّه لا يمنع من التعاون الشرعي الأخوي المبني على البرِّ والتقوى والمنضبط بالكتاب والسُّنَّة، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، ويدخل تحت عموم الأمر بالتعاون الشرعي ما يقوم به الحاكمُ من تنظيم المسلمين على شكل هيئاتٍ رسميةٍ كالوزارات والمؤسَّسات والجمعيات ـ التي لا تحمل الطابعَ الحزبيَّ ـ على اختلاف مهامّها وأعمالها، مما يخصُّ الحياةَ الدينيةَ والدنيويةَ، كالجمعيات ذات الطابع المهني أو الخيري، فهذا كلّه لا تتناوله النصوصُ التي تَذُمُّ الخروجَ عن وحدة الأُمَّة المأمور بها، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52].
وفي الختام، ندعو الشباب إلى التمسّك بكتاب الله وسنة رسوله، والسير على نهج السلف الصالح، ومن سلك سبيلهم، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ونسأل الله تعالى أن يُبَصِّرَنا بأمر ديننا، ويرزقنا الاعتصام بحبله المتين، ويُعينَنا على التعاون على البرِّ والتقوى، والتواصي بالحقِّ، والتواصي بالصبر، إنه وَلِيُّ ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصَلَّى الله على محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.
الجزائر في: 27 جمادى الأولى 1431ﻫ
الموافق لـ: 12 مايو 2010م