مقال رحيل شبيه زايد الشيخ أحمد بن محمد الشحي

رحيل شبيه زايد
الأربعاء 12 جويلية 2017    الموافق لـ : 17 شوال 1438

من نعم الله تعالى على دول الخليج نعمة القادة الحكماء الأوفياء الذين حملوا همَّ إسعاد شعوبهم، وعملوا على راحتهم ورفاهيتهم، وحرصوا على أمنهم واستقرارهم، وبذلوا في ذلك الغالي والنفيس، حتى أحبتهم القلوب، وبكت على فراقهم العيون، وتحدثت بمآثرهم الألسنة، وترسخت ذكراهم في الوجدان والأفئدة، ومن هؤلاء الزعماء الكبار والقادة الأفذاذ خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، الذي رزئت الأمة الإسلامية والعربية بفقدانه، بل رزئ العالم كله بفقدان قائد فذ حرص على ترسيخ القيم الحضارية والمثل العليا وإرساء دعائم السلام والاستقرار.

 

لقد أنجبت الجزيرة العربية في العصر الحديث كسالف عهدها في عصور، عدة رجالاً قل لهم نظير، كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، أحد أبرز هذه الرموز العملاقة التي لا تنساها أرض الجزيرة ولا ينساها التاريخ، فقد كانت بصماته المتميزة متجسدة في كافة الميادين والصعد، تنطق بالمعدن الفريد لهذا الرجل العملاق، ومن هؤلاء الرموز أيضاً الملك عبدالله، رحمه الله، الذي اجتمع مع زايد الخير في صفات نبيلة كثيرة، ومواقف مشرقة عدة، فكلاهما تميز بصفات فريدة من الحكمة والعقل والاتزان وبعد النظر والتفاني وإنكار الذات وتغليب المصالح العامة وغيرها.

 

وكلاهما تميز بالحس الوطني الرفيع، والحرص على وطنه، وبذل الجهود الحثيثة لتطوره وازدهاره والارتقاء به في مختلف المجالات، وكلاهما بذل نفسه لشعبه، فسهر على راحتهم وسعادتهم، واهتم بتوفير الحياة الكريمة لهم، وقام بدعم المؤسسات والوزارات لتحقق أفضل الإنجازات، وأقام المشاريع المختلفة لتحقيق تنمية مزدهرة مستدامة.

 

وكلاهما رجل أمة، فقد عُرِف عنهما العناية الفائقة بقضايا الأمة العربية والإسلامية، والحرص الشديد على تصافي القلوب، ووحدة الكلمة، وتعميق الروابط الأخوية، والتفاني في سبيل استقرار الوطن العربي، وقد شهدت الأحداث الأخيرة دلائل واضحة كثيرة على ذلك، من أبرزها وقوف الملك عبدالله، رحمه الله، مع إخوانه وأبنائه في مصر الشقيقة، ومساهمته الفاعلة بكل ما يستطيع لدعمها ودعم استقرارها لتعود في موضع الريادة والصدارة، كما حرص كلا الزعيمين على تقريب وجهات النظر وإزالة الخلافات بين الفرقاء، فقد دعا الملك عبدالله، رحمه الله، الفلسطينيين إلى مؤتمر مكة لحل المشاكل بينهم وإنشاء حكومة وحدة وطنية فلسطينية، كما دعا القادة السياسيين العراقيين للاجتماع والتشاور في الرياض لحل أزمة تشكيل الحكومة العراقية، كما تم برعايته توقيع اتفاقية للمصالحة بين الفصائل الصومالية المتحاربة، كما حرص جاهداً على رأب الصدع في سوريا وإطفاء نار الصراع فيها بحسب المستطاع.

 

وكلا الرجلين رجل حكمة وحنكة وسعة صدر وبعد نظر، وذلك بحسن معالجة القضايا والمشكلات، وقد كانت جهودهما بارزة في المحافظة على وحدة دول الخليج وتوطيد العلاقات الطيبة بينها، ومن ذلك مبادرات الملك عبدالله، رحمه الله، الأخيرة التي كانت سبباً في المحافظة على وحدة دول الخليج من جهة، وعلى العلاقة الوطيدة بين دول الخليج ومصر الشقيقة من جهة أخرى.

 

وكلا الرجلين رجل خير وإحسان وبذل وعطاء، وقد شهد لهما القاصي والداني بالمواقف الإنسانية العديدة والأيادي البيضاء الممتدة شرقاً وغرباً، بما قدماه من يد العون والمساعدة إلى الإخوة والأشقاء والمحتاجين والمنكوبين في كل مكان.

 

وكلاهما رجل حضارة وسلام، فقد أرسيا سياسة خارجية رصينة، وحرصا على تكوين الصداقات وتوطيد العلاقات مع دول العالم، وساهما في عمليات السلام والاستقرار، وترسيخ مبدأ الحوار البناء المثمر.

 

وكلاهما رجل حزم وعزم، فقد كان موقفهما من الإرهاب واضحاً صريحاً، حيث أكدا خطورة هذا الداء العضال، وأدانا مختلف الجرائم الإرهابية، كما أكدا من هذا المنطلق على دور العلماء المعتدلين في استنقاذ الشباب من الأيادي العابثة، ومسؤوليتهم في إظهار الصورة الناصعة المشرقة للدين الإسلامي الحنيف وتفنيد شبهات الإرهاب والتطرف، والحرص على ضبط الفتوى وإرجاعها إلى أهل الخبرة والاختصاص.

 

وكلاهما بذل الغالي والنفيس لخدمة دينه، فها هو جامع الشيخ زايد الكبير قد أشيد بتوجيهات الشيخ زايد، رحمه الله، ليكون رابع أكبر مسجد في العالم من حيث المساحة الكلية، وها هما الحرمان الشريفان يشهدان بتوجيهات الملك عبدالله، رحمه الله، أكبر توسعة لهما عبر التاريخ، في مشروع من أضخم المشاريع الإنشائية والحضارية على مستوى العالم.

 

إن المصاب وإن كان جللاً فمن فضل الله تعالى على الإنسان أن يجد ما يسليه بما يخلفه الله جل وعلا عليه، وهذا ما حصل عند وفاة الشيخ زايد والملك عبدالله، رحمهما الله تعالى، فقد أخلفنا الله بالشيخ خليفة ونائبه وولي عهده، كما أخلفهم الله تعالى بالملك سلمان وولي عهده وولي ولي عهده، حفظهم الله جميعاً وبارك فيهم.

 

وأخيراً، فإننا نعزي الأمة الإسلامية والعربية في وفاة المغفور له بإذن الله الملك عبدالله، رحمه الله، ونواسي إخواننا الأشقاء في المملكة العربية السعودية في هذا المصاب الجلل، ونتمنى لهم دوام الخير والسداد والتوفيق.