مقال مناقشة «الدكتور ابن بيه» في فتوى التهنئة بأعياد غير المسلمين ومخالفته إجماع العلماء الشيخ أحمد بن محمد الشحي

مناقشة «الدكتور ابن بيه» في فتوى التهنئة بأعياد غير المسلمين ومخالفته إجماع العلماء
الأربعاء 12 جويلية 2017    الموافق لـ : 17 شوال 1438

بسم الله الرحمن الرحيم،

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن الدين الإسلامي الحنيف أتى لتحقيق المصالح ودرء المفاسد، ونظَّم العلاقات الإنسانية أحسن تنظيم، وأقام التسامح على أكمل وجه بما يحقق جملة المصالح الكبرى التي جاءت الشريعة لتحقيقها، وبنى علاقة المسلمين مع غيرهم على قواعد ربانية كاملة، نذكر منها قاعدتين جليلتين يقتضيهما المقام وهما:

 

القاعدة الأولى: حماية حياض الدين وحراسة جناب التوحيد وحفظ عقيدة المسلمين من المعتقدات المنحرفة والأفكار الدخيلة، فقد اتفق السادة العلماء على أن حفظ الدين من الضروريات الخمس ومن المقاصد الشرعية الكبرى.

 

القاعدة الثانية: البر والإحسان والقسط إلى غير المسلمين الذين كفوا أيديهم وألسنتهم عن أذى المسلمين أو قتالهم.

 

ولذلك فإنه ليس من موالاة الكفار: الإحسان إليهم والبر بهم وحسن الخلق معهم، بل ذلك مما يحبه الله ويرضاه، كما أن الإحسان إليهم لا يعني: الإقرار بمعتقداتهم الفاسدة وأديانهم المنحرفة أو المشاركة في مواسمهم الدينية الباطلة، فإن الدين عند الله الإسلام، والشرعُ ما شرعه الله سبحانه على لسان نبيه الكريم ﷺ.

 

ومن الآيات التي جمعت هاتين القاعدتين سورة الممتحنة.

 

يقول الله تعالى في الآية الرابعة منها: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾.

 

ويقول سبحانه وتعالى في الآية الثامنة: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.

 

وقد بيَّن علماء الشرع وأئمة الدين الفرق بين البابين؛ ليتمايز طريق البر المحمود من الموالاة المذمومة، فيكون المؤمن على نور وبصيرة، يفعل ما يحبه الله ويرضاه، ويجتنب ما يبغضه الله ويسخطه.

 

ولذلك عقد العلامة القرافي في كتابه (الفروق) فصلا في بيان الفرق بين الأمر ببر أهل الذمة والنهي عن التودد إليهم، ومن جملة ما قال فيه:

 

"يتعين برهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على مودات القلوب ولا تعظيم شعائر الكفر، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع، وصار من قبيل ما نُهي عنه".

 

وتحقيقا لهذا المعنى اتفق السادة العلماء على النهي على موافقة الكفار على أعيادهم بما في ذلك ما يسمى بعيد الميلاد الذي هو من أعياد النصارى والذي يحتفلون به ويعتقدون فيه أن المسيح عليه السلام ابن الله ويجعلونه إلها مع الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

 

فليس من التسامح المشروع تهنئتهم بهذه الأعياد، بل التسامح المشروع مع غير المسلمين هو في البر والإحسان وحسن الخلق والمعاملة الجميلة مع الاستمساك بالدين والعقيدة ودعوتهم إلى الخير، يقول نبينا ﷺ:"قال الله تعالى: كذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا".

 

وبعد هذه المقدمة أقول:

 

أصدر الدكتور عبد الله بن بيه فتاوى بجواز تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، ذكر فيها أن المسألة محل خلاف بين العلماء، وأن الشيخ تقي الدين ابن تيمية اختار الجواز للمصلحة، وأن ذلك رواية في مذهب الإمام أحمد، وأنه هو الصواب كما زعم.

 

وأقول تعقيبا على ذلك:

 

إن الدكتور ابن بيه لم يوفق في فتواه المذكورة من وجهين:

 

الوجه الأول: أن ما ادعاه من كون مسألة تهنئة غير المسلمين بأعيادهم محل خلاف بين العلماء ادعاءٌ غير صحيح، فقد تضافرت أقوال أتباع المذاهب الأربعة على نقل الإجماع والاتفاق على المنع من موافقة الكفار على أعيادهم أو إعانتهم عليها بما في ذلك التهنئة.

 

فمن أقوال السادة المالكية:

 

قول الإمام مالك رحمه الله: "يكره الركوب معهم في السفن التي يركبونها؛ لأجل أعيادهم لنزول السخطة واللعنة عليهم".

 

وسئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم، فكره ذلك، مخافة نزول السخطة عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه.

 

ويقول عبد الملك بن حبيب من أئمة المالكية:"لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئا من مصلحة عيدهم، لا لحما ولا إداما ولا ثوبا ولا يعارون دابة ولا يعانونعلى شيء من دينهم؛ لأن ذلك من التعظيم لشركهم وعونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره، لم أعلم أحدا اختلف في ذلك".

 

بل قال بعض أصحاب الإمام مالك رحمه الله: من كسر يوم النيروز بطيخة فكأنما ذبح خنزيرا.

 

ومن أقوال السادة الحنفية:

 

قول العلامة علاء الدين ابن الحصكفي في (الدر المختار): "والإعطاء باسم النيروز والمهرجان لا يجوز، أي الهدايا باسم هذين اليومين حرام، وإن قصد تعظيمه كما يعظمه المشركون يكفر".

 

وقول ابن التركماني: "قد أجمع الأئمة على ما شرط عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسائر الصحابة أن أهل الكتاب لا يظهرون أعيادهم وشعائرهم في بلاد المسلمين، فإذا منعهم الشرع فمن لم ينكر عليهم في إظهار ذلك وشاركهم في شيء من أفعالهم أو ساعدهم بإعارة شيء أو كثَّر سوادهم حُشِر معهم".

 

ولذلك يقول:"ومن البدعة أيضا والخزي والبعاد ما يفعله المسلمون في نيروز النصارى ومواسمهم والأعياد من توسع النفقة، وهذه النفقة غير مخلوفة، وسيعود شرها على المنفق في العاجل والآجل، كتكثير الزلابية وكسر البطيخ والتغالي في ألونة الطبيخ وكصبغ البيض ونشر البخور، ومجموع ذلك لا يرضي المولى الغفور، ويخاف على من وسع في هذه الأوقات النفقات أن يضيق الله تعالى عليه القبور، وأن لا يسلمه من أهوال النشور، لتشبهه بهؤلاء الطوائف ... وقد جاء في الأخبار المتواترة من أحب قوما وتشبه بهم حشر معهم في الآخرة" إلخ.

 

ومما جاء عن السادة الشافعية:

 

قولهم: "يُعزَّرُ من وافق الكفار في أعيادهم"، نص على ذلك الدميري في (النجم الوهاج) والخطيب الشربيني في (مغني المحتاج) وأبو زكريا الأنصاري في (أسنى المطالب) وغيرهم.

 

وتمام كلامهم: " يُعزَّر من وافق الكفار في أعيادهم، ومن يمسك الحية، ومن يدخل النار، ومن قال لذمي: يا حاج، ومن هنَّأه بعيد".

 

ولذلك يقول جلال الدين السيوطي: "النهي عن التشبه بالكافرين: ومن ذلك أعياد اليهود أو غيرهم من الكافرين ... لا ينبغي للمسلم أن يتشبه بهم في شيء من ذلك، ولا يوافقهم عليه، قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾".

 

إلى أن يقول رحمه الله: "وقد شرط عليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا يظهروا أعيادهم في بلاد المسلمين، فإذا كانوا ممنوعين من إظهار أعيادهم في بلادنا فكيف يسع المسلم فعلها؟! هذا مما يقوي طمعهم وقلوبهم في إظهارها، وإنما منعوا من ذلك لما فيه من الفساد، إما لأنه معصية وإما لأنه شعار الكفر،والمسلم ممنوع من ذلك كله".

 

إلى أن يقول: "واعلم أنه لم يكن على عهد السلف السابقين من المسلمين من يشاركهم في شيء من ذلك، فالمؤمن حقا هو السالك طريق السلف الصالحين، المقتفي لآثار نبيه سيد المرسلين، المقتدي بمن أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه إنه جواد كريم".

 

ويقول شمس الدين الذهبي:"وقد جاء عن جماعة من السلف كمُجاهد وغيره في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ): الزُّور: أعياد المشركين، وقال النبي ﷺ: (إنَّ لكل قوم عيدًا، وإن عيدنا هذا اليوم)، فهذا القول منه عليه الصلاة والسلام يوجب اختصاص كل قوم بعيدهم كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾، فإذا كان للنصارى عيدٌ ولليهود عيد كانوا مختصين به، فلا يشركهم فيه مسلم كما لا يُشاركهم في شرعتهم ولا في قبلتهم".

 

إلى أن يقول:"ومن المعلوم أن في شروط عمر رضي الله عنه أن أهل الذمة لا يظهرون أعيادهم، واتفق المسلمون على ذلك".

 

ويقول:"وفي مُشابهتهم من المفاسد أيضا: أنَّ أولاد المسلمين تنشأ على حُب هذه الأعيادِ الكُفريَّة؛ لما يُصنعُ لهم فيها من الرَّاحات والكسوةِ والأطعمةِ وخُبزِ الأقراص, وغير ذلك، فبئس المربِّي أنت أيُّها المسلم إذا لم تَنْه أهلك وأولادك عن ذلك, وتعرِّفهم أن ذلك عند النصارى, لا يحل لنا أن نشاركَهم ونشابههم فيها".

 

ويقول:"وقد رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه, قال: (لا تتعلموا رَطَانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإنَّ السخط ينول عليهم)، فينبغي لكل مسلم أن يتجنب أعيادهم ويصون نفسه وحريمه وأولاده عن ذلك إن كان يؤمن بالله واليوم الآخر".

 

ويقول:"قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، قال العلماء: ومن موالاتهم التشبُّه بهم، وإظهارُ أعيادهم، وهم مأمورون بإخفائها في بلاد المسلمين، فإذا فعلها المسلم معهم فقد أعانهم على إظهارها".

 

ويقول:"وقد مدح الله مَنْ لا يشهد أعياد الكافرين ولا يحضرُها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، فمفهومه أنَّ من يشهدها ويحضرها يكون مذموما ممقوتا؛ لأنه يشهد المنكر ولا يُمكنه أن ينكره، وقد قال النبي ﷺ: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، وأيُّ منكر أعظم من مشاركة اليهود والنصارى في أعيادهم ومواسمهم".

 

ومما جاء عن السادة الحنابلة:

 

قول العلامة ابن قدامة المقدسي رحمه الله:"ويُمنعون من إظهار المنكر كالخمر والخنزير وضرب الناقوس ورفع أصواتهم بكتابهم وإظهار أعيادهم وصلبهم".

 

ويقول منصور البهوتي:"ويحرم كل ما فيه تخصيص كعيدهم وتمييز لهم، وهو من التشبه بهم, والتشبه بهم منهي عنه إجماعا للخبر، وتجب عقوبة فاعله".

 

ويقول ابن الجوزي فيمن فعل كالكفار في عيدهم: اتفقوا على إنكاره, وأوجبوا عقوبة من يفعله.

 

ويقول ابن القيم: "لا يجوز للمسلمين ممالأتهم على أعيادهم ولا مساعدتهم ولا الحضور معهم باتفاق أهل العلم الذين هم أهله، وقد صرح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة في كتبهم".

 

وسيأتي مزيد من هذه النصوص عند مناقشة الدكتور في الوجه الثاني.

 

فهذه جملة من أقوال الفقهاء تتضمن نقل الاتفاق والإجماع على الشروط العمرية التي منها منع الكفار من إظهار أعيادهم في بلاد المسلمين فكيف يسوغ بعد ذلك تهنئتهم عليها؟!! ولذلك جاء في بعض هذه النقولات المنع من التهنئة تنصيصا.

 

الوجه الثاني: أن ما نسبه الدكتور ابن بيه إلى الشيخ تقي الدين ابن تيمية من جواز تهنئة الكفار بأعيادهم والادعاء بأنه رواية في مذهب الإمام أحمد أمر غير صحيح.

 

فكلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية وغيره من فقهاء المذاهب الأربعة في التشديد في هذا الباب أشهر من نار على علم، وكتاب (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) للشيخ تقي الدين مليء بتقرير ذلك وهو كتاب مشهور معروف، بل الدكتور نفسه نسب إلى الشيخ تقي الدين في موضع آخر التشديد في مسألة أعياد المشركين وأهل الكتاب والمشاركة فيها، كما في كتابه (صناعة الفتوى وفقه الأقليات).

 

أن ما استند عليه الدكتور في نسبة جواز التهنئة إلى الشيخ تقي الدين ومذهب الحنابلة هو استدلال في غير موضعه قطعا، فإن عبارة العلامة المرداوي وغيره من فقهاء الحنابلة والتي استند إليها الدكتور وهي قولهم:"وفي تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم روايتان" إنما يعنون بها التهنئة في أمور الدنيا ومناسباتها، وقد أجاز الشيخ تقي الدين ذلك لمصلحة راجحة كرجاء إسلامه.

 

فهذا القدر - أي: تهنئة الكفار في الأمور الدنيوية - هو الذي اختلف فيه العلماء، فمِن مجيزٍ ومن مانع، وأما التهنئة بالشعائر الدينية بما في ذلك الأعياد فهي ممنوعة عند الفقهاء بالاتفاق، وقد ذكرنا جملة من أقوالهم فيما سبق، وكلام الشيخ تقي الدين صريح في ذلك في مواضع عدة من مؤلفاته بما هو مشهور لا يخفى، ومن العجب أن يكون ذلك خافيا على الدكتور.

 

يقطع بذلك تماما أن هذه العبارة متبوعة بما يوضحها بما لا يحتاج إلى نقاش، ففي (الإقناع) للعلامة موسى الحجاوي قوله:"وعنه: تجوز العيادة إن رجي إسلامه فيعرضه عليه، واختاره الشيخ وغيره، وقال (أي الشيخ تقي الدين): ويحرم شهود عيد اليهود والنصارى، وبيعه لهم فيه، ومهاداتهم لعيدهم، ويحرم بيعهم ما يعملونه كنيسة أو تمثالا ونحوه وكل ما فيه تخصيص لعيدهم وتمييز لهم وهو من التشبه بهم، والتشبه بهم منهي عنه إجماعا، وتجب عقوبة فاعله".

 

ولفظه في (الاختيارات الفقهية): "لا أعلم خلافا أنه من التشبه بهم، والتشبه بهم منهيٌّ عنه إجماعا".

 

فكيف يسوغ بعد هذا البيان الواضح أن يقال: إن الشيخ تقي الدين يجيز تهنئة الكفار بأعيادهم؟!!

 

وها هو الشيخ شمس الدين ابن القيم وهو من أشهر تلاميذ الشيخ تقي الدين يبين الأمر بما لا مزيد عليه حيث يقول مبيِّنا الفرق بين النوعين النوع محل الخلاف والنوع المتفق عليه فيقول:"فصلٌ: في تهنئتهم بزوجة أو ولد أو قدوم غائب أو عافية أو سلامة من مكروه ونحو ذلك، وقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد فأباحها مرة ومنعها أخرى، والكلام فيها كالكلام في التعزية والعيادة ولا فرق بينهما".

 

ثم يقول:"وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق مثل: أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك، أو: تَهنَأ بهذا العيد ونحوه؛ فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثما عند الله وأشد مقتا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه".

 

فأيُّ بيان أوضح من هذا ليعلم الدكتور أن الأمر ليس كما ذكره، وأن التهنئة التي هي محل خلاف هي في أمور الدنيا، وأما التهنئة بالشعائر والأعياد فهي ممنوعة باتفاق الفقهاء.

 

وحينئذ فلا تناقض بين كلام الشيخ تقي الدين في كتاب (الاقتضاء) وكلامه في (الاختيارات)، وأما الدكتور فقد ضرب الكلامين ببعضهما وجعلهما متعارضين حتى قال: "مشكلة الناس أنهم يقرؤون (اقتضاء الصراط المستقيم) ولا يقرؤون (اختيارات ابن تيمية)".

 

أن أقوال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في هذا الباب واضحة كالشمس.

 

فمن ذلك قوله:"وهذا يوجب العلم اليقيني بأن إمام المتقين ﷺ كان يمنع أمته منعا قويا عن أعياد الكفار، ويسعى في دروسها وطمسها بكل سبيل، وليس في إقرار أهل الكتاب على دينهم إبقاءٌ لشيء من أعيادهم في حق أمته .. بل قد بالغ ﷺ في أمر أمته بمخالفتهم في كثير من المباحات وصفات الطاعات؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى موافقتهم في غير ذلك من أمورهم، ولتكون المخالفة في ذلك حاجزا ومانعا عن سائر أمورهم" إلخ.

 

فكيف يقال بعد هذا الكلام بأن الشيخ تقي الدين يجيز تهنئة الكفار بأعيادهم؟!!

 

ومن ذلك قول الشيخ تقي الدين أيضا في (الفتاوى المصرية):" وليس لأهل الذمة إظهار شيء من شعار دينهم في ديار المسلمين لا في أوقات الاستسقاء ولا في مجيء النوائب، ويُمنعون من إظهار التوراة، ولا يرفعون أصواتهم بالقراءة وصلاتهم، وعلى ولي الأمر منعهم من ذلك، وليس الخميس من أعياد المسلمين، بل هو من أعياد النصارى كعيد الميلاد وعيد الغطاس، لكل أمة قبلة، وليس لأهل الذمة أن يعينوهم على أعيادهم في بلاد المسلمين، وليس للمسلمين أن يعينوهم على أعيادهم، لا يبيع ما يستعينون به على عيدهم، ولا بإجارة دوابهم ليركبوها في عيدهم؛ لأن أعيادهم مما حرمه الله تعالى ورسوله ﷺ لما فيها من الكفر والفسوق والعصيان، وأما إذا فعل المسلمون معهم أعيادهم مثل صبغ البيض وتحمير دوابهم بمُغْرَة وبخور وتوسيع النفقات وعمل طعام فهذا أظهر من أن يحتاج إلى سؤال".

 

وأخيرا فهذه أقوال السادة الفقهاء من أئمة المذاهب الأربعة واتفاقهم وهذه أقوال الشيخ تقي الدين ابن تيمية فأين منها الدكتور ابن بيه؟!

 

وهذه كتب الفقهاء في متناول الأيدي وهم الذين ضربوا أروع الأمثلة في بيان صور التسامح مع غير المسلمين والمتمثلة في حسن الخلق والإحسان والبر وغير ذلك من الأمور المشروعة، فليأتنا الدكتور بنص واحد عن أحدهم بجواز تهنئة الكفار في أعيادهم، بل لعله لم يخطر لهم على بال أن يفتي أحد بجواز تهنئة النصارى على عيد الميلاد وهو قائم على تأليه المسيح عليه السلام وعلى إظهار شعائرهم الدينية من الصلبان وغيره.

 

نسأل المولى سبحانه وتعالى أن يفتح قلوبنا ونفوسنا لما يحب ويرضى، وأن يأخذ بأيدينا إلى البر والتقوى، وأن يقربنا عنده زلفى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.