الباب الأول ـ في المصيبة وحقيقتها وما أعد الله لمسترجعها
قال الله تعالى: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نعم العدلان ونعمت العلاوة.
{أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} الآية.
ذكره البخاري تعليقاً.
وقال تعالى: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} .
قال علقمة وجماعة من المفسرين: هي المصائب تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم والآيات في هذا الباب كثيرة.
قال أهل اللغة: يقال مصيبة ومصابة ومصوبة.
قالوا: وحقيقته الأمر المكروه يحل بالإنسان.
وقال القرطبي: المصيبة كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه.
يقال: أصابه إصابة ومصابة وصابة.
والمصيبة واحدة المصائب.
والمصوبة بضم الصاد مثل المصيبة.
وأجمعت العرب على همز المصائب، وأصله الواو، وكأنهم شبهوا الأصل بالزائد، ويجمع على مصاوب، وهو الأصل، وعلى مصائب.
والمصاب: الإصابة.
قال الشاعر:
أسليم إن مصابكم رجلاً ... أهدى السلام تحيةً ظلم
وصاب السهم القرطاس يصيبه صيباً: لغة في أصابه.
الإنسان وإن صغرت، وتستعمل في الشر.
و «روى عكرمة مرسلاً: إن مصباح النبي صلى الله عليه وسلم انطفأ ذات ليلة، فقال: {إنا لله وإنا إليه راجعون} ، فقيل: أمصيبة هي يا رسول الله؟ قال: نعم! كل ما آذى فهو مصيبة» .
وفي صحيح مسلم «من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ـ رضي الله عنهما ـ أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن، حتى الهم يهمه، إلا كفر الله به من سيئاته» .
والوصب: المرض ـ والنصب: التعب.
وفي الصحيحين «عن عروة، عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله عز وجل بها عنه حتى الشوكة يشاكها» .
وقال الإمام أحمد: «ثنا يونس، ثنا ليث ـ يعني ابن سعد ـ، عن يزيد ابن عبد الله، عن عمرو، بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أم سلمة، قالت: أتاني أبو سلمة يوماً من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً سررت به، قال: لا تصيب أحداً من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم اؤجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلا فعل ذلك به.
قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه فلما توفي أبو سلمة استرجعت في مصيبتي وقلت: اللهم اؤجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منه ـ وفي لفظ: خيراً منها ـ ثم رجعت إلى نفسي وقلت: من أين خير لي من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدتي، استأذن علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أدبغ إهاباً لي، فغسلت يدي من القرظ وأذنت له، فوضعت له وسادة من أدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله، ما بي أن لا تكون بك الرغبة، ولكني امرأة في غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئاً يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال، فقال: أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها الله عز وجل عنك، وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل ما أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي، قالت: فقد سلمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فتزوجها رسول الله» ، فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيراً منه: رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد روي هذا الحديث بعدة طرق في الصحاح والمسانيد، وسيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى.
فصل ـ في كلمة " إنا لله وإنا إليه راجعون "
وقد جعل الله كلمات الإسترجاع ـ وهي قول المصاب: {إنا لله وإنا إليه راجعون} ملجأً وملاذاً لذوي المصائب، وعظمةً للممتحنين من الشيطان، لئلا يتسلط على المصاب فيوسوس له بالأفكار الرديئة، فيهيج ما سكن، ويظهر ما كمن، فإذا لجأ إلى هذه الكلمات الجامعات لمعاني الخير والبركة، فإن قوله: {إنا لله} توحيد وإقرار بالعبودية والملك، وقوله {وإنا إليه راجعون} إقرار بأن الله يهلكنا ثم يبعثنا، فهو إيمان بالبعث بعد الموت وهو إيمان أيضاً بأن له الحكم في الأولى وله المرجع في الأخرى، فهو من اليقين، إن الأمر كله لله فلا ملجأ منه إلا إليه.
وروى مسلم في صحيحه من «حديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: {إنا لله وإنا إليه راجعون} ، اللهم اؤجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها» الحديث.
وروى مسلم أيضاً عن «أم سلمة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا حضرتم المريض أو الميت، فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، قالت: فلما مات أبو سلمة أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن أبا سلمة قد مات.
قال: قولي اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة» .
فقلت، فأعقبني الله من هو خير لي منه: محمداً صلى الله عليه وسلم.
هكذا روي بالشك: إذا حضرتم المريض أو الميت هذا لفظ مسلم.
وقد تقدم معنى هذا الحديث من طريق أخرى، «عن ابن سفينة مولى أم سلمة، عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة
فيقول: {إنا لله وإنا إليه راجعون} ، اللهم اؤجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها» ، قالت: فلما توفي أبو سلمة، قلت: من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ثم عزم لي فقلتها، فتزوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى مسلم نحوه من حديث سعد بن سعيد الأنصاري، أخي يحيى ابن سعيد، عن عمر بن كثير عن ابن سفينة، فذكر نحوه.
والمقصود: أن هذا تنبيه على قوله تعالى: {وبشر الصابرين} ، إما بالخلف، كما أخلف الله تعالى لأم سلمة، بدل زوجها أبي سلمة، رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين تبعت السنة، وقالت ما أمرت به ممتثلة طائعة، إن البر ـ له ـ والخير فيما قاله الله ورسوله، وإن الضلال والشقاء في مخالفة الله ورسوله، فلما علمت ـ رضي الله عنها ـ أن كل خير في الوجود، إما عام وإما خاص، فهو من جهة الله ورسوله، وأن كل شر في العالم، أو كل شر مختص بالعبد، فسببه مخالفة الله ورسوله، فلما قالت هذه الكلمات، حصل لها مرافقة الرسول في الدنيا والآخرة.
وقد يحصل العبد بكلمات الاسترجاع منزلة عالية وثواباً جزيلاً، كما في «حديث أبي موسى، وسيأتي ذكره، وفيه: فيقول الله تعالى لملائكته: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تبارك: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد» .
وقد تقدم الاسترجاع في المصيبة وأن قائله، عليه الصلوات من ربه والرحمة، وهو من المهتدين.
وقول عمر: نعم العدلان ونعمت العلاوة، وأنه أراد بالعدلين الصلوات، والرحمة، وبالعلاوة الهداية، والله أعلم.
وقيل: المراد استحقاق الثواب، وتسهيل المصاب، وتخفيف الحزن، {أولئك عليهم صلوات من ربهم} ، فالصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدمي التضرع والدعاء.
وقال أبو العالية: صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء.
وظاهر الآية ـ والله أعلم ـ أن الصلاة من الله غير الرحمة، فإنه تعالى عطف الرحمة على الصلاة فعلم التغاير.
فصل ـ في تسلية أهل المصائب بالعلاج الإلهي والنبوي
فالإلهي: قوله تعالى: {وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} وآيات الصبر كثيرة جداً.
والنبوي، «قوله صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به: {إنا لله وإنا إليه راجعون} اللهم اؤجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها، إلا آجره الله في مصيبته وأخلف الله له خيراً منها» ، وقد تقدم.
وأمثال ذلك من الأحاديث.
وقد تضمنت هذه الكلمة: {إنا لله وإنا إليه راجعون} علاجاً من الله ورسوله لأهل المصائب.
فإنها من أبلغ علاج المصائب وأنفعه للعبد في عاجله وآجله، فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتهما وتسلى عن مصيبته.
أحد الأصلين: أن يتحقق العبد أن نفسه وأهله وماله وولده ملك لله عز وجل حقيقةً، وقد جعله الله عند العبد عارية فإذا أخذه منه فهو كالمعير يأخذ عاريته من المستعير، وأيضاً: فإنه محفوف بعدمين عدم قبله وعدم بعده، وملك العبد له متعة معارة في زمن يسير، وأيضاً: فإنه ليس هو الذي أوجده من عدم، حتى يكون ملكه حقيقةً ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده فليس له فيه تأثير ولا ملك حقيقي.
وأيضاً فإنه متصرف فيه بالأمر، تصرف العبد المأمور المنهي، لا تصرف الملاك، ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه الحقيقي.
والثاني: أن مصير العبد ومرجعه الى الله مولاه الحق، ولابد أن يخلف الدنيا وراء ظهره، ويأتي ربه يوم القيامة فرداً، كما خلقه أول مرة، بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن يأتيه بالحسنات والسيئات.
فإذا كانت هذه بداية العبد وما خوله، ونهايته وحاله فيه
فكيف يفرح العبد بولد أو مال أو غير ذلك من متاع الدنيا؟ .
أم كيف يأسى على مفقود؟ ففكرة العبد في بدايته ونهايته من أعظم علاج المصائب، ومن علاجه أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
قال تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير* لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور} ، ومن تأمل هذه الآية الكريمة وجد فيها شفاء أو دواء المصائب.
وكل ما ذكرناه في هذا الفصل، فهو في هذه الآية، فتدبر ذلك.
فصل: في النظر في كتاب الله تعالى وسنة رسوله
ومن تسلية أهل المصائب: أن ينظر المصاب في كتاب الله وسنة رسول الله، فيجد أن الله تعالى أعطى ـ لمن صبر ورضي ـ ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة، وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هي.
ومن أنفع الأمور للمصاب: أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب، وليعلم أنه في كل قرية ومدينة بل في كل بيت من أصيب، فمنهم من أصيب مرةً، ومنهم من أصيب مراراً، وليس ذلك بمنقطع حتى يأتي على جميع أهل البيت، حتى نفس المصاب، فيصاب، أسوة بأمثاله ممن تقدمه، فإنه إن نظر يمنةً فلا يرى إلا محنةً، وإن نظر يسرةً فلا يرى إلا حسرةً.
وذكر أبو الفرج بن الجوزي بإسناده عن عبد الله بن زياد، قال: حدثني بعض من قرأ في الكتب: أن ذا القرنين، لما رجع من مشارق الأرض، ومغاربها، وبلغ أرض بابل، مرض مرضاً شديداً، فلما أشفق أن يموت، كتب إلى أمه: يا أماه، اصنعي طعاماً، واجمعي من قدرت عليه، ولا يأكل طعامك من أصيب بمصيبة، واعلمي هل وجدت لشيء قراراً باقياً، وخيالاً دائماً؟ ! إني قد علمت يقيناً، أنالذي أذهب إليه خير من مكاني، قال: فلما وصل كتابه، صنعت طعاماً، وجمعت الناس، وقالت: لا يأكل هذا من أصيب بمصيبة، فلم يأكلوا، فعلمت ما أراد، فقالت: من يبلغك عني أنك وعظتني فاتعظت، وعزيتني فتعزيت، فعليك السلام حياً وميتاً.
فإذا علم المصاب أنه لو فتش العالم، لم ير فيهم إلا مبتلى، إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، فسرور الدنيا أحلام نوم، أو كظل زائل، إن أضحكت قليلا أبكت كثيراً، وإن سرت يوماً ساءت دهراً، وإن متعت قليلاً منعت طويلاً، وما ملأت داراً حبرةً إلا ملأتها عبرةً وما حصلت للشخص في يوم سروراً، إلا خبأت له في يوم شروراً.
قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: لكل فرحة ترحة، وما ملىء بيت فرحاً إلا ملىء ترحاً.
وقال ابن سيرين: ما كان ضحك قط إلا كان بعده بكاء.
فليعلم العبد أن فوت ثواب الصبر والتسليم هو الصلاة والرحمة والهداية في قوله تعالى: {إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} .
وقد تقدم ذلك، فما ضمنه الله على الصبر والاسترجاع، أعظم من المصيبة في الحقيقة، والله أعلم.
فصل ـ في أن مرارة الدنيا هي حلاوة في الآخرة
ومن تسلية أهل المصائب: أن ينظر العبد بعين بصيرته، فيعلم أن مرارة الدنيا هي بعينها حلاوة في الآخرة، يقبلها الله تعالى، وحلاوة الدنيا هي بعينها مرارة في الآخرة، ولأن ينتقل من مرارة منقطعة إلى حلاوة دائمة، خير من عكس ذلك، فإن خفي عليك ذلك فانظر إلى قول الصادق المصدوق، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» ، وكذلك قوله في الصحيح:
«يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، فيصبغ في النار صبغةً، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يارب، ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول لا والله يا رب» ، الحديث.
وهذا المقام تتفاوت فيه عقول الناس، وتظهر حقائق الرجال، فأكثر أهل زماننا يؤثر الحلاوة المنقطعة على الحلاوة الدائمة التي لا تزول، ولم يتحمل مرارة ساعة لحلاوة الأبد، ولا ذل ساعة لعز الأبد ولا محنة ساعة لعافية الأبد، فإن الحاضر عنده شهادة، والمنتظر غيب، والإيمان ضعيف، وسلطان الشهوة حاكم، فتولد من ذلك إيثار العاجلة ورفض الآخرة، وهذا حال النظر، الواقع على ظواهر أكثر أهل زماننا في أوائل أمورهم ومبادئها، وما ذاك إلا لحبهم هذه الحياة الدنيا.
قال وهب بن منبه: كان عيسى ابن مريم عليه السلام يقول: بحق أقول لكم، إن أشدكم حباً للدنيا أشدكم جزعاً على المصيبة.
وأما النظر الثاقب الذي يخرق حجب العاجل، ومحاورة العواقب والغايات، فله شأن آخر، فادع نفسك إلى ما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته من النعيم المقيم، والسعادة الأبدية والفوز الأكبر وما أعد الله لأهل البطالة والإضاعة من الخزي والخسران والعذاب الدائم، ثم اختر أي القسمين أليق بك، وكل يعمل على شاكلته، وكل أحد يذهب إلى ما يناسبه وما هو الأولى به، وهذا نصح أخيك فيما يحسن بك ويسليك.
فصل ـ في الاستعانة بالله والاتكال عليه والعزاء بعزائه
ومن تسلية أهل المصائب: أن يستعينوا بالله ويتكلوا عليه، ويتعزوا بعزاء الله تعالى، ويمتثلوا أمره في الاستعانة بالصبر والصلاة، ويعلموا أن الله مع الصابرين، ويطلبوا استنجاز ما وعد الله به عباده على الصبر.
و «في حديث أنس بن مالك، قال: ألا أحدثكم بحديث لا يحدثكم به أحد غيري؟ كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوساً، فضحك، فقال: تدرون مما ضحكت؟
قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: عجبت للمؤمن، إن الله ـ عز وجل ـ لا يقضي له قضاء إلا كان خيراً له» .
وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده، قال: قال إبراهيم بن داود: قال بعض الحكماء: إن لله عباداً يستقبلون المصائب بالبشر، قال: فقال: أولئك الذين صفت من الدنيا قلوبهم، ثم قال: قال وهب بن منبه: وجدت في زبور داود: يقول الله تعالى: يا داود، هل تدري من أسرع الناس ممراً على الصراط؟ الذين يرضون بحكمي وألسنتهم ربطة من ذكري.
فالمؤمن الموفق ـ نسأل الله تعالى حسن التوفيق ـ من يتلقى المصيبة بالقبول، ويعلم أنها من عند الله لا من عند أحد من خلقه، ويجتهد في كتمانها ما أمكن.
قال عبد العزيز بن أبي داود: ثلاثة من كنوز الجنة: كتمان المصيبة وكتمان المرض وكتمان الصدقة.
وقال بعض السلف: ثلاثة يمتحن بها عقول الرجال: كثرة المال، والمصيبة والولاية.
وقال عبد الله بن محمد الهروي: من جواهر البر، كتمان المصيبة، حتى يظن أنك لم تصب قط.
وقال عون بن عبد الله: الخير الذي لا شر معه: الشكر مع العافية، والصبر مع المصيبة.
فصل ـ ومن أعظم المصائب المصيبة في الدين
ومن أعظم المصائب: المصيبة في الدين، فهي من أعظم مصائب الدنيا والآخرة، وهي نهاية الخسران الذي لا ربح معه، والحرمان الذي لا طمع معه.
وقد حكى ابن أبي الدنيا عن شريح أنه قال: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات وأشكره، إذ لم تكن أعظم مما هي، وإذ رزقني الصبر عليها، وإذ وفقني الاسترجاع لما أرجوه فيه من الثواب، وإذ لم يجعلها في ديني.
ومن أعظم المصائب في الدين، موت النبي صلى الله عليه وسلم، لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم، لأن بموته صلى الله عليه وسلم انقطع الوحي من السماء إلى يوم القيامة، وانقطعة النبوات، وكان موته أول ظهور الشر والفساد، بارتداد العرب عن الدين، فهو أول انقطاع عرى الدين ونقصانه، وفيها غاية التسلية عن كل مصيبة تصيب العبد، وغير ذلك من الأمور التي لا أحصيها.
قال أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ: ما نفضنا أيدينا من التراب من قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أنكرنا قلوبنا.رواه ابن ماجه.
وإذا أردت أن تعلم أن المصيبة به صلى الله عليه وسلم أعظم من كل مصيبة حدثت في الدين، فانظر إلى ما روي «عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيها الناس أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزى بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحداً من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي» .
وهذا من رواية موسى بن عبيده، وقد أضعفه غير واحد من الأئمة.
لكن روى أبو عمر بن عبد البر بإسناده، «من حديث عطاء بن أبي رباح مرسلاً، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي، فإنها من أعظم المصائب» ، رواه الحافظ أبو نعيم من هذه الطريق أيضاً، ومن طريق أخرى، عن مكحول مرسلاً، نحوه.
ولقد أحسن أبو العتاهيه في نظمه موافقاً لهذا الحديث، حيث يقول:
اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم بأن المرء غير مخلد
أو ما ترى أن المصائب جمة ... وترى المنية للعباد بمرصد
من لم يصب ممن ترى بمصيبة ... هذا سبيل لست عنه بأوحد
فإذا ذكرت محمداً ومصابه ... فاجعل مصابك بالنبي محمد
وفي رواية:
وإذا ذكرت مصيبة تسلو بها ... فاذكر مصابك بالنبي محمد
وإذا أردت أن تعلم تغير الأحوال بموت النبي صلى الله عليه وسلم، فاذكر قوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} الآية، {أفإن مات} شرط {أو قتل} عطف عليه، والجواب: {انقلبتم} ودخل ألف الاستفهام على حرف الجر، لأن الشرط قد انعقد به، وصار جملة واحدة، وخبراً واحداً، والمعنى: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل؟ يقال لمن عاد إلى ما كان عليه، انقلب على عقبيه، وقيل: المعنى فعلتم فعل المرتدين، ومنه انقلب على عقبيه، وقول أنس وقد تقدم.
وروى ابن ماجه، من حديث أم سلمة ـ زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالت: كان الناس، علىعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قام المصلي لم يعد بصر أحدهم موضع قدميه، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر ـرضي الله عنه ـ فكان الناس، فإذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة، فتوفي أبو بكر وكان ـ عمر ـ رضي الله عنه ـ فكان الناس، إذا قام أحدهم يصلي، لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة، فكان عثمان ـ رضي الله عنه ـ فكانت الفتنة، فتلفت الناس في الصلاة يميناً وشمالاً.وإسناده مقارب.
والمقصود أن المصائب تتفاوت، فأعظمها المصيبة في الدين ـ نعوذ بالله من ذلك ـ هي أعظم من كل مصيبة يصاب بها الإنسان، يؤيد ذلك أنه قد جاء في بعض الآثار، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المسلوب من سلب دينه، والمحروم من حرم الأجر» .
ثم بعد مصيبة الدين المصيبة في النفس، ثم في المال، أما المال فيخلفه الله تعالى وهو فداء الأنفس، والنفس فداء الدين، والدين لا فداء له.
قال تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير}
فصل ـ في البشارة لمن تذكر المصيبة فاسترجع
ومن أعظم البشارات لمن أصيب بمصيبة، فذكرها بعد مدة طويلة، فجدد لها استرجاعاً وصبراً، ماله عند الله من الأجر كلما ذكرها واسترجع.
قال الإمام أحمد في مسنده: «ثنا يزيد وعباد بن عباد، قالا: حدثنا هشام ابن أبي هشام، ثنا عباد ابن زياد، عن أمه، عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين ابن علي ـ رضي الله عنهما ـ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من مسلم ولا مسلمة، يصاب بمصيبة، فيذكرها وإن طال عهدها ـ قال عباد: قدم عهدها ـ فيحدث لذلك استرجاعاً، إلا جدد الله له عنه ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها» ، ورواه ابن ماجة من حديث «فاطمة بنت الحسين أيضاً ولفظه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أصيب بمصيبة، فذكر مصيبته، فليحدث استرجاعاً وإن تقادم عهدها، كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب» لكن في اسناده مقال.
قال سعيد بن جبير: ما أعطي أحد في المصيبة ما أعطي هذه الأمة ـ يعني {إنا لله وإنا إليه راجعون} ـ ولو أعطي أحد لأعطي نبي الله يعقوب عليه السلام، ألم تسمع إلى قوله في فقد يوسف: {يا أسفى على يوسف} ، أولئك ـ أصحاب هذه الصفة ـ {عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}
فصل ـ في الفرق بين تمتع الدنيا الفاني والآخرة الباقي
ومن تسلية أهل المصائب: أن ينظر المصاب ويفرق بين أعظم اللذتين والتمتعين: تمتع الحياة الدنيا الفانية، وتمتع الدار الآخرة الباقية، وأدومهما لذة وتمتعاً بما أصيب به، ولذة تمتعه بثواب الله له على قوله وفعله من استرجاع وصبر ونحوه، فإن ظهر له الرجحان، فآثر الراجح، فليحمد الله على توفيقه له، وإن آثر المرجوح من كل وجه، فليعلم أن مصيبته في عقله وقلبه ودينه، أعظم من مصيبته التي أصيب بها في دنياه.
وأي نسبة بين تمتعه بمحبوبه في هذه الدار التي قال الله تعالى في حقها من أولها إلى آخرها: {قل متاع الدنيا قليل} وأي شيء حصل له من القليل؟ فمن آثر جزءاً قليلاً من قليل ينفد، على جزء كثير من كثير لا ينفد، فقد اغتيل عقله.
قال بعض الحكماء: يحسب الجاهل الشيء الذي هو لا شيء شيئاً، والشيء الذي هو الشيء لا شيء، ومن لا يترك الشيء الذي هو لا شيء، لا ينال الشيء الذي هو الشيء، ومن لا يعرف الشيء الذي هو الشيء، لا يترك الشيء الذي هو لا شيء، يريد الدنيا والآخرة، ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا.
فصل ـ في أن يوطن الإنسان نفسه على توقع المصائب وأنها بقضاء الله وقدره
ومما يسلي المصاب: أن يوطن نفسه على أن كل مصيبة تأتيه هي من عند الله وأنها بقضائه وقدره، وأنه سبحانه وتعالى لم يقدرها عليه ليهلكه بها، ولا ليعذبه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره ورضاه، وشكواه إ ليه وابتهاله ودعاءه، فإن وفق لذلك كان أمر الله قدراً مقدوراً، وإن حرم ذلك كان ذلك خسراناً مبيناً.
قال أبوالفرج بن الجوزي: علاج المصائب بسبعة أشياء:
الأول ـ أن يعلم بأن الدنيا دار ابتلاء، والكرب لا يرجى منه راحة.
قال الشاعر:وما استغربت عيني فراقا ًرأيته ...ولا علمتني غير ما القلب عالمه
الثاني ـ أن يعلم أن المصيبة ثابتة.
الثالث ـ أن يقدر وجود ما هو أكثر من تلك المصيبة.
الرابع ـ النظر في حال من ابتلي بمثل هذا البلاء، فإن التأسي راحة عظيمة.
قالت الخنساء:
ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي
وهذا المعنى قد حرمه الله عز وجل أهل النار، فإن المخلدين فيها كل واحد
محبوس وحده، فهو يظن أنه لم يبق في النار سواه.
الخامس ـ النظر في حال من ابتلي أكثر من هذا البلاء فيهون عليه هذا.
السادس ـ رجاء الخلف، إن كان من مضى يصح عنه الخلف كالولد والزوجة.
قيل للقمان عليه السلام: ماتت زوجتك؟ قال: تجدد فراشي.
قال الشاعر:
هل وصل عزة إلا وصل غانية ...في وصل غانية من وصلها خلف
السابع ـ طلب الأجر بالصبر في فضائله وثواب الصابرين وسرورهم في صبرهم، فإن ترقى إلى مقام الرضى فهو الغاية.
انتهى كلامه، وقد تقدم معنى ذلك.
وما يلحق بعلاج هذه السبعة أشياء وأمور أخر:
الثامن ـ أن يعلم العبد كيف جرى القضاء فهو خير له.
التاسع ـ أن تعلم أن تشديد البلاء يخص الأخيار.
العاشر ـ أن يعلم أنه مملوك وليس للمملوك في نفسه شيء.
الحادي عشر ـ أن هذا الواقع وقع برضى المالك، فيجب على العبد أن يرضى بما رضي به السيد.
الثاني عشر ـ معاتبة النفس عند الجزع مما لابد منه، فما وجه الجزع مما لابد منه؟ !
الثالث عشر ـ إنما هي ساعة فكأن لم تكن.
وهذه المعاني وقد تقدم ما يشبهها ويناسبها، ويأتي ما هو أتم من ذلك، وبالله التوفيق.
فصل ـ في أن لا ننكر وقوع المصائب في الدنيا بجميع أنواعها
ينبغي للعبد، أن لا ينكر في هذه الدنيا وقوع هذه المصائب على اختلاف أنواعها، ومن استخبر العقل والنقل أخبراه بأن الدنيا مارستان المصائب، وليس
فيها لذة على الحقيقة إلا وهي مشوبة بالكدر، فكل ما يظن في الدنيا أنه شراب فهو سراب، وعمارتها وإن أحسنت صورتها خراب، وجمعها فهو للذهاب، ومن خاض الماء الغمر لم يخل من بلل، ومن دخل بين الصفين، لم يخل من وجل.
فالعجب كل العجب، ممن يده في سلة الأفاعي، كيف ينكر اللسع؟ ! وأعجب منه، من يطلب من المطبوع على الضر النفع.
قال بعض الأدباء:
طبعت على كدر وأنت تريدها ...
... صفواً من الأقذاء والأكدار
قال أبو الفرج بن الجوزي: ولولا أن الدنيا دار ابتلاء لم تعتور فيها الأمراض والأكدار، ولم يضق العيش فيها على الأنبياء والأخيار، فآدم يعاني المحن إلى أن خرج من الدنيا، ونوح بكى ثلاثمائة عام، وإبراهيم يكابد النار وذبح الولد، ويعقوب بكى حتى ذهب بصره، وموسى يقاسي فرعون ويلقي من قومه المحن، وعيسى بن مريم لا مأوى له إلا البراري في العيش الضنك، ومحمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين يصابر الفقر، وقتل عمه حمزة وهو من أحب أقاربه إليه، ونفور قومه عنه، وغير هؤلاء من الأنبياء والأولياء مما يطول ذكره ولو خلقت الدنيا للذة لم يكن حظ المؤمن منها.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر» فإذا بان بأنها دار ابتلاء وسجن ومحن فلا ينبغي إنكار وقوع المصائب فيها.
فصل ـ في المصائب المختصة بذات الإنسان
ذكر أبو الفرج بن الجوزي: في المصائب المختصة بذات الإنسان.
قال: رأيت جمهور الناس إذا طرقهم المرض أو غيره من المصائب اشتغلوا تارةً بالجزع والشكوى، وتارةً بالتداوي، إلى أن يشتد عليهم، فيشغلهم اشتداده عن الالتفات إلىالمصالح من وصية، أو فعل خير، أو تأهب للموت، فكم ممن له ذنوب لا يتوب منها، أو عنده ودائع لا يردها، أو عليه دين أو زكاة، أو في
ذمته ظلامة لا يخطر له تداركها، وإنما حزنه على فراق الدنيا، إذ لا هم له سواه، وربما أفاق وأوصى بجور.
انتهى كلامه.
وسبب ذلك ضعف الإيمان كما قال تعالى: {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم} ، وأحدهم لا هم له إلا الدنيا، ولا يتأسف إلا عليها، والعين المتطلعة إلى الآخرة ضعيفة جداً، وقد عم هذا أكثر الخلق في زماننا، نعوذ بالله من الخذلان.
فينبغي للمتيقظ أن لا يتأسف على ما فات، وأن يتأهب في حال صحته قبل هجوم المرض، فربما ضاق الوقت عن عمل، واستدراك فارط، أو وصية، فإن لم تكن له وصية في صحته فليبادر في مرضه، وليحذر الجور في وصيته، فإنه من المحرمات، فإنه يمنع المستحق ويعطي من لا يستحق، فيحتاج أن يحارب نفسه وشيطانه، فقد «روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم إني أعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت» ويعلم أنه مملوك لله وليس له في نفسه شيء.
قال الشاعر:
صرت لهم عبداً وما ... للعبد أن يتعرضا
ويعلم أيضاً أن هذا الواقع من المصائب في نفسه وماله وولده، وقع برضى مالكه وخالقه، فيجب على العبد أن يرضى بما يرضي به السيد، ويعاقب نفسه إذا جزعت، ويقول لها: أما علمت أن هذا لابد منه؟ ! فما وجه الجزع؟ ! وإنما هي ساعة كأن لم يكن ما كان، ومن تلمح العواقب هان عليه مرارة الدواء، والله تعالى الموفق.
قال بعض السلف: رأيت جمهور الناس ينزعجون لنزول البلاء انزعاجاً يزيد عن الحد، كأنهم ما علموا أن الدنيا على ذا وضعت، وهل ينتظر الصحيح إلا السقم، والكبير إلا الهرم، والموجود سوى العدم؟!
قال الشاعر:
على ذا مضى الناس: اجتماع، وفرقة ...وميت، ومولود، وبشر وأحزان
ثم قال: ولعمري إن أصل الانزعاج لا ينكر، إذ الطبع مجبول على الأمن من حلول المنايا، وإنما ينكر الإفراط فيه والتكليف كمن يخرق ثيابه ويلطم وجهه ويعترض على القدر، فإن هذا لا يرد فائتاً، لكنه يدل على خور الجازع، ويوجب العقوبة والسلام.
فصل ـ في أن المصائب والمحن دواء للكبر والعجب
وليعلم أهل المصائب أنه لولا محن الدنيا ومصائبها، لأصاب العبد من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلاً وآجلاً، فمن رحمة أرحم الراحمين، أن يتفقده في الأحيان، بأنواع من أدوية المصائب، تكون حمية له من هذه الأدواء، وحفظاً لصحة عبوديته، واستفراغاً للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة، فسبحان من يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه.
كما قيل:قد ينعم الله بالبلوى، وإن عظمت ...ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
فلولا أنه سبحانه وتعالى يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء، لطغوا وبغوا وعتوا وتجبروا في الأرض، وعاثوا فيها بالفساد، فإن من شيم النفوس إذا حصل لها أمر ونهي، وصحة وفراغ، وكلمة نافذة من غير زاجر شرعي يزجرها، تمردت وسعت في الأرض فساداً مع علمهم بما فعل بمن قبلهم، فكيف لو حصل لهم مع ذلك إهمال؟ ! ولكن الله سبحانه وتعالى، إذا أراد بعبده خيراً، سقاه دواءً من الابتلاء والامتحان على قدر حاله، ويستفرغ منه الأدواء المهلكة، حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه، أهله لأشرف مراتب الدنيا وهي عبوديته، ورقاه أرفع ثواب الآخرة وهي رؤيته
فصل ـ في اعتراض المصاب على الأقدار ودلالته بعبادته
قد يحصل للعابد الجاهل، مصيبة، من الجزع ما يسوء الناظر إليه، والسامع عنه، من الاعتراض على الأقدار، وما ذاك إلا لإدلاله بعبادته، فإنه قد شوهد أن خلقاً كثيراً من أهل الدين والخير، عند موت أحبابهم، جرى منهم أمور ينكرها العقال من الناس، فمنهم من خرق ثيابه، ومنهم من لطم خده، ومنهم من
اعترض على القضاء والقدر!
قال ابن الجوزي: رأيت رجلاً كبيراً أعرفه قد قارب الثمانين، وهو من أهل الدين المحافظين على الجماعة، فمات ولد لابنته، فقال: ما ينبغي لأحد أن يدعو فإنه ما يستجيب، ثم قال: إن عاندنا فما يترك لنا ولداً، فعلمت أن صلاته وفعله للخير عادة، لا أنه ينشأ عن معرفة إيمان، وهؤلاء الذين يعبدون الله على حرف.
ثم قال ابن الجوزي: حدثني خالي لعمي محمد بن عثمان قال: كنت مشداً بقرية التل، فسمعت عن شيخ قد جاوز الثمانين ولا يصلي، وقد كان قبل ذلك كثير الصلاة مع الجماعة وفعل الخير، ثم ترك ذلك، فدعوته وقلت: يا شيخ، لم لا تصلي؟ فقال: وكيف أصلي، وكان لي أولاد فماتوا، وكان لي غنم ففنيت؟ فأنا ما بقيت أصلي له ولا ركعة، فضربته، وطفت به البلد، فكان بعد ذلك يواظب على الجامع.
انتهى ما ذكره.
فلا شيء أنفع من العلم، لأن العالم، لو حصل له هلع شديد في مصيبته، يعلم أنها زلة منه، فيدري كيف يتنفس، والعابد الجاهل، كلما غاص إلى أسفل، يظن أنه صاعد إلى فوق.
فإذا امتحن الشخص، ينبغي له أن يتداوى بالأدوية الشرعية، فإنه يقال: عند الامتحان يكرم الشخص أو يهان، أما علم لابد من الفرقة؟ وقد روى داود، «عن الحسن بن جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال جبريل: يا محمد عش ما عشت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه» ، فنعوذ بالله من عدم الصبر عند المحنة، ونسأله الثبات في الأمر، فإنه والعياذ بالله يخاف على الشخص من سوء الخاتمة إذا سخط الأقدار.
ونازع القضاء والقدر أهله، فنسأل الله تعالى حسن الخاتمة
فصل ـ في أن الأفضل إبدال الشكوى والأنين بذكر الله تعالى
ينبغي للمصاب بنفسه، أو بولده، أو بغيرهما، أن يجعل في المرض مكان الأنين ذكره الله تعالى، والاستغفار والتعبد، فإن السلف رحمهم الله تعالى كانوا يكرهون الشكوى إلى الخلق، وهي وإن كان فيها راحة، إلا أنها تدل على ضعف وخور، والصبر عنها دليل قوة وعز، وهي إشاعة سر الله تعالى عند العبد، وهي تأثر شماتة الأعداء ورحمة الأصدقاء.
قال الشاعر:
لا تشكون إلا صديق حالة ... تأتيك في السراء والضراء
فلرحمة المتوجعين مرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء
وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده إلى إسماعيل بن عمرو، قال: دخلنا على ورقاء بن عمر وهو في الموت، فجعل يهلل ويكبر ويذكر الله عز وجل، وجعل الناس يدخلون عليه ويسلمون عليه، فيرد عليهم السلام، فلما كثروا عليه، أقبل على ابنه فقال: يا بني، اكفني رد السلام على هؤلاء، لا يشغلوني عن ذكر ربي عز وجل.
وعن أبي محمد الحريري، قال: حضرت عند الجنيد، قبل وفاته بساعتين، فلم يزل تالياً وساجداً، فقلت له: يا أبا القاسم، قد بلغ ما أرى من الجهد، فقال: يا أبا محمد، أحوج ما كنت إليه هذه الساعة، فلم يزل كذلك حتى فارق الدنيا.
وقد روي في حديث، أن إبليس لا يكون في حال أشد منه على ابن آدم عند الموت، يقول لأعوانه: دونكموه، فإنه إن فاتكم اليوم، لم تلحقوه.
واعلم ـ رحمك الله ـ أن الأعمال بخواتيمها، فإنه ربما أضله في اعتقاده، وربما حيل بينه وبين التوبة، وغير ذلك مما هو محتاج إليه، وربما وقع منه الاعتراض على القضاء والقدر، فينبغي للمصاب بنفسه أو بغيره، أن يعلم أو يعلم بغيره، أنها صبر ساعة، فيتجلد ويحارب العدو جهد طاقته، فبصدقه تحصل له عليه الإعانة من الله، ويعلم أيضاً، أن التشديد عليه أو على غيره في النزع، هو في الغالب من كرامة العبد على الله عز وجل، فإن أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل
والأمثل، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أشد مرارة الموت» ، وقول أبي عبيدة: اخنق خنقك، فوعزتك إنك تعلم أن قلبي يحبك.
وقد روى الإمام أحمد، عن الوليد بن مسلم الأوزاعي، عن عمر بن عبد العزيز، أنه قال: ما أحب أن يهون علي سكرات الموت إنه آخر ما يكفر عن المرء المسلم.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني معمر، حدثني شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعي، قال: كانوا يستحبون للمريض أن يجهد عند الموت.
وبإسناده، عن ابن عباس، قال: آخر شدة يلقاها المؤمن عند الموت.
كانت عائشة رضي الله عنها تقول: مات فلان ولم يعالج.
قال الحافظ بن ناصر: يعني أنه لم يعالج: أنه لم يحصل له في مرضه وعند موته ما يكون كفارة لذنوبه.
و «عن ثابت، عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنهم ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في النزع، فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرضى أو أمنه مما يخاف» .
فمن خاف الله وحفظه في صحته، حفظه في مرضه، ومن راقب الله في خطر، حرسه الله في حركاته وسكناته.
وفي «حديث ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف الى الله في الرخاء يعرفك في الشده» .
وفي قصة يونس عليه السلام لما تقدم له عمل صالح.
قال: {فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} ، ولما لم يكن لفرعون عمل خير قط، لم يجد وقت الشدة متعلقاً، فقيل له: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} ، فمن ضيع الله في صحته فإنه يضيع في مرضه، والله أعلم
فصل ـ في أن الجزع لا يرد المصيبة بل يضاعفها
وليعلم المصاب أن الجزع لا يرد المصيبة بل يضاعفها، وهوفي الحقيقة يزيد في مصيبته، بل يعلم المصاب أن الجذع يشمت عدوه، ويسوء صديقه، ويغضب ربه، ويسر شيطانه، ويحبط أجره، ويضعف نفسه.
وإذا صبر واحتسب أخزى شيطانه، وأرضى ربه، وسر صديقه، وساء عدوه، وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه، فهذا هو الثبات في الأمر الديني، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر» .
فهذا هو الكمال الأعظم، لا لطم الخدود وشق الجيوب، والدعاء بالويل والثبور، والتسخط على المقدور.
قال بعض الحكماء: العاقل يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم، يريد بذلك ما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» .
وقال الأشعث بن قيس: إنك إن صبرت إيماناً واحتساباً، وإلا سلوت كما تسلو البهائم.
بل يعلم المصاب أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ما يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه، بل يكفيه من ذلك بيت الحمد الذي يبنى له في الجنة على حمده لربه واسترجاعه على مصيبته، فلينظر أي المصيبتين أعظم، مصيبته العاجلة بفوات محبوبه، أو مصيبته بفات بيت الحمد في جنة الخلد؟
و «في الترمذي مرفوعاً: يود ناس لو أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا لما يرون من ثواب أهل البلاء»
وليعلم المصاب الجازع، وإن بلغ به الجزع غايته ونهايته، فآخر أمره علىصبر الاضطرار، وهو غير محمود، ولا مثاب عليه، فإنه استسلم للصبر وانقاد إليه على رغم أنفه.
قال يحيى بن معاذ ابن آدم، مالك تأسف على مفقود لايرده عليك الفوت؟ مالك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت؟
فإذا علم الجازع على المصيبة أن الجزع لا يرد ما فات، وأنه يسر الشامت، فأي عقل لمن لم يتفكر في العاقبة، ويذكر مآله إلى مصيبة أصابت غيره أنها تصيبه في نفسه، وأنه أمر لابد منه فليستعد له.
وكانت امرأة من العابدات بالبصرة، تصاب بالمصائب فلا تجزع، فذكروا لها ذلك، فقالت: ما أصاب بمصيبة فأذكر معها النار، إلا صارت في عيني أصغر من الذباب.
ومما يسلي العبد قول بعض الحكماء: قد مات كل نبي، ومات كل نبيه وفقيه وعالم، فلا تجزع، ولا يوحشنك طريق الخلائف فيها.
وقال بعض السلف، وقد سأله رجل، فقال: عظني، فقال: انظر منك إلى آدم.
هل ترى عيناً تطرف؟ فقال: حسبك.
فصل ـ في أن من سلم أمره في مصيبته واحتسب لله عوضه خيراً منها
ومما يسلي أهل المصائب: أن المصاب إذا صبر واحتسب، وركن إلى كريم، رجاء أن يخلف الله تعالى عليه، ويعوضه عن مصابه، فإن الله تعالى لا يخيبه بل يعوضه، فإنه من كل شيء عوض إلا الله تعالى فما عوض، كما قيل:
من كل شيء إذا ضيعته عوض ...وما من الله إن ضيعته عوض
بل يعلم أن حظه من المصيبة ما يحدث له، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط.
فاختر لنفسك خير الحظوظ أو شرها، فإن أحدثت له سخطاً وكفراً كنت في ديوان الهالكين، وإن أحدثت له جذعاً وتفريطاً في ترك واجب أو فعل محرم كنت في ديوان المفرطين، وإن أحدثت له شكاية وعدم صبر ورضى كنت في ديوان المغبونين، وإن أحدثت له اعتراضاً عليه وقدحاً في حكمته ومجادلةً في الأقدار، فقد قرعت باب الزندقة، وفتح لك وولجته فاحذر عذاب الله يحل بك، فإنه لمن خالفه بالمرصاد.
وإن أحدثت له صبراً وثباتاً لله كنت في ديوان الصابرين، وإن أحدثت له رضى بالله ورضى عن الله وفرحاً بقضائه كنت في ديوان الراضين، وإن أحدثت له حمداً وشكراً كنت في ديوان الشاكرين الحامدين، وإن أحدثت له حمداً واشتياقاً إلى لقائه كنت في ديوان المحبين المخلصين.
وفي مسند الإمام أحمد والترمذي، من حديث «محمود بن لبيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي الله فله الرضى، ومن سخط فله السخط» زاد الإمام أحمد: ومن جزع فله الجزع.
فأنفع الأدوية للمصاب موافقة ربه وإلهه فيما أحبه ورضيه له، وإن خاصية المحبة وسرها موافقة المحبوب، فمن ادعى محبة محبوب، ثم سخط ما يحبه، وأحب ما يسخطه، فقد شهد على نفسه بكذبه، وأسخط عليه محبوبه.
قال أبو الدرداء ـ رضي الله عنه ـ: إن الله إذا قضى قضاءً أحب أن يرضى به.
وكان عمران بن حصين ـ رضي الله عنه ـ يقول في مرضه: أحبه إلي أحبه إليه.
وقال بعده أبو العالية: وهذا دواء المحبين وعلاجهم لأنفسهم.
ولا يمكن كل أحد أن يتعالج به، فانظر هذه الطرائق واختر وفقنا الله وإياك لما يحب.
فصل ـ فيمن طلب المصائب وفرح بها رجاء ثوابها
روى ابن أبي حاتم بإسناده في تفسيره عن خالد بن يزيد، عن عياض، عن عقبة أنه مات له ابن يقال له: يحيى، فلما نزل في قبره قال له رجل: والله إن كان لسيد الجيش، فاحتسبه، فقال والده: وما يمنعني أن أحتسبه وكان من زينة الحياة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات؟! فهذا رجل صابر راض محتسب، ما أحسن فهمه وحسن تعزيته لنفسه، وثقته بما أعطاه الله من ثواب الصابرين.
وعن ثابت قال: مات عبد الله بن مطرف، فخرج أبوه مطرف على قومه في ثياب حسنة وقد ادهن، فغضبوا، فقالوا: يموت عبد الله وتخرج في مثل هذه مدهناً؟ قال: أفأستكين لها وقد وعدني ربي تبارك وتعالى عليها خصالاً، كل خصلة منها أحب إلي من الدنيا كلها؟ ! قال تعالى: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} ، أفأستكين لها بعد ذلك؟ ! ثم قال ثابت قال مطرف: ما شيء أعطي به في الآخرة قدر كوز من ماء إلا وددت أنه أخذ مني في الدنيا.
رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد.
وعن محمد بن خلف، قال: كان لإبراهيم الحربي ابن كان له إحدى عشرة سنة، حفظ القرآن، ولقنه من الفقه جانباً كبيراً، قال: فمات، فجئت أعزيه، فقال: كنت أشتهي موت ابني هذا، قال: فقلت له: يا أبا إسحاق، أنت عالم الدنيا، تقول مثل هذا، في صبي قد أنجب، ولقنته الحديث والفقه؟ ! قال: نعم رأيت في منامي، كأن القيامة قد قامت، وكأن صبياناً بأيديهم قلال فيها ماء، يستقبلون الناس فيسقونهم، وكان اليوم يوماً حاراً، شديداً حره، قال: فقلت لأحدهم: اسقني من هذا الماء، قال: فنظر إلي، وقال: ليس أنت أبي، قلت: فأي شيء أنتم؟ قال: فقال لي: نحن الصبيان الذين متنا في دار الدنيا وخلفنا آباؤنا، فنستقبلهم فنسقيهم الماء، قال: فلهذا تمنيت موته.
وروى البيهيقي بإسناده، عن ابن شوذب: أن رجلاً كان له ابن لم يبلغ الحلم، قال: فأرسل إلى قومه: إن لي حاجة! قالوا: نعم، وما هي؟ قال: إني أريد أن أدعوا على ابني هذا أن يقبضه الله تعالى وتؤمنون على دعائي، فسألوه عن ذلك، فأخبرهم أنه رأى في منامه كأن الناس جمعوا ليوم القيامة، فأصاب الناس عطش شديد، فإذا الولدان قد خرجوا من الجنة، معهم الأباريق، فأبصرت ابن أخ لي، فقلت: يا فلان، اسقني، قال: يا عم، إنا لا نسقي إلا الآباء، قال: فأحببت أن يجعل الله ولدي هذا فرطاً لي، فدعا، فأمنوا على دعائه، فلم يلبس الغلام إلا يسيراً حتى مات.
وقد روى ابن عساكر بإسناده، عن سهيل بن الحنظلية الأنصاري ـ وكان لا يولد له ـ فقال: لأن يولد لي ولو سقط، فأحتسبه أحب إلي من أن يكون لي الدنيا بأجمعها.
وكان ابن الحنظلية ممن بايع تحت الشجرة.
وذكر ابن عساكر أيضاً، عن الليث بن سعد، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، أن أبناً لعياض بن عقبة، حضرته الوفاة، وكان عياض غائباً، فقالت أم الغلام: لو كان أبو وهب حاضراً لقرت عينه، فلما حضرت وفاة عياض ابن عقبة قال لأخيه أبي عبيد: يهنأك الظفر، قد كنت أرجو أن تكون قبلي فأحتسبك.
وقال أبو مسلم الخولاني ـ رحمه الله ـ: لأن يولد لي مولود يحسن الله نباته، حتى إذا استوى على شبابه، وكان أعجب ما يكون إلي، قبضه الله تعالى مني، أحب إلي من أن تكون الدنيا وما فيها لي.
وروي عن الإمام القفال، قال: كان في جواري رجل يأبى التزويج، فلما كان في بعض الليالي، استيقظ من نومه في الليل ونادى: زوجوني زوجوني، فسئل عن ذلك، فقال: لعل الله يرزقني ولداً يقبضه قبل البلوغ وقبل موتي، قيل وكيف ذلك؟ قال: رأيت في المنام، كأن القيامة قد قامت، والخلق في الموقف، وأنا معهم، وقد كظني العطش، وإذا قد ظهر أطفال بأيديهم أباريق من فضة، مغطاة بمناديل من نور، يتخللون الجمع ويسقون واحداً بعد واحد، فمددت يدي إليهم، وقلت لبعضهم: اسقني، فقد أجهدني العطش، فنظر إلي شزراً وقال ليس لك فينا ولد، وإنما نسقي أباءنا وأمهاتنا، فقلت من أنتم؟ قالوا: أطفال المسلمين.
وقال أبو الحسن المدائني: دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه في وجعه، فقال يابني، كيف تجدك؟ قال: تجدني في الحق، قال: يا بني، لأن تكون في ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك، فقال: يا أبه، لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن أكون ما أحبه.
وروى ابن أبي شيبة، باسناده عن ثابت البناني: أن صلة بن أشيم، كان في غزاة له ومعه ابن له، فقال له أي بني، تقدم فقاتل حتى أحتسبك، فحمل فقاتل حتى قتل، ثم تقدم أبوه فقتل، فاجتمعت النساء، فقامت امرأته معاذة العذرية، فقالت للنساء: مرحباً، إن كنتن جئتن لتهنئنني مرحباً بكن، إن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن.
و «عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً قال الأنبياء، قلت: ثم من؟ قال الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر، حتى ما يجد إلا العباءة يحتويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء، كما يفرح أحدكم بالرخاء» .
رواه ابن ماجه من حديث طويل.
وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد وابن ماجه في سننه عن «أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولابإضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا، أن تكون بما في يد الله، أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة، إذا أصبت بها، أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك» .
وقال ابن الجوزي: ثنا ابن ناصر، أنبأ جعفر بن أحمد، ثنا أبي، ثنا هاشم، عن ابن المبارك، عن الحسن، ثنا أبو الأحوص، قال: دخلنا على ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وعنده بنون له ثلاثة، غلمان كأنهم الدنانير فجعلنا نتعجب من حسنهم، فقال: كأنهم يغبطونني؟ قلنا: إي والله، لبمثل هؤلاء يغبط المسلم، فرفع رأسه إلى سقف البيت، وقد عشش فيه خطاف وباض، فقال: والذي نفسي بيده، لأن أكون قد نفضت يدي من تراب قبورهم، أحب إلي من أن يسقط عش هذا الخطاف وينكسر بيضه، ثم قال: ما أصبحت على حال، فتمنيت أني على سواها.
وروى هناد بن السري في الزهد، عن كثير بن تميم الداري، قال: كنت جالساً مع سعيد بن جبير فطلع عليه ابنه عبد الله بن سعيد، وكان به من الفقه، فقال: إني لأعلم خير حالاته، فقالوا: وما هو؟ قال: أن يموت فأحتسبه.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن سفيان، قال: سمعت سفيان يقول: ما في الأرض أحب إلي من سعيد، وما في الأرض أحد يموت أحب إلي منه، فمات، فرأيته يبكي، قلت: قد كنت تمنى موته! قال: أذكر قوله: آه جنبي.
وفي تاريخ الرقة للحراني: ثنا أحمد بن بديع، ثنا أبي، قال: سمعت عمر بن ميمون بن مهران يقول: كنت مع أبي ونحن نطوف بالكعبة، فلقي أبي شيخاً فعانقه أبي، ومع الشيخ فتى قريباً مني، فقال له أبي: من هذا؟ قال: ابني فقال: كيف رضاك عنه؟ قال ما بقيت خصلة يا أبا أيوب من خصال الخير إلا وقد رأيتها فيه إلا واحدة، قال: وما هي؟ قال: كنت أحب أن يموت وأوجر فيه! قال: ثم فارقه أبي، قال: فقلت لأبي: من هذا الشيخ؟ قال: هذا مكحول.
والمقصود أن هذا المقام مقام عظيم شريف لمن يطلب المصيبة ويفرح بها نظراً إلى ثوابها، وما يفعل ذلك أحد حتى يعلم من نفسه القوة والصبر والجلد والركون إلى دعوى النفس، وما أكثر ما تخلف الوعد وتنقد العهد فإن الغالب متى ما أظهرت الدعوى وكلت إليها، وطولبت بتصحيح دعواها فتقصر عند الحقيقة وتميل عن تقويم الطريقة.
وكان سحنون ـ رحمه الله ـ يقول: قد رضيت ما تقضيه، فابتلني بما شئت، فابتلاه الله بحصار البول، فما صبر، فكان يدور على الصبيان، ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب.
فالطريقة الكاملة، قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية» .
واعلم أن النية في طلب الولد وفقده وقصد بقائه، إذا صحت النية حصل الثواب الجزيل على النيتين جميعاً، لأن الأعمال بالنيات، فإنه ثبت عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: ما من أهل ولا مال ولا ولد إلا وأنا أحب أن أقول عليه: {إنا لله وإنا إليه راجعون} ، إلا عبد الله بن عمر فإني أحب أن يبقى في الناس.
يأيد ذلك ما ثبت «في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات الإنسان، انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» .
وفي حديث أنس مرفوعاً: سيع يجري أجرها للعبد بعد موته،
فذكر منها: أو ترك ولد يستغفر له بعد موته.
وهذا عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قد سماه النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الصالح أو العبد الصالح، ولا شك أن العبد، إذا حصل له أجر مستمر بعد موته، هو أولى من حصول أجر في حياته ثم ينقطع بالموت، فإن العبد من أحوج الناس بعد موته إلى الحسنات وبموته قد انقطع عمله إلا ما أخبر به الصادق المصدوق في هذا الحديث المتقدم، فطلب الولد وبقاؤه أنفع للعبد فيما فهمت، ولكن أولئك لما خالط قلوبهم قوة الإيمان والتصديق بالقضاء والقدر، والرضى به، برزوا بالقول، وقل من يصبر على تحمل البلوى عند الحقيقة، والله أعلم.
الباب الثاني ـ في البكاء على المصيبة وما ذكر العلماء في ذلك
البكاء أصله بكي على فعول، قال الجوهري: البكاء يمد ويقصر، فإذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء، وإن قصرت أردت الدموع وخروجها، وبكيت الرجل وبكيته إذا بكيت عليه.
قال الشاعر:بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل
هذا من جهة اللغة، وهو رقة ورحمة في قلوب عباد الله، فالبكاء على الميت في مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة: جوازه قبل الميت وبعده، واختاره أبو اسحق الشيرازي، وكرهه الشافعي وكثير من أصحابه بعد الموت، ورخصوا فيه قبل خروج الروح.
واحتجوا بحديث «جابر عن عتيك ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غلب، فصاح به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يجبه، فاسترجع، وقال: غلبنا عليك يا أبا الربيع، فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعهن، فإذا وجب، فلا تبكين باكية، قالوا: وما الواجب يا رسول الله؟ قال: الموت» .
رواه الإمام أحمد وأبو داود، وهذا لفظه، والنسائي وابن ماجة.
قالوا: وفي الصحيحين «من حديث عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» وهذا إنما هو بعد الموت، وأما قبله فلا يسمى ميتاً.
«وعن ابن عمر أيضاً، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم من أحد، سمع نساءً من بني عبد الأشهل، على هلكاهن يبكين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكن حمزة لا بواكي له، فجئن نساء الأنصار، فبكين على حمزة عنده، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
ويحهن إنهن ههنا يبكين؟ ما أثقلهن! مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم» رواه الإمام أحمد وابن ماجة.
وهذا صريح في نسخ الإباحة المتقدمة، والفرق بين ما قبل الموت وبعده، أنه قبل الموت يرجى فيكون البكاء عليه حذراً، فإذا مات انقطع الرجاء وأبرم القضاء، فلا ينفع البكاء.
احتج أصحابنا ومن قال بقولهم، ممن جوز البكاء قبل الموت وبعده، قال «جابر بن عبد الله: أصيب أبي يوم أحد، فجعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، فجعلوا ينهوني، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاني، فجعلت عمتي فاطمة تبكي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تبكين أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه» ، متفق عليه.
«وعن ابن عمر قال: اشتكى سعد بن عباده شكوى له، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه، فوجده في غاشية، فقال: قد قضى؟ قالوا لا يا رسول الله، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى القوم بكاء رسول الله بكوا، فقال: ألا تسمعون، أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا ـ وأشار إلى لسانه ـ أو يرحم» رواه البخاري، وهذا لفظه، «ومسلم وعنده: وجده في غشية فقال: أقد قضى؟ قالوا: لا يا رسول الله..
» الحديث، وهو من رواية يونس بن عبد الأعلى.
«وعن أسامة بن زيد، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه، وتخبره أن صبياً أو ابناً لها في الموت، فقال الرسول: ارجع إليها فأخبرها أن لله عز وجل ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها لتصبر ولتحتسب، فعاد الرسول فقال: إنها قد أقسمت لتأتينها.
قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلم، وقام معه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت،
وانطلقت معهم، فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع، كأنها في شنة، ففاضت عيناه، فقال له سعد بن عبادة: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» رواه البخاري ومسلم.
«وعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: شهدنا بنتاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر، قال: فرأيت عيناه تدمعان، قال: فقال: هل منكم من رجل لم يقارف الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا، قال: فانزل في قبرها» رواه البخاري.
«وعن أنس أيضاً قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولد لي غلام فسميته باسم أبي إبراهيم فذكر الحديث، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، وفي لفظ: فأخذه فوضعه في حجره، وقال: يا بني، لا أملك لك من الله شيئاً، فقال عبد الله بن عوف وأنس: يا رسول الله أتبكي وتنهى عن البكاء؟ فقال: يا بن عوف، إنها رحمة ومن لا يرحم لا يرحم، ثم أتبعها بأخرى فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون» رواه البخاري ومسلم بدون زيادة الألفاظ، وفيه دليل على البكاء قبل الموت.
«وعن أنس أيضاً ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، وإن عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتذرفان، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له» رواه البخاري.
و «عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال: مهلاً يا عمر، ثم إياكن ونعيق الشيطان.
ثم قال: إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله عز وجل ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان» رواه الإمام أحمد.
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن سعد بن معاذ، لما مات، حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ قالت: فو الذي نفسي بيده، إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتي.
رواه الإمام أحمد.
و عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في جنازة، فرأى عمر امرأة فصاح بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعها يا عمر، فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب» رواه ابن ماجه.
وعن أسماء بنت يزيد، قالت: » لما توفي ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم بكي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ـ إما أبو بكر وإما عمر ـ: أنت أحق من عظم لله حقه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، لولا أنه وعد صادق، وموعد جامع، وأن الآخر تابع للأول، لوجدنا عليك يا إبراهيم أفضل ما وجدنا، وإنا بك لمحزنون» رواه ابن ماجه.
وفي لفظ: «أتبكي، أو ما نهيتنا عن البكاء؟ قال: ليس عن البكاء نهيت ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نغمة لهو ولعب ورنة شيطان، وصوت عند مصيبة، لطم وجوه وشق جيوب ورنة شيطان، وهذه رحمة، ومن لايرحم، يا إبراهيم، لولا أنه أمر حق، ووعد صادق، وسبيل لابد نأتيه، وأن آخرنا سوف يلحق بأولنا، لحزنا عليك حزناً هو أشد من هذا، وإنا بك لمحزونون» .
وقال الإمام أحمد: «حدثنا يزيد، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، رضي الله عنهما ـ قال: ماتت زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، ثم قال: مهلاً يا عمر ثم قال: ابكين، وإياكن ونعيق الشيطان، ثم إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله عز وجل» ، وذكر تمام الحديث وقد تقدم.
وروى الإمام أحمد أيضاً بسنده، «عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: ماتت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الحقي سلفنا الخير عثمان بن مظعون وبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: دعهن يبكين، وإياكن ونعيق الشيطان، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهما يكن من القلب والعين، فمن الله والرحمة، ومهما كان من اليد واللسان، فمن الشيطان وقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة لها» .
فقد ثبت في حديث موت زينب ورقية بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم البكاء بعد الموت.
وقد جاء في آثار جمة «أنه صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله» .
وصح «عنه صلى الله عليه وسلم أنه قبل عثمان بن مظعون حتى سالت دموعه على وجهه» .
وتقدم قصة جعفر وعبد الله بن رواحة وأصحابهما.
وكذلك صح عن أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ أنه قبل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت، وبكى وأبكى.
وكذلك بكى علي على النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذه الأحاديث كلها دالة على جواز البكاء قبل الموت وبعده من غير كراهة، وما ذكره أصحاب الشافعي ومن قال بقولهم من الكراهة بعد الموت مستدلين بما تقدم من أحاديث النهي، فكلها محمولة على البكاء الذي معه ندب ونياحة.
ويؤيد ذلك ما يأتي ذكره: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» ، وفي لفظه: «يعذب بما نيح عليه» .
وأما من ادعى النسخ في حديث حمزة فلا يصح، لأن معناه لا تبكين على هالك بعد اليوم من قتلى أحد.
ويدل على ذلك أن نصوص الإباحة أكثرها متأخرة عن غزوة أحد، منها حديث أبي هريرة، لأن إسلامه وصحبته كانا في السنة السابعة، ومنها البكاء على جعفر وأصحابه، وكان استشهادهم في السنة الثامنة، وكذلك البكاء على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان في الثامنة أيضاً، والبكاء على قبر أمه صلى الله عليه وسلم كان عام الفتح.
وأما قولهم: إنما جاز قبل الموت حذراً بخلاف ما بعد الموت.
جوابه: أن كان الباكي، قبل الموت، يبكي حزناً، وحزنه بعد الموت أشد، لأنه قبل الموت ربما يرتجى، وبعده فقد فقدت الرجوى، فبكى لفراق لا عودة بعده في الدنيا، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «أن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول ما يسخط الرب» ومنها: قال البخاري: قال عمر: دعهن يبكين على أبي سلمان ما لم يكن نقع أو لقلقة.
والنقع: التراب على الرأس.
واللقلقة: الصوت.
«حدثنا إسحاق بن منصور، عن أبي رجاء عبد الله بن واقد، عن محمد بن مالك، عن البراء بن عازب، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة، فلما انتهينا إلى القبر، فاستدرت، فاستقبلته، فإذا هو يبكي حتى بل الثرى، ثم قال: إخواني، لمثل هذا اليوم فأعدوا» رواه الإمام أحمد.
فصل ـ فيما روي على النبي صلى الله عليه وسلم في البكاء على الميت
وقد ذكر بعض العلماء أن البكاء الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله وأباحه، أو أمر به للاستحباب، هو البكاء الذي هو دمع العين ورقة القلب ورحمته، والذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، وهو البكاء ـ بالمد ـ الذي يستلزم الصراخ والندب والعويل.
ويشهد لهذا قوله: «ما كان من العين والقلب فمن الله عز وجل، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان، ونهى عن رنة الشيطان» وهو رفع الصوت عند المصيبة.
قلت: هذا وإن كان حسناً، يعكر عليه وما حكيناه عن الجوهري: إن البكاء يمد ويقصر، فهو لغتان، فلا فرق فيه بين المد والقصر، والله أعلم.
فصل ـ في التحذير مما يتفوه به المصاب من ألفاظ التظلم والشكوى
وليحذر العبد كل الحذر، أن يتكلم في حال مصيبته وبكائه، بشيء يحبط به أجره، ويسخط به ربه، مما يشبه التظلم، فإن الله تعالى عدل لا يجور وعالم ل يضل ولا يجهل، وحكيم أفعاله كلها حكم ومصالح، ما يفعل شيئاً إلا لحكمة، فإنه سبحانه له ما أعطى، وله ما أخذ، لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، وهو الفعال لما يريد، والقادر على ما يشاء، له الخلق والأمر.
بل إنما يتكلم بكلام يرضي به ربه ويكثر به أجره، ويرفع الله به قدره.
وقد روى ابن أبي الدنيا بإسناده قال: حدثني يونس بن محمد المكي، قال: زرع رجل من أهل الطائف زرعاً، فلما بلغ، أصابته آفة فاحترق، فدخلنا عليه لنسليه عنه، فبكى وقال: والله ما عليه أبكي ولكن سمعت الله تعالى يقول: {كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته} .
فأخاف أن أكون من أهل هذه الصفة، فذلك الذي أبكاني.
قال أبو العرب: لما أمر عبد الله بن زياد بالبلجاء أن يمثل بها، جاؤوا ومعهم الحديد والحبال، فقالت: إليكم أتكلم بكلام يحفظه عني من سمعه قال: فحمدت الله وأثنت عليه، ثم قالت: هذا آخر يومي من الدنيا، وهو غير مأسوف عليه، وأرجو أن يكون أول أيامي من الآخرة، وهو اليوم المرغوب فيه، ثم قالت: والله، إن علمي بفنائها هو الذي زهدني في البقاء فيها، وسهل علي بلواءها، فما أحب تعجيل ما أخر الله، ولا تأخير ما عجل الله، والحمد لله على السراء والضراء، وعلى العافية وعلى البلاء، ثم قالت: كنت أؤمل في الله ما هو أكثر من هذا قال: ثم إنهم قطعوا يديها ورجليها، فجعل الدم لا يرقأ، فقالت: حياة كريمة، وميتة طيبة، لأني نلت ما أملت ـ يا نفس ـ من جزيل ثواب الله، فقد نلت سروراً دائماً لا يضرك معه كدر.
وهي حين قطعوا يديها ورجليها، فلم تتكلم، فقيل لها ذلك، فقالت: شغلني هول المطلع عن ألم حديدكم هذا.
ثم أتوا بالنار، لتكوى بها، فلما رأتها صرخت، فقيل لها: لقطع اليدين والرجلين لم تنطقي، فلما رأيت النار صرخت؟ فقالت والله ليس من ناركم صرخت، ولا على دنياكم أسفت، ولكنني ذكرت بها النار الكبرى، فكان الذي رأيتم من ذلك.
قال: فأمر بها، فسملت عيناها، فقالت اللهم قد طال في الدنيا حزني، فأقر في الآخرة عيني ثم قالت: لئن كنت على بصيرة من أمري إن هذا لقليل في جنب ما أطلب من ثواب الله.
قال: فما تكلمت بغيرها حتى ماتت رحمها الله تعالى.
وكانت البلجاء من شيعة علي ـ رضي الله عنه ـ وكان قد بلغ الحسن بن علي أن ابن زياد يتتبع شيعة علي فيقتلهم، فقال: اللهم اقتله وأمته حتف أنفه.
والإسناد: قال أبو العرب: حدثنا عبد الله بن الوليد، عن جابر بن خداش بن عجلان، ثنا سالم بن عمير، عن سالم الهلالي، فذكره.
وليحذر العبد أيضاً أن يدعو على نفسه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما مات أبو سلمة: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» .
وليعلم أيضاً أن البكاء يضر الحي والميت، فإن الحي يخاف على عينيه، كما قال الله تعالى في قصة يعقوب ـ عليه السلام ـ: {وابيضت عيناه من الحزن} ، والميت لا يستريح به، فقد ذكر الحافظ أبو شجاع شيرويه الديلمي بإسناده، عن علي بن الحسين، قال بينا داود الطائي جالساً مع أصحابه يوماً، إذ غفا وهو معهم، ثم انتبه، فقال: أتدرون ما رأيت في نومتي هذه؟ دخلت الجنة، فرأيت فيها صبياناً يلهون بالتفاح، يناول بعضهم بعضاً، وصبي ناحية عنهم جالس حزين يرى الانكسار عليه بيناً، فقلت: ما بال ذلك الصبي لا يلهو معكم كما تلهون؟ قالوا: ذاك حديث عهد بالدنيا، وأمه تكثر البكاء عليه، فانكساره لكثرة بكاء أمه عليه، قال: فقلت: أين منزلهم؟ قالوا في قبيلة آل فلان، قال: فقلت من أبواه؟ قالوا: فلان وفلانة، قلت: فما اسمه؟ قالوا: فلان.
فقال داود لأصحابه: فانطلقوا، قال: فانطلقوا فأتوا القبيلة، فسألوا عن أبويه، فلقيهما أو لقي أحدهما، فقال لهما ما رأى في منامه، فجعلت الأم على نفسها أن لا تبكي عليه أبداً.
فصل ـ في البكاء والتأسف على من فرط في جانب الله تعالى
والبكاء والأسف على من فرط في جنب الله، أو من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وهو داخل تحت المشيئة، وعنده من الندامة كامثال الجبال، ومن الحسرات كعدد الرمال، فإن الصحة لا يعرف مقدارها على الحقيقة إلا المرضى، كما أن العافية لا يعرف مقدارها إلا المبتلى، فكذلك الحياة لا يعرف مقدارها إلا الموتى لأنهم قد ظهرت لهم الأمور، وانكشفت لهم الحقائق، وعلموا مقدار الأعمال الصالحة، إذ ليس ينفق هنالك إلا عمل زكي، ولا يرتفع هناك إلا عبد تقي، فالمقسر يود لو أنه رد فاستدرك ما فات، ونظر فيما فيه فرط، والمهمل العمل بالجملة، يكون تمنية الرجوع أكثر، وحرصه على العودة أشد، فالواجب اغتنام الصحة والفراغ، المغبون فيهما كثير الناس.
وإنما يحصل للشخص الحزن والبكاء على ما أصيب به، لذهوله عما بين يديه من سكرات الموت وغصصه، والانفراد في القبر وحيداً ذليلاً مستوحشاً ثم مسائلة منكر ونكير عليهما السلام، وطول مكثه تحت الثرى، إما منعماً وإما معذباً، ثم من بعد ذلك خروجه من قبره وقيامه لرب العالمين، ثم وقوفه الطويل في المحشر وما يرى من أهوال يوم القيامة، ثم حسابه بين يدي الله تعالى ووزن أعماله وتطاير الصحف والمحاسبة على مثاقيل الذر، وأنه وجد ما عمل محصياً عليه، محرراً في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنه بين رجاء وخوف، إما لذات اليمين أو لذات الشمال.
فلو استشعر المصاب هذه المصائب العظيمة التي بين يديه، وهو غافل عنها، غير مستعد لها، لشغلته عن مصابه بأحبابه، ولرجع إلى الصبر والرضا بما قدره وأمضاه، فإن قدر على نفع، نفع ميته به، وإلا فلا يؤذيه بما نهى الشرع عنه من الندب والنياحة ولطم الخدود وشق الجيوب، وغير ذلك من الأفعال والأقوال المكروهة، التي ذمها السلف والخلف، كما سنبينه بعد إن شاء الله، نسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة.
فصل ـ في أن الحزن لم يأمر به الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم
والحزن لم يأمر الله تعالى به ولا رسوله، لا في المصيبة ولا في غيرها، بل قد نهى الله عنه في كتابه وإن تعلق بأمر الدين.
لكن منه محمود ومذموم كقوله تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون} .
وقوله: {ولا تحزن عليهم }
وقوله تعالى في حق نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر: {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } .
وقوله تعالى: {فلا يحزنك قولهم}
ونحو ذلك من الآيات كثير في القرآن.
وما ذاك إلا لأن الحزن لا يجلب منفعة، ولا يدفع مضرة، فلا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه لا يأمر الله به، لكن لا يأثم به صاحبه إذا لم يقترن بحزنه محرم ـ كما تقدم ذكره ـ من قول أو فعل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يؤاخذ بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يؤاخذ بهذا ـ وأشار بيده إلى لسانه ـ أو يرحم» فدل على أنه لا يأثم إلا إذا اقترن به ما يجلب الإثم.
ويؤيده أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب» .
قال مالك بن دينار: القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب، كما أن البيت إذا لم يسكن خرب.
وقال عبد الله بن أحمد: حدثني علي بن مسلم، ثنا بشار، ثنا جعفر، ثنا إبراهيم بن عيسى، قال: ما رأيت أطول حزناً من الحسن، ولما رأيته، حسبته حديث عهد بمصيبة.
ثم ذكر بسنده عن مالك، قال: بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك.
ومنه قوله تعالى: {وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن} .
فكل هذه الأدلة تدل على أنه لا ياثم به صاحبه، فالبكاء والحزن على الميت على وجه الرحمة والرقة حسن، ولا ينافي الرضا والصبر بخلاف البكاء عليه لفوت حظ الحي منه، فإذا اقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه فيكون محموداً من تلك الجهة لا من جهة الحزن، فالحزين على مصيبة في دينه، وعلى مصائب المسلمين عموماً.
فهذا يثاب على ما في قلبه من الخير وبغض الشر، وتوابع ذلك.
ولكن الحزن على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة نهي عنه، وكان حسب صاحبه الإثم عنه من جهة الحزن، وأما إن أفضى إلى ضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما أمر الله به ورسوله كان مذموماً عليه من تلك الجهة، إن كان محموداً من جهة أخرى، فإنه إن كان المحزون عليه لا يمكن استدراكه لم ينفع الحزن.
فالعاقل يدفعه عن نفسه، ولا يضم إلى مصيبته أخرى، وليعلم أنه سيسلو بعد حين، والله أعلم.
الباب الثالث ـ في تحريم الندب والنياحة وشق الثياب
الندب: اسم للبكاء على الميت وتعداد محاسنه، قاله الجوهري، والاسم الندبة بالضم، وقيل تعداد شمائل الميت، فيقال: واكريماه واجبلاه والهفاه.
والنوح: قال القاضي عياض: هو اجتماع النساء للبكاء على الميت متقابلات، وذكر في المغني أنه تعداد محاسن الميت بلفظ النداء، إلا أنه يكون بلفظ الواو، وربما زيد فيه الألف والهاء مثل قولهم: وا رجلاه وا جبلاه وا انقطاع ظهراه، ونحوه.
وقال غيره: قال أهل اللغة: النياحة: اسم لاجتماع النساء للبكاء على الميت متقابلات، كما ذكر القاضي عياض، والتناوح: التقابل.
ثم استعمل في صفة بكائهن
بصوت ورنة وندبة.
واعلم ـ رحمك الله ـ أن المطلوب في المصيبة السكون والصبر، والرضا بقضاء الله تعالى، والحمد والاسترجاع، والصدقة عن المصاب به والدعاء له، وأما الندب والنياحة، وشق الجيوب، ولطم الخدود، وقول المنكر، كل هذا ينافي ما ذكر.
وقد نص الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ على تحريم الندب والنياحة، قال في رواية حنبل: النياحة معصية.
وقال أصحاب الشافعي وغيرهم: النوح حرام.
وقال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على أن النياحة لاتجوز للرجال ولا للنساء.
وقال أبو الخطاب ـ رحمه الله ـ في الهداية: ويكره الندب والنياحة، وخمش الوجوه، وشق الجيوب، والتحفي.
وهذا قول ضعيف مصادم لما ورد من السنة.
وذكر الشيخ في المغني قال: حرب عن أحمد كلاماً فيه احتمال إباحة النوح والندب، قال: واختاره الخلال وصاحبه، لأن واثلة بن الأسقع، وأبا وائل كانا يسمعان النوح ويبكيان، ثم قال: وظاهر الأخبار تدل على التحريم.
انتهى كلامه.
واستنادهم في ذلك لآثار مروية عن بعض الصحابة والسلف، لا ترد ما ورد في الصحيح والمسانيد.
فإنهم قالوا: قد روى حرب عن واثلة بن الأسقع وأبي وائل: إنما كانا يسمعان النوح ويبكيان.
قالوا: وقد ورد في الصحيح من «حديث أم عطية، قالت: لما أنزلت هذه الآية: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين} إلى قوله: {ولا يعصينك في معروف} كان منه النياحة، فنهانا عن النياحة فقبضت امراة منا يدها فقالت: فلانة أسعدتني فإنما أريد أن أجزيها، قال: فما قال لها شيئاً فذهبت فانطلقت، ثم رجعت فبايعها» .
وفي لفظ الصحيح «قالت أم عطية: يا رسول الله إلا آل فلان، فإنهم أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي أن أسعدهم فقال: إلا آل فلان» .
والجواب عن ذلك: أن المرأة التي سكت عنها ذلك خاص بها لوجهين:
أحدهما: أنها حديثة عهد بالإسلام، فربما كان فيه تنفير لها عنه.
الثاني: أنه قال لغيرها لما سألته ذلك، قال: «لا إسعاد في الإسلام» .
فإطلاقه لها، وحجره على غيرها، يدل على الخصوص.
وعلى الرواية الأولى: أن امرأة قبضت يدها، ولم تبايع إلا بعد الإسعاد، فلا إشكال، وقد حكى بعض المبايعات القصة ولم تستثن أحداً، فما ورد في سنن أبي داود من حديث أسيد بن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه: أن لا نخمش وجهاً، ولا ندعو ويلاً ولا نشق جيباً، ولا ننبش شعراً
فصل ـ فيما ورد من تحريم ذلك، وما ورد من الوعيد عليه
عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «: ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» .رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: «وجع أبو موسى وجعاً، فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فأقبلت تصيح برنة، فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً، فلما أفاق قال: إني بريء ممن برئ منه محمد صلى الله عليه وسلم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة» .رواه البخاري ومسلم عن الحكم بن موسى، إلا أن البخاري لم يذكر أنه حدثه به، بل قال: قال الحكم بن موسى فهو عنده معلق.
قوله: الصالقة يعني التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة: التي تحلق شعرها، والشاقة التي تشق ثوبها.
وعن أم عطية، قالت: « أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند البيعة، أن لا ننوح» ، فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة، أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ، وامرأتان، أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ وامرأة أخرى .رواه البخاري، وهذا لفظه، ومسلم.
«وعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم على النساء حين بايعهن، أن لا ينحن، فقلن: يا رسول الله إن نساء أسعدننا في الجاهلية أفنسعدهن في الإسلام؟ فقال: لا إسعاد في الإسلام» رواه الإمام أحمد.
«وعن أبي مالك الإشعري ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة.
وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» انفرد باخراجه مسلم.
وفي حديث جابر في قصة ابراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم، وفيه: «ألم تنه عن البكاء؟ قال: لا ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة خمش وجه وشق جيوب ورنة شيطان».الحديث رواه الترمذي
وكذلك تقدمت قصة قتل زيد بن حارثة وأصحابه، «من حديث عائشة، قالت: لما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الحزن، قالت عائشة: وأنا أنظر من صائر الباب [شق الباب] فأتى رجل فقال: يا رسول الله، إن نساء جعفر، وذكر بكاءهن، فأمره أن يذهب فينهاهن، فذهب، فأتاه فذكر أنهن لم يطغنه، فأمره الثانية أن ينهاهن، فذهب، ثم أتاه، فقال: والله لقد غلبننا يا رسول الله، قالت: فزعمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اذهب فاحث في أفواههن التراب قالت عائشة: فقلت: أرغم أنفك، والله ما تفعل ما أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم من العناء» .رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظه.
وعن عبيد بن عمير، عن أم سلمة، قالت: «لما مات أبو سلمة قلت: غريب وفي أرض غريبة، لأبكينه بكاءً يتحدث عنه، فكنت قد تهيات للبكاء عليه إذا أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أتريدين أن يدخل الشيطان بيتاً أخرجه الله منه مرتين؟» فكففت عن البكاء فلم أبك.انفرد بإخراجه مسلم.
وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « النياحة على الميت من أمر الجاهلية، فإن النائحة إذا لم تتب قبل أن تموت فإنها تبعث يوم القيامة عليها سربال من قطران، ثم يعلى عليها بدرع من لهب النار» رواه ابن ماجة من رواية عمر بن راشد اليمامي، وقد ضعفه غير واحد.
وقد روي في صحيح مسلم بأتم من هذا وأبين.
وعن أبي أمامة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم « لعن الخامشة وجهها، والشاقة ثوبها، والداعية بالويل والثبور» . رواه ابن ماجة.
والثبور: الهلاك، ومنه قوله تعالى: {دعوا هنالك ثبوراً} ، أي صاحوا: وا هلاكاه.
وعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: « لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة » . رواه أبو داود من رواية عطية العوفي وقد تكلم فيه.
فصل ـ فيما ورد من عذاب الميت بالنياحة
«عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: الميت يعذب في قبره بما نيح عليه» ، وفي رواية: «يعذب بما نيح عليه » .ولم يذكر في قبره رواه البخاري ومسلم.
«وعن المغيرة بن شعبة، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنه من ينح عليه يعذب بما نيح عليه» رواه البخاري ومسلم.
وعن أسيد بن أبي أسيد عن موسى بن أبي موسى عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة: وا عضداه! وا ناصراه! وا كاسباه! جبذ الميت، وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسبها؟» فقلت: سبحان الله! يقول الله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ، فقال: أحدثك عن أبي موسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول هذا فأينا كذب؟ فو الله ما كذبت على أبي موسى، ولا كذب أبو موسى على رسول الله صلى الله عليه وسلم.رواه الإمام أحمد.
وعن المغيرة بن شعبة ـ رضي الله عنه ـ قال: « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كذباً علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعدة من النار» سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ينح عليه يعذب بما نيح عليه» رواه البخاري، وهذا لفظه، ومسلم.
وعن النعمان بن بشير، قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي وتقول: وا جبلاه، وا كذا وا كذا، تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئاً إلا وقد قيل لي: أنت كذلك؟ ! فلما مات لم تبك عليه.رواه البخاري.
وروى الترمزي في جامعه «عن أبي موسى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من ميت يموت، فيقوم باكيهم فيقول وا جبلاه، وا سيداه، أو نحو ذلك، إلا وكل به ملكان يلهزانه: أهكذا كنت؟» قال الترمذي: حديث حسن غريب.
قوله: «يلهزانه» ، اللهز: الدفع بجميع اليد في الصدر.
فصل ـ في أن البكاء لا ينفع الميت بل ينفعه العمل الصالح
وليعلم أن البكاء المجرد، ليس فيه منفعة للميت البتة وإنما ينفعه عمله، كما في صحيح البخاري ومسلم، من حديث «أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يتبع الميت ثلاث، أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان، ويبقى واحد: يرجع أهله وماله، ويبقى عمله» .
وفي الصحيح: «إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له» . فلا منفعة للميت بالبكاء والانزعاج.
قال أبو الفرج بن الجوزي: أما بعد، فإني رأيت عموم الناس، ينزعجون لنزول البلاء، انزعاجاً يزيد عن الحد، كأنهم ما علموا أن الدنيا على ذا وضعت! وهل ينتظر الصحيح إلا السقم؟ والكبير إلا الهرم؟ والموجود سوى العدم؟! كما قيل:على ذا مضى الناس، اجتماع وفرقة ... وميت ومولود وبشر وأحزان
وما أحسن ما روي عن بعض السلف، أن رجلاً جاءه وهو يأكل طعاماً، فقال له: لقد مات أخوك، أعظم الله أجرك فيه، فقال: اقعد وكل، فقد علمت ذلك، فقال: من أعلمك وما سبقني إليك أحد؟ قال: قوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} .
ثم قال: ولعمري، إن أصل الانزعاج لا ينكر، إذ الطبع مجبول على الجزع من حلول المنايا، وإنما ينكر الإفراط فيه والتكليف، كمن يخرق ثيابه ويلبس الثياب المرذولة عند موت قريبه، ويلطم وجهه، ويعترض على القدر، وهذا، ومثله، وأكثر منه، لا يرد فائتاً، لكنه يدل على خور الجازع ويوجب العقوبة، مع ما يفوته من الأجر والثواب.
قال بعض الحكماء: إذا كان الصبر محموداً عند المصائب، ومرغوباً فيه عند حلول النوائب، فالجزع مذموم بكل مقال، وصاحبه ملوم في كل حال، فتعجل المحمود عند العقلاء أحسن، وتجنب المذموم من الخصال أزين.
فصل ـ في بيان أن الله سبحانه هو الفعال لما يريد
وفي بعض ما تقدم من أحاديث النهي هذه، كفاية لمن تدبرها، وكيف لا تكون هذه الخصال القبيحة منهياً عنها، وهي مشتملة على التسخط على الرب عز وجل، الفعال لما يشاء، الحكم بما يريد، المتصرف في عبيده بما يختار من موت وغرق وحرق، وغير ذلك مما قضاه وقدره وأمضاه، لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون؟! بل فعل النوح، وشق الثياب، ولطم الخدود، وخمش الوجوه، ونبش الشعر ونتفه، والتحفي، وتسويد الوجه والبدن، والدعاء بالويل والثبور، وغير ذلك من الأقوال والأفعال المنكرة التي ورد الشرع بالنهي عنها، وذم فاعلها، وأن فاعلها شرع في الدين ما لم يأذن به الله ولا رسوله، هو مناف للرضا والصبر، ويضر بالنفس والبدن، ولا يرد من قضاء الله وقدره شيئاً.
وقد بلغني عن أناس أعرفهم، أصيبوا بمصيبة، أزعجوا أنفسهم لأجل مصابهم ببعض ما ذكر، فأورثهم ذلك مرض وحمى، فإذا استسلم المصاب وانقاد، ووكل الأمر لمن بيده الخلق والأمر، وعلم أن سعادة العباد في معاشهم ومعادهم باتباع الرسل، فتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمره به، وفيما نهاه عنه، وكان مما جاء به تحريم هذه الأفعال والأقوال المنكرة التي تقدم ذكرها: بل «العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول ما يسخط ربنا» .
فإذا سمع المصاب ذلك، فأطاع وانقاد، حصلت له السعادة الأبدية باتباعه الرسول في أقواله وأفعاله، لقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..} الآية.
فصل ـ فيما يفعله الإنسان إذا أحس بدنو أجله
والذي ينبغي أولاً، لمن غاب على الظن أنه يصاب بالموت في مرضه، أن يعامل بأحسن المعاملات، بما ينفعه في قبره ويوم معاده، فيذكره الآخرة، ويأمره بالوصية والتوبة، ويلقنه شهادة أن لا إله إلا الله، لتكون آخر كلامه.
ويكون قبل ذلك قد نهى من لطم الخدود وشق الثياب وتمزيقها، ونتف الشعر، ورفع الصوت بالندب والنياحة، وغير ذلك من قول وفعل منكر، ويكون مع ذلك، في هذه الحالة، رجاؤه بالله أكثر من خوفه، وهو كثير الحمد والاسترجاع والرضا عن الله عز وجل.
وقد روى ابن أبي الدنيا بإسناده، «عن محمد بن مسلمة، قال: بلغني أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أوصني ولا تكثر علي، قال: لا تتهم الله عز وجل في شيء قضاه لك» .
وروى أيضاً بإسناده، «قال لعائشة ـ رضي الله عنها ـ: ما كان أكثر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته إذا خلا؟ قالت: كان أكثر كلامه إذا خلا في بيته: ما يقضى من أمر يكن» .
فهذا رسول رب العالمين يقول هذه المقالة، وهو أعرف الخلق، وأعلمهم بالله، فإذا وطن العبد نفسه على أن ما يقضي من أمر يكن لا محالة، فإتعاب النفس والبدن في ما لا يجدي شيئاً ليس من حصافة العقل، ويعلم أن الدنيا موضوعة على الكدر، فالبناء إلى نقض، والجميع إلى تفريق، ومن رام بقاء ما لا يبقى كان
كمن رام وجود ما لا يوجد، فلا ينبغي أن يطلب من الدنيا ما لم توضع له.
فصل ـ في قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه "
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» و «إن الميت يعذب بالنياحة عليه» وقد تقدمت هذه الأحاديث، فاختلف السلف والخلف في ذلك.
فقالت طائفة: الله يتصرف في خلقه بما يشاء، وأفعال الله لا تعلل، ولا فرق بين التعذيب بالنوح عليه، والتعذيب بما هو منسوب إليه، لأن الله تعالى خالق الجميع، والله تعالى يؤلم الأطفال والبهائم والمجانين بغير عمل عملوه.
وقالت طائفة اخرى: هذه الأحاديث لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنكرتها عائشة ـ رضي الله عنها ـ واحتجت بقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ثم أحاديث لم نذكرها بعد، وهي مما استدلت بها عائشة رضي الله عنها.
ومنها «عن عروة، قال: ذكر عند عائشة، أن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ يرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله.
فقالت: ذهل إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن» ، وذلك مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم «قام على القليب يوم بدر، وفيه قتلى بعض المشركين، فقال ما قال: إنهم ليسمعون ما أقول، وقد ذهل، إنما قال: إنهم ليعلمون أن ما كنت أقوله لهم حق.
ثم قرأ: {إنك لا تسمع الموتى} {وما أنت بمسمع من في القبور} يقول: تبوؤوا مقاعدهم من النار» .
رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظه.هكذا ساقه بطوله الحافظ الضياء.
وعن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، قال: « توفيت بنت لعثمان بمكة، وجئنا لنشهدها، وحضر ابن عمر وابن عباس، إني لجالس بينهما، أو قال: جلست إلى أحدهما، ثم جاء الأخير فجلس إلى جنبي، فقال عبد الله بن عمر لابن عباس: ألا تنهى عن البكاء، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه! فقال ابن عباس: قد كان عمر يقول بعض ذلك.
ثم حدث قال: صدرت مع عمر من مكة، حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب، حتى إذا ظل سمرة، قال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ فنظرت، فإذا صهيب، فأخبرته، فقال: ادعه لي، فرجعت إلى صهيب، فقلت له: ارتحل فالحق أمير المؤمنين، فلما أصيب عمر، دخل صهيب يبكي، يقول: وا أخاه، وا صاحباه، فقال عمر: يا صهيب، أتبكي علي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه؟ ! قال ابن عباس: فلما مات عمر، ذكرت ذلك لعائشة، فقالت: يرحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه.
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه.
وقالت: حسبكم القرآن: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عند ذلك: {وأنه هو أضحك وأبكى} ، قال ابن ملكية: والله ما قال ابن عمر شيئاً» .
رواه البخاري، وهذا لفظه، ومسلم.
وفي صحيح البخاري ومسلم، «أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ ذكر لها أن عمر وابنه عبد الله يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي.
قالت إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين، ولا متهمين، ولكن السمع يخطىء، وفي لفظ قالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي وأخطأ، إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكي عليها، فقال: إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها» .
وقالت طائفة أخرى: قوله: إن الميت ليعذب بنوح أهله، محمول على من أوصى به، أو كانت من عادتهم ذلك ولم ينههم، يعني يوصي قبل موته أن لا يحدثوا قولاً ولا فعلاً منكراً.
وهذا كان مشهوراً عند العرب، وهو كثير في أشعارهم كقول طرفة:
إذا مت فانعني بما أنا أهله ...وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
وقال لبيد:
فقوما فقولا بالذي قد علمتما ...ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعر
وقولا: هو المرء الذي لا حليفه ... أضاع، ولا خان الصديق، ولا غدر
وقالت طائفة أخرى: وهو محمول على سنته وسنة قومه البكاء والنوح، وقد اشتهر أن هذا معروف منهم، فإذا لم ينههم دخل في الوعيد، لأن ترك نهيه عن البكاء دليل على رضائه به منهم.
وهذا قول عبد الله بن المبارك، وهذا القول والذي قبله هو قول واحد، وقد حكى بعض أهل العلم: أن هذين القولين متباينان ولم يظهر لي ذلك، والله أعلم.
وقال أبو البركات ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: هذا القول هو أصح الأقوال كلها وأرجحها، لأنه إذا غلب على ظنه فعلهم له، ولم يوصهم بتركه، فقد رضي به، وصار كمن ترك النهي عن المنكر مع القدرة عليه، فأما إذا أوصاهم بتركه، فخالفوه، فالله أكرم من أن يعذبه بذلك.
وقال العلام ابن المقيم ـ رحمه الله ـ: وقد حصل بهذا القول إجراء الخبر على عمومه في أكثر الموارد، وإنكار عائشة ـ رضي الله عنها ـ لذلك بعد رواية الثقات لا يعول عليه، فإنهم قد يحضرون ما لا تحضره، ويشهدون ما تغيب عنه، واحتمال السهو والغلط بعيد جداً، خصوصاً بحق خمسة من أكابر الصحابة، وقد تقدم ذكره عن أكثر من خمسة من الصحابة.
وقوله في اليهود لا يمنع أن يكون قد قال مارواه عن هؤلاء الصحابة في أوقات أخر، ثم هي محجوجة بروايتها عنه أنه قال: «إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه» ، فإذا لم يمتنع زيادة الكافر عذاباً بفعل غيره، مع كونه مخالفاً لظاهر الآية، لم يمتنع ذلك في حق المسلم، إن الله سبحانه، كما لا يظلم عبده المسلم، لا يظلم الكافر، والله تعالى أعلم.
فصل ـ في أن ما أورده من الأحاديث لا يخالف قواعد الشرع
واعلم ـ رحمك الله ـ أن هذه الحاديث، لا تحتاج إلى شيء من هذه التعسفات، وليس فيها بحمد الله إشكال، ولا مخالفة لظاهر القرآن، ولا لقاعدة من قواعد الشرع، ولا تتضمن عقوبة الإنسان بذنب غيره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: إن الميت ليعاقب ببكاء أهله عليه أو بنوح أهله عليه، وإنما قال: إنه ليعذب بذلك.
ولا ريب أن ذلك يؤلمه ويعذبه، والعذاب هو الألم الذي يحصل له، وهو أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص.
وقد «قال النبي صلى الله عليه وسلم: السفر قطعة من العذاب» .
وهذا العذاب يحصل للمؤمن والكافر، ويحصل للميت الألم في قبره بمجاورة أهل البدع والفسق والعصيان، ويتأذى بذلك كما يتأذى الإنسان في الدنيا بما يشاهده من عقوبة جاره.
ونص الإمام أحمد، على أن الموتى يتأذون بفعل المصيبة عندهم، فإذا بكى أهل الميت عليه البكاء المحرم، من لطم الخدود، وتمزق الثياب، وخمش الوجوه وتسويدها، وقطع الشعر ونتفه، ودعا بدعوى الجاهلية، وكل هذا موجود في غالب جهال أهل زماننا، فإذا وجدت هذه الأفعال والأقوال على هذا الوجه، حصل للميت الألم في قبره بذلك، فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه.
فصل ـ في وسوسة الشيطان للمريض ولأقاربه وأهله
قد يستحوذ الشيطان على المريض، فيوسوس له بأنك ستفارق المحبوبات، وتخرج من الدنيا إلى مكان فظيع موحش، وتلقى بين أطباق الثرى، وكيف يؤلمك؟ ! فربما أسخطه على ربه، وكرهه لقاء الله عز وجل.
وربما أنطقه بكلام يتضمن نوع إعراض وتسخط.
ثم يوسوس لأقاربه، بأنه لا بد أن يفوتكم من بره وإحسانه ما يزيد عن الوصف، أو أنه كان قد نشأ منشأحسناً، وقد بدأ يترقى إلى المناصب العالية، فيهيج هؤلاء على البكاء المحرم، وفعل ما لا يجوز فعله، ويهيج المريض على الحزن على فراق الدنيا.
فينبغي لكلا الطائفتين، أن يتداووا بالأدوية الشرعية، وقد تقدم في الباب الأول ما فيه كفاية من الأدوية الإلهية فلا حاجة إلى تكرارها، ولكن يجاب عن هذا بجوابين:
أحدهما: أن الأغلب فيمن يفارقه أنه يؤثر فراقه خصوصاً إن كان شيخاً كبيراً أو أنه شاب أو كهل يحجر على من ذكرته من قرابة أو ولد ونحوه، أو له خلق شديد، وأخص منه إن كان ذا مال وقد رأيت في زماننا من كان من أصحاب الأموال وهو محسن لأهله وأقاربه، فمرض فأوصى بوصايا لأقاربه لمن ليس بوارث في الحال، فلما مات خلف مالاً جزيلاً، فاشتغل الوارث وغيره بالمال عن الحزن عليه، فأخذوا في الخصام عليه وتفرقته.
فهذا، وهو محسن إليهم بماله، وما أخذوه فهو سريع الذهاب، وأما بره إليهم لو بقي حصل لهم أضعاف ذلك.
فلا ينبغي للعبد أن يحزن لفراق من لا يحزن لفراقه.
وذكر أبو القاسم بن عساكر، قال: أنشدني محمد بن الأشعث لنفسه، في ذم الحزن من حيث هو:
قلم القضاء جرى بكل مكون ... يا صاحب الأحزان ماذا تحزن!
إن كان سخطك ليس يجلب راحة ...فرضاك بالبلوى أحق وأحسن
والثاني الرجاء لملاقاة من هو أحب إليه منه، وما من مؤمن يموت فيؤثر الرجوع إلى الدنيا ولو أنها جميعها له إلا الشهيد.
فإنه يحب الرجوع ليقاتل مرة أخرى، لما يرى من عظم أجر الشهادة، كما سيأتي ذكره بعد.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من نفس مؤمنة مسلمة يقبضها ربها عز وجل تحب أن تعود إليكم وأن لها الدنيا وما فيها» .
فصل ـ فيما ذكر في النعي والمناداة على الميت
وهو إعلام الناس بموت الشخص، على ما يفعله أهل زماننا بالكبير أو بالمشهور، ويرسلون منادياً يعلم الناس به.
قال العلامة ابن القيم في الهدي: «وكان من هديه صلى الله عليه وسلم ترك نعي الميت، بل كان ينهىعنه ويقول: وهو من عمل الجاهلية» .
انتهى كلامه.
وقال الحافظ ضياء الدين رحمه الله في أحكامه: باب كراهة النعي، وساق في الباب ثلاثة أحاديث، منها: «عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: إياكم والنعي، فإن النعي من عمل الجاهلية قال عبد الله: أذان بالميت» .رواه الترمذي، وقال حديث حسن غريب.
«وعن حذيفة، قال: إذا مت فلا تؤذنوا بي أحداً، إني أخاف أن يكون نعياً، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي» .رواه الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي، وهذا لفظه، وحسنه.
وعند ابن ماجة: « كان حذيفة إذا مات له الميت، قال: لا تؤذنوا به أحداً إني أخاف أن يكون نعياً، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين ينهي عن النعي» .وروى أحمد أيضاً هذه الزيادة كما رواها ابن ماجة، ولكن لم يقل بأذني هاتين.
وقال سعيد بن منصور: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا ابن عون، قال: قلت لإبراهيم: أكان النعي يكره؟ قال: نعم: قال إبراهيم: إذا توفي الرجل، يركب رجل دابته، ثم صاح في الناس: أنعى فلاناً.
وبإسناده إلى ابن عون قال: سمعت بالكوفة، أن شريحاً كان لا يؤذن بجنازة أحد، فذكرت ذلك لمحمد بن سرين، فقال: إن شريحاً كان مكياً، ما أعلم به بأساً أن يؤذن الرجل صديقه، ويؤذن الرجل جمعه.
وذكر بإسناده، حدثنا حماد عن إبراهيم، أنه قال: لا بأس إذا مات الرجل، أن يؤذن صديقه وأصحابه، إنما يكره أن يكون في المجلس، فيقال: أنعي فلاناً، فعل الجاهلية.
وقد روى الترمذي، «عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من ميت يموت، فيقوم باكيها فيقول: وا جبلاه، وا سنداه، أو نحو ذلك، إلا وكل الله به ملكان يلهزانه، أهكذا كنت؟» قال الترمذي: حديث حسن.
والمقصود أن هذه الأحاديث دالة على النهي، وأنه من فعل الجاهلية، لكن الأحاديث التي ذكرناها، منها ما يدل على أن النعي إعلام الناس بأن فلاناً قد مات، ومنها ما يدل على أن النعي هو تعداد صفات الميت، فالظاهر أن كلاهما نعي، والله أعلم.
وما يفعله الناس اليوم في زماننا، من إعلام الناس بالميت، والمناداة له، فهو من البدع المنهي عنها، كما ورد في الحديث، فإنه مفض إلى تأخير الميت، لأجل اجتماع الناس له، تأخيراً زائداً عن الحد، ويتركون السنة التي من شأنها الإسراع بالجنازة.
كما «ثبت في سنن أبو داود: أن أبا طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقال: إني أرى طلحة قد حدث فيه الموت، فآذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم، أن تحبس بين ظهراني أهله» .
وإن كان المراد النعي الذي هو تعداد صفات الميت، فيقال: الذي ينبغي أن يقال: لا بأس بالكلمات اليسيرة إذا كانت صدقاً، لا على وجه النوح والتسخط، فلا يحرم، ولا ينافي الصبر، ولا يكون من المنهي عنه، بل قد نص الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ أن الكلمات اليسيرة من الصدق لا تنافي الصبر الواجب.
يؤيد ذلك ما ثبت في صحيح البخاري «من حديث أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: وا كرب أبتاه، فقال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم.
فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه، فلما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة: أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟»
وعن أنس أيضاً أن أبا بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ« دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه، ووضع يده على صدغيه، وقال: وا نبياه، وا خليلاه، وا صفياه» رواه الإمام أحمد.
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ« أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات» .رواه البخاري ومسلم.
وفي لفظ لهما قال: «استغفروا لأخيكم» .
وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» .
وهذا ونحوه من الأقاويل التي تقدمت، ليس تسخط على الرب تبارك وتعالى بما قضاه وقدره، ولا ينافي الصبر الواجب، ولا يأثم به قائله، والله أعلم.
الباب الحادي والعشرون: فيما يقدح في الصبر والرضا وينافيهما
| الجزء | القارئ | حمله | سمعه | الحجم | المدة | الاستماع | تحميل |
|---|
| العنوان | الشيخ | حمله | الحجم | تحميل |
|---|
مواعيد أفريل 2026
الآن 53
هذا اليوم 4211
بالامس 7205
لهذا الأسبوع 4211
لهذا الشهر 268337
لهذه السنة 1025972
منذ البدء 17695978
تاريخ البدء 2015/05/05
أعلى إحصائية 18201
بتاريخ 2019/11/14