محاضرة فضل العلم وشيء من آدابه وآفاته الشيخ علي بن عبد العزيز موسى

فضل العلم وشيء من آدابه وآفاته
الأربعاء 04 رجب 1439 هـ   الموافق لـ : 21 مارس 2018 م
مداخلة مسجد زاد المتقين بمدينة حلوان بالقاهرة في افتتاح دورة شرح تراث الشيخ حسونة

عناصر الشريط

تفريغ المحاضرة

 الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أما بعد:

 فهذا يوم الأربعاء الموافق للرابع من شهر رجب لعام تسعة وثلاثين بعد الأربعمئة والألف من هجرة النبي ﷺ. ألتقي مع إخواننا طلاب العلم في مسجد زاد المتقين بمدينة حلوان بالقاهرة، سلمها الله وبلاد المسلمين، في هذه الدورة العلمية في شرح تراث فضيلة الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبدالحميد حسونة رحمه الله.

 هذا الرجل الذي لم أره وأحببته دون أن أراه على ما اطلعت عليه من بعض مؤلفاته الكثيرة، لا كلها، وأسعدني أيضًا: ولده عبدالحميد وفقه الله لزيارته لي، وعلى ما سمعت من نشاط أهله رحمه الله في تعليم الناس الخير ومنهج السلف، وثناء بعض علماء مصر عليهم. فهذا بيت مبارك نسأل الله عز وجل أن يبارك فيه، وأن يبارك في أهل أخينا أبي عبدالله محمد بن عبدالحميد حسونة، وأبنائه وبناته وطلابه.

 ولا شك أن تواجدهم لشرح بعض رسائله، هذا من البر بشيخهم، وهذا شيء طيب، وهذا من حفظ علم العالم، فإن المذاهب كانت أكثر من أربعة، قيل سبعة وقيل أكثر، فكان لمحمد بن جرير الطبري مذهب، وكان للسفيانين لكل منهما مذهب، ولكن طلابهم لم يدونوا فاندثرت علومهم في بطون الكتب، بخلاف الأئمة الأربعة.

 ولا شك أيها الأخوة أن الشيخ حسونة -رحمه الله- قد خلّف تراثًا فذًا على منهج السنة -فيما اطلعت عليه، لأني لا أستطيع أن أقول أني أحصيت كتابًا اطلاعًا، لكثرتها- ولكن فيما رأيتُ: فيها الخير ولله الحمد.

 وهؤلاء طلابه، الأخ الفاضل: أبو خديجة عصام الدين بن أبي السعود، وقد زارني أيضًا، ورأيت فيه خلقًا حسنًا، وأدبًا جمًا، وحرصًا على استماع أهل السنة، فنحسبه على الخير ولا نزكي على الله أحدًا.

 وأما الأخوان الآخران، ففي الحقيقة لم أشرف برؤيتهما، ولم ألتقي بهما، ولكن حدثني الأخ عصام عنهما خيرًا، وهما: الأخ أبو مريم أيمن بن دياب العابديني، والأخ أبو مارية أحمد بن فتحي -وفقهما الله تعالى- ذكر لي الأخ أبو خديجة أنهما من تلاميذ الأخ محمد بن عبد الحميد حسونة، ولا شك أن هذا خير عظيم، أن يحيي الطلاب تراث عالمهم وشيخهم.

 ومما زادني فخرًا وفرحًا: أنني علمت أن الشيخ حسونة قد درس في بلاد الحرمين، ورأى من العلماء من رأينا، كسماحة الشيخ: عبدالعزيز بن عبد الله بن باز، رآه في بعض المجالس الطيبة، كما ذكر لي ولده -وفقه الله- فرحم الله الشيخ محمد بن عبدالحميد حسونة، ونسأل الله عز وجل أن يجعله في الدرجات العليا من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

 نسأل الله أن يرفع درجته بما خلف من طلاب علم، ومن هذه المصنفات والكتب، فقد كان نشيطًا جدًا في التأليف -رحمه الله تعالى-.

 وأقول أيها الإخوة:

 لقد اختص الله عز وجل هذه الأمة بأنه لا تزال فيها طائفة على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، ويحيون بكتابه الموتى، فهم أحسن الناس هديًا، وأقومهم قيلًا، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، ومن ضال جاهل لا يعلم طريق رشده قد هدوه، ومن مبتدع في دين الله بشهب الحق قد رموه؛ جهادًأ في الله وابتغاء مرضاته.

 أيها الإخوة، إن العلم أفضل موروث في هذه الحياة، ومن فضائله: أن أول آية في القرآن العظيم حثت عليه؛ قال سبحانه : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ{2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ{3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} ، والقراءة والقلم من أدوات العلم.

 ومن فضائل العلم: أن الله عز وجل لم يطلب من نبيه محمد ﷺ الاستزادة من شيء إلا منه، قال سبحانه: { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا } .

 قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- كما في «مفتاح دار السعادة» له: « كفى بهذا شرفاً للعلم أن أمر نبيه أن يسأله المزيد منه» .

 الثالث من فضائل العلم: أن كليم الرحمن موسى عليه السلام كما في حديث ابن عباس في الصحيحين، في قصة ركوب موسى البحر للخضر عليهما السلام.

 قال القرطبي -رحمه الله تعالى- بعدما ذكر هذه القصة في «الجامع لأحكام القرآن» : « وفيه من الفقه : رِحْلة العالِمِ في طلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحِب ، واغتنام لقاء الفُضَلاء والعلماء ، وإن بَعُدت أقطارُهم ، وذلك كان دأب السَّلف الصالح ، وبسبب ذلك وصلَ المرتحلون إلى الحظ الراجح ، وحصلوا على السَّعي الناحج ، فَرَسخت لهم في العلوم أقدامٌ ، وصحَّ لهم من الذِّكر والأجر والفضل أفضلُ الأقسام».

 وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- كما في الفتح: «موسى - عليه الصلاة والسلام - لم يمنعه بلوغه من السِّيادة المحلّ الأعلى من طلب العلم وركوب البحر لأجله».

 أيضا من فضائل العلم أيها الإخوة: قصة جابر بن عبد الله، التي أخرجها الدارمي في سننه بسند صحيح، عن عبد الله بن بريدة -رضي الله عنه- أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ رحلَ إلى فَضَالَة بن عُبيد وهو بمصر ، فقدمَ عليه وهو يمد ناقة له ، فقال: مرحبًا، قال: أما إني لم آتِكَ زائرًا، ولكن سمعتُ أنا وأنتَ حديثًا من رسول الله ﷺ رجوتُ أن يكون عندك منه علم، قال: كذا وكذا.

 الخامس من فضائل العلم: أن العلم يرفع الله عز وجل به صاحبه في الدنيا والآخرة، مما لا يرفعه الملك ولا المال، ولا غيرهما؛ أخرج مسلم وأبو داود عن عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان -وكان عمر يستعمله على مكة- فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله عز وجل، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال«إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين».

 وأخرج الحاكم في «تاريخ دمشق» وكذلك الخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه»، قالا: كان محمد بن عبد الرحمن الأوقص عُنقُه داخل في بدنه ، وكان منكباه خارجين كأنهما زُجّـان فقالت أمه : يا بني لا تكون في مجلس قوم إلا كنت المضحوك منه المسخور به ، فعليك بطلب العلم ، فإنه يرفعك. فطلب العلم، فولى قضاء مكة عشرين سنة ، وكان الخصم إذا جلس إليه بين يديه يرعد حتى يقوم، قال: ومرت به امرأة وهو يقول: اللهم اعتق رقبتي من النار، فقالت له : يا ابن أخي وأيّ رقبة لك ؟! قال: وكان خفيف الرقبة -رحمه الله تعالى.

 وطبعًا فكلكم طلاب علم، وتعلمون فضل العلم، والفضائل كثيرة جدًا، يشق على الإنسان أن يأتي عليها كلها، ولعلي أذكركم حتى لا أطيل عليكم وأترككم مع إخوانكم، بأدب من آداب طالب العلم، وآفة من آفاته، هذا الأدب نلتزمه -إن شاء الله- جميعًا، والآفة نتجنبها جميعًا.

 الأدب هو: التلقي عن الشيوخ،

 مهما عُرف الإنسان من العلم فلابد أن يستمر في طلب العلم، وقد سمعتم أن موسى -عليه السلام- ركب البحر لأجل ثلاث مسائل، بل ركب البر والبحر، وجابر بن عبد الله ركب البحر من أجل حديث واحد، مسيرة شهر، إلى عبد الله بن أنيس، من المدينة إلى الشام.

 وأما التلقي عن الشيوخ؛ فقد أخرج الإمام مسلم في مقدمة صحيحه، عن ابن سيرين محمد -رحمه الله- قال: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع، فلا يؤخذ حديثهم».

 وأخرج أيضًا -يعني الإمام مسلم- في مقدمة صحيحه: «قال -يعني محمد بن سيرين- إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم».

 وأخرج أبو عمر بن عبد البر في «الجامع لبيان العلم وفضله» قال: «قال مالك بن أنس -رحمه الله-: لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه معلن السفه، وصاحب هوى يدعو الناس إليه، ورجل معروف بالكذب في أحاديث الناس وإن كان لا يكذب على رسول الله ﷺ ، ورجل له فضل وصلاح لا يعرف ما يحدث به».

 وأخرج أبو عمر بن عبد البر في «الجامع لبيان العلم وفضله» عن يونس بن يزيد -رحمه الله- قال: «قال لي ابن شهاب: يا يونس ! لا تكابر العلم ، فإن العلم أودية ، فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه ، ولكن خذه مع الأيام والليالي ، ولا تأخذ العلم جملة ، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة ، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي».

 

وأخرج أيضًا في «الجامع لبيان العلم وفضله» عن وكيع بن الجراح قال: «سمعت سفيان الثوري يقول: لا أعلم من العبادة شيئا أفضل من أن تعلم الناس العلم».

 

وأما الآفة -أيها الإخوة- : فهي التصدر قبل التأهل.

 

أخرج الإمام البيهقي في «شعب الإيمان» عن محمّد بن جعفر المزكّي، قال: سمعت عبد الله بن سلمة المؤدّب، يقول: سمعت محمّد بن عبد الوهّاب، يقول: سمعت عيينة المهلّبيّ، وكان مؤدّب الأمير عبد الله بن طاهرٍ ويكنى أبا المنهال، كان يقول: «لا يتصدّر إلّا فائقٌ أو مائقٌ».

 

قال ابن منظور في «اللسان»: «المائق: الهالك حُمقاً وغَباوةً».

 

وقال البيهقي -رحمه الله تعالى- في «المدخل إلى السنن الكبرى» : قال الخليل بن أحمد -رحمه الله-: «الرجال أربعة : رجل يدري ولا يدري أنه يدري، فذاك غافل فنبهوه ، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذاك جاهل فعلموه ، ورجل يدري ويدري أنه يدري، فذاك عاقل فاتبعوه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذاك مائق فاحذروه».

 

قال الحافط ابن رجب -رحمه الله تعالى- في «القواعد الفقهية»: «من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه».

 

وقال العلامة السعدي -رحمه الله تعالى- في «منظومة القواعد الفقهية»:

«معاجل المحظور قبل آنـــه *** قد باء بالحرمان مع خسرانه»

 

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في الفتح: «قال الشافعي -رحمه الله: إذا تصدّر الحدث فاته علمٌ كثير» فإذا تصدر الإنسان فاته علم كثير.

 

وقال الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- في شرحه على «حلية طالب العلم»: « إنَّ مما يجب الحذر منه أن يتصدر طالب العلم قبل أن يكون أهلًا للتصدر؛ لأنه إذا فعل ذلك كان هذا دليلًا على أمور‏:‏

 

الأول‏:‏ إعجابه بنفسه حيث تصدر فهو يرى نفسه عَلَم الأعلام‏.‏

 

الثاني‏:‏ عدم فقهه ومعرفته للأمور؛ لأنه إذا تصدر، ربما يقع في أمر لا يستطيع الخلاص منه، إذ ترد عليه من المسائل ما يبين عواره‏.‏

 

الثالث‏:‏ التقول على الله بما لا يعلم؛ لأن الغالب أنَّ مَنْ كان قصده التصدر لا يبالي، فيجيب عن كل ما سٌئِلَ، ويخاطر بدينه وبقوله على الله -عز وجل-.‏

 

الرابع‏:‏ أنه لا يقبل الحق في الغالب، فيظن بسفهه أنه إذا خضع لغيره -ولو كان معه الحق- كان دليلًا على أنه ليس بعالم»‏.‏

 

أيها الإخوة الفضلاء:

 

إن من نظر في سير الأئمة والعلماء، وطلاب العلم على نهجهم من أهل السنة ممن بعدهم، ليعلم أنهم كانوا أبعد الناس عن حب التصدر والزعامة، وعن الحسد والتنافس، وغيرها من الصفات الرذيلة والقبيحة ، فقد كانت الفتوى تدور في المجلس الواحد عليهم ولا يجد المستفتي من يفتيه كلهم يود لو أن أخاه كفاه ذلك ، على خلاف اليوم فأنهم يتدافعون عليها تدافع الأكلة على قصعتها.

 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في إخواننا طلاب العلم الذين ينشرون علم شيخهم من خلال مصنفاته وكتبه، وأسأل الله عز وجل أن يجعل جمعكم هذا جمعًا مرحومًا، تحفه الملائكة، وتغشاه الرحمة، وتعمه السكينه، ويذكره الله عز وجل فيمن عنده، ويلقى به جنة شيخكم.

 

وصل الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

وشكر الله لكم جميعا.