مقال تنبيه الغيورين إلى إجماع الفقهاء على حرمة سفر المرأة من غير مَحْرم في جميع الأسفار عدا سفر الحج والعمرة الواجبين فاختلفوا الشيخ عبد القادر بن محمد الجنيد

تنبيه الغيورين إلى إجماع الفقهاء على حرمة سفر المرأة من غير مَحْرم في جميع الأسفار عدا سفر الحج والعمرة الواجبين فاختلفوا
الخميس 24 شوال 1435 هـ   الموافق لـ : 21 أوت 2014 م
529.6K
195

تنبيه الغيورين إلى إجماع الفقهاء على حرمة سفر المرأة من غير مَحْرم في جميع الأسفار عدا سفر الحج والعمرة الواجبين فاختلفوا

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على عبده ورسوله محمَّد، وآله وأصحابه وأتباعه.
أمَّا بعد:
فلقد ابتُليَ المسلمون في هذه الأيَّام بفتاوَى كثيرٍ مِمَّن ليسوا بأهلٍ للفتوى عبر الفضائيات والإذاعات، والصُّحف والمجلَّات، وبدعاةٍ مِن جماعة الإخوان المسلمين، حيث يُفتون بما يُخالف نُصوص القرآن، والسُّنِّة النَّبوية الصَّحيحة، وإجماع علماء المسلمين الماضين.
وإنَّ مِن المسائل التي يُخالفون فيها النُّصوص الشرعية، وإجماع العلماء السابقين:
إباحتهم سَفر المرأة مِن غير مَحْرَم للزيارة، أو الدِّراسة، أو النُّزْهة، أو التجارة، أو حجِّ وعُمرة التَّطوع، إذا كان عَبر الطائرة، أو القطار، أو النَّقل الجماعي، أو البواخِر.
أو كانت في جَمعٍ مِن الناس، أو مع ثقاتٍ مِن النساء، أو عائلةٍ أمينَة، ونحو ذلك.
وسببُ إباحتهم لهذا السَّفر قد يكون راجعًا إلى أمور ثلاثة، أو بعضها.
الأمر الأوَّل:
عدم التدقيق حين البحث في المسائل الشرعية، أو قراءة كلام أهل العلم.
تدقيقًا يَحصُل بِه معرفة المسائل المتَّفَق عليها مِن المختَلَف فيها، والقول الرَّاجح مِن المرجوح، والدليل الصَّحيح مِن الضعيف، وأحكام علماء السَّلف الماضين مِن أحكام المتأخرين أو المعاصرين.
فتجد بعضَهم يَقرأ في كتب الخِلاف أو الشروح أو المذاهب اختلافَ العلماء في حكم سَفر المرأة مِن غير مَحْرَم لحجِّ الفريضة، فيظن أنَّ هذا الاختلاف في جميع الأسفار.
فإنْ رجَّح الجواز أفتى بجواز السَّفر مِن غير مَحْرَم في غير حجِّ الفريضة، فيكون بفتواه هذه قد خالف إجماع العلماء على التحريم.
وإنْ رجَّح التحريم قال حِين يُسأل:
لأهل العلم في هذه المسألة قولان، والرَّاجح التحريم؛ فيكون بهذا قد نَسَب إلى أهل العلم ما لم يقولوه، ولبَّس على سائليه، والمستمعين إليه.
وهذا فيمَن قد يُحسَّن بِه الظن.
الأمر الثاني:
متابعة أهواء الناس ورغباتهم، وحبّ تكثير سوادهم حوله، أو حول جماعته وحزبه، وقبولهم لشخصه، وأنَّه مِن أهل التيسير.
حيث يَعرِف أدلَّة الشريعة واتفاق أهل العلم في المنْع والتحريم، ومع ذلك يُفتي بجواز السَّفر مِن غير مَحْرَم لغير حجِّ الفريضة.
وقد يزداد في الشرِّ لنفسه، والتلبيس على الناس، والخِداع لهم، حتى لا يَفتضِح فيُنزِّل مسائل الوِفاق على مسائل الخلاف، حِماية لشخصه، ولِئلَّا تهتزَّ صورته ومكانته.
ولكن أين يذهب مِن الله علَّام الغيوب، شديد العقاب.
الأمر الثالث:
أنْ يكون هذا المُفْتِي يَنتمي إلى أحزاب وجماعات تَزعُم أنَّها دينية، ويُريد بفتاواه موافقة رغبات الناس حتى يَركنوا إليه، ويألفوه، ويُقبِلوا عليه، فينخرطوا في جماعته وحزبه، أو على أقلِّ مكسب أنْ يتعاطفوا معهم، ويميلوا إليهم جماهيريًّا وسياسيًّا، فيفوزوا إذا انْتُخِبوا.
ودونكم ــ سدَّدكم الله وأعانكم ــ ما يُجلِّي ذلك ويوضِّحه، فأقول مستعينًا بالله ربِّي وربِّكم - جلَّ وعَلا -:
سَفرُ المرأة مِن غير محرم له حالتان:
الحالة الأولى / أنْ يكون سَفَرها لغير الحجِّ والعُمرة الواجِبَين.
ومن أمثلته:
الأسفار المستحبَّة والمباحة، كأن تسافر لأجل حجٍّ أو عُمرة تطوع، أو زيارة أهلٍ وقرابة، أو دراسة، أو وظيفة، أو تجارة، أو نُزهة، ونحو ذلك.
فهنا لا يجوز لَها أنْ تُسافر مِن غير مَحْرَم باتفاق العلماء، لا خِلاف بينهم في ذلك.
ودونكم بعض مَن وقفت على نقلِه الإجماع، مع نصِّ كلامه، ومرجعه بالجزء والصَّفحة:
أوَّلًا ــ الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البَغَوي الشافعي ــ رحمه الله ــ.
وقد نقل قوله الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه «فتح الباري شرح صحيح البخاري» (4 / 90 ــ عند حديث رقم: 1862 و 1684) فقال:
قال البغويُّ:
لم يَختلفوا في أنَّه ليس للمرأة السَّفر في غير الفرْض إلَّا مع زوجٍ أو مَحْرَم، إلَّا كافرة أسلَمت في دار الحرب أو أسيرة تخلَّصت.
وزاد غيره:
أو امرأة انقطعت مِن الرِّفقة فوجَدها رَجلٌ مأمون فإنَّه يجوز له أنْ يَصحبها حتى يُبلغها الرِّفقة.اهـ
ولم يتعقَّب الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ هذا الإجماع بشيء، بل قرَّره في موضع آخَر مِن كتابه "فتح الباري"، كما سيأتي.
ثانيًا ــ القاضي عياض اليَحْصُبي السَّبتي المالكي ــ رحمه الله ــ.
إذ قال في كتابه «إكمال المعلم شرح صحيح مسلم» (4/ 446 ــ عند حديث رقم:1338):
ولم يختلفوا أنَّه ليس لَها أنْ تخرج في غير فرْض الحجِّ إلَّا مع ذي مَحْرم.اهـ
وقد نقله عنه أيضًا:
1 ــ الفقيه المحدِّث أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه «شرح صحيح مسلم» (9/ 112 ــ عند حديث رقم:1339)، فقال:
واختلف أصحابنا في خروجها لحجِّ التطوع وسَفر الزِّيارة والتجارة، ونحو ذلك مِن الأسفار التي ليست واجبة، فقال بعضهم: يجوز لها الخروج فيها مع نسوة ثقات كحَجَّة الإسلام، وقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو مَحْرَم.
وهذا هو الصَّحيح للأحاديث الصحيحة.
وقد قال القاضي: واتفق العلماء على أنَّه ليس لَها أنْ تَخرج في غير الحجِّ والعمرة إلَّا مع ذي مَحْرَم، إلَّا الهجرة مِن دار الحرب، فاتفقوا على أنَّ عليها أنْ تُهاجر مِنها إلى دار الإسلام وإنْ لم يكن معها مَحْرَم، والفَرْقُ بينهما أنَّ إقامتها في دار الكُفر حرام إذا لم تستطع إظهار الدِّين وتَخشى على دينها ونفسها.اهـ
وهذا إقرار مِنه ــ رحمه الله ــ لهذا الإجماع، واحتجاج بِه على بعض مُتأخِّري أهل مذهبه.
2 ــ الفقيه علاء الدِّين ابن العطار الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه «العُدَّة في شرح العمدة» (2/ 959).
3 ــ الفقيه المحدِّث سراج الدٍّين ابن الملقِّن الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» (6/ 82).
وأيضًا لم يَتعقَّبا هذا الإجماع بشيء، فدَلَّ على إقرارهما له.
ثالثًا ــ الفقيه أبو العباس أحمد بن عمر الأنصاري القُرطبي المالكي ــ رحمه الله ــ.
إذ قال في كتابه «المفهم لِما أشكل مِن تلخيص كتاب مسلم» (3/ 450 ــ عند حديث رقم:1196):
ألَا ترى أنَّه قد اتُّفِق على أنَّها يَجب عليها أنْ تُسافر مع غير ذي مَحْرَم إذا خافت على دينها ونفسها، وتُهاجِر مِن دار الكفر كذلك.
ولذلك لم يُختَلَف في أنَّها ليس لها أنْ تُسافر سَفرًا غير واجب مع غير ذي مَحْرَم أو زوج. اهـ
رابعًا ــ الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي بن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ.
إذ قال في كتابه «فتح الباري شرح صحيح البخاري» (2/ 662 ــ عند حديث رقم:1088):
واستُدِلَّ بِه على عدم جواز السَّفر بلا مَحْرَم، وهو إجماعٌ في غير الحجِّ والعمرة.اهـ
خامسًا ــ العلامة عبد الرحمن بن قاسم العاصِمي الحنبلي النَّجدي ــ رحمه الله ــ.
إذ قال في كتابه «حاشية الروض الـمُربع» (3/ 524):
وأجمعوا على عدم جواز السَّفر للمرأة بلا مَحْرَم في غير الحجِّ والعمرة، والخروج مِن بلد الشِّرك، ويُستثنى مواضع الضرورة، بأنْ يَجد أجنبية مُنقطعة في بَرِّيَّة، ونحو ذلك، فيُباح له استصحابها، بل يَجبُ عليه ذلك، إذا خاف عليها لو تركها بلا خلاف، لحديث عائشة في قصة الإفك. اهـ
وبنحوه قال في كتابه «الإحكام شرح أصول الأحكام» (2/ 335).
ونَقل الفقيه أبو عبد الله ابن مُفلح الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه «الفروع» (3/ 234-235)، اتفاق المذاهب الأربعة على التحريم، فقال:
ويُشترط للمرأة مَحْرَم، نَقله الجماعة، وأنَّه قال: المَحْرَم مِن السَّبيل...، وكالسِّفر لحج التطوع (و) والزيارة (و) والتجارة (و).اهـ
والواو (و) تعني: موافقة الحنفية والمالكية والشافعية للحنابلة في المسألة.
الحالة الثانية / أن يكون لحجِّ الفريضة.
للعلماء ــ رحمهم الله ــ في سفر المرأة لحجَّة الفريضة مِن غير مَحْرم قولان:
القول الأوَّل: الجواز إذا وُجِدَ الأمْن على المرأة.
ومِن أسباب الأمْن:
أنْ تكون مع جمْعٍ مِن النساء، أو قومٍ عدول مِن الرَّجال، أو قافلة فيها رجال ونساء.
ونُقل هذا القول:
عن عطاء بن أبي رباح، ومحمد بن سيرين، مِن التابعين، وهو قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد في رواية.
وقال ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه «المُحلَّى» (5/ 20 ــ مسألة رقم:813):
وهو ظاهر قول الزُّهري، وقتادة، والحَكم بن عُتيبة، وهو قول الأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأبي سليمان، وجميع أصحابهم. اهـ
وقال أيضًا (5/ 19):
وأمَّا المرأة التي لا زوج لها ولا ذا مَحْرَم يَحجُّ معها، فإنَّها تَحجُّ ولا شيء عليها.اهـ
ونَسبه الفقيه أبو الحسن ابن بطَّال المالكي ــ رحمه الله ــ في «شرح صحيح البخاري» (4/ 532)، إلى جمهور أهل العلم.
وثبت هذا القول عن أمِّ المؤمنين عائشة، وابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ مِن الصحابة.
فقال ابن أبي شيبة ــ رحمه الله ــ في «مصنَّفه» (3/ 386 ــ رقم: 15176):
ثنا وكيع، عن يُونس، عن الزُّهري، قال:
(( ذُكِر عند عائشة: المرأةُ لا تسافر إلَّا مع ذي مَحْرم، فقالت عائشة: ليس كل النساء تَجد مَحْرمًا )).
وإسناده أئمة ثقات، إلا أنِّ الزُّهري لم يَسمعه مِن عائشة ــ رضي الله عنها ــ، لكن لا يَضر، فقد وَصَله عن يُونس، عنه:
1 ــ عثمان بن عمر بن فارس العبْدي البصري ــ رحمه الله ــ.
فقال البيهقي ــ رحمه الله ــ في «السُّنن الكبرى» (5/ 226):
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس الدُّوري، حدثنا عثمان بن عمر، عن يونس، عن الزُّهري، عن عَمْرة:
(( أنَّ عائشة أُخْبِرت أنَّ أبا سعيدٍ يُفتي: أنَّ المرأة لا تسافر إلَّا مع مَحْرم، فقالت: ما كلهنَّ ذوات مَحْرم )).
2 ــ عبدُ الله بن وهب ــ رحمه الله ــ.
فقال أبو جعفر الطحاوي ــ رحمه الله ــ في كتابه «شرح معاني الآثار» (2/ 115 ــ رقم:3256 و 3257):
حدثنا يونس، قال ثنا ابن وهب، قال أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عَمْرة، عن عائشة ــ رضي الله عنها ــ، أنَّها سمعتها تقول:
(( في المرأة تَحجُّ وليس معها ذو مَحْرم، فقالت: مَا لِكُلِّهِنَّ ذُو مَحْرم )).
وقد تابع يونسَ على وَصلِه:
الليثُ بن سعد ــ رحمه الله ــ.
فقال أبو جعفر الطحاوي - رحمه الله - في كتابه «شرح معاني الآثار» (2/ 115 ــ رقم:3256 و 3257):
حدثنا رَبيع المؤذن، قال: ثنا ابن وَهب، عن الليث، أنَّ ابن شهاب حدَّثه عن عَمْرة: أنَّ عائشة ــ رضي الله عنها ــ أُخْبِرت أنَّ أبا سعيد الخدري يُفتى أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:
(( "لا يَصلح للمرأة أنْ تسافر إلَّا ومعها مَحْرم"، فقالت: مَا لِكُلِّهِنَّ ذُو مَحْرم )).
وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه «الاستذكار» (13/ 239):
ورَوى يونس، عن ابن شهاب، عن عَمرة، عن عائشة: أنَّها أُخبِرت أنَّ أبا سعيد الخدري يحدِّث أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
(( "لا يَحِل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخِر تُسافر إلا مع ذي مَحْرم" فقالت عائشة: ما كلهن ذوات مَحْرم، ولا كل النساء يَجدن مَحْرمًا )).اهـ
وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي ــ رحمه الله ــ في كتابه «شرح معاني الآثار» (2/ 116 ــ رقم:3258):
حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا بَكر بن مُضر، عن عمرو بن الحارث، عن بُكير، أنْ نافعًا حدَّثه:
(( أنَّه كان يُسافر مع ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ مَوَالِيَاتٌ لَهُ ليس معهنَّ ذُو مَحْرم )).
وأخرجه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه «المُحلَّى بالآثار» (5/ 20 ــ مسألة رقم:813) فقال:
ومِن طريق سعيد بن منصور، نا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بُكير بن الأشَج، عن نافع مولى ابن عمر، قال:
(( كان يُسافر مع عبد الله بن عمر مَوَالِيَاتٌ [ لَهُ ] ليس معهنَّ مَحْرم )).
وهذا إسناد صحيح.
واختاره هذا:
ابن تيميَّة ــ رحمه الله ــ.
القول الثاني: التحريم مْطْلقًا.
ونُقِل عن إبراهيم النَّخعي، والحسن البصري، والشَّعبي، وطاوس، وعكرمة مِن التابعين، وهو قول أبي حنيفة، وسفيان الثوري، والحسن بن حيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وابن المنذر.
ونَسبه القاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ وغيره إلى فقهاء أصحاب الحديث.
وثبت هذا القول عن أبي سعيد الخدري ــ رضي الله عنه ــ مِن الصحابة.
فقال الإمام أبو جعفر الطحاوي ــ رحمه الله ــ في كتابه «شرح معاني الآثار» (2/ 115 ــ رقم: 3257):
حدثنا رَبيع المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، عن الليث، أنَّ ابن شهاب حدَّثه عن عَمْرة: أنَّ عائشة ــ رضي الله عنها ــ أُخبِرت أنَّ أبا سعيد الخدري يفتى أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( "لا يَصلح للمرأة أنْ تُسافر إلا ومعها مَحْرم"، فقالت: مَا لِكُلِّهِنَّ ذُو مَحْرم )).
وإسناده صحيح.
ورَبيع المؤذن، هو الرَّبيع بن سليمان المُرادي صاحب الشافعي، ورَاوِيةُ كُتُبِه ــ رحمهما الله ــ.
وقال الحافظ البيهقي ــ رحمه الله ــ في كتابه «السُّنن الكبرى» (5/ 226):
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس الدُّوري، حدثنا عثمان بن عمر، عن يونس، عن الزُّهري، عن عَمْرة:
(( أنَّ عائشة أُخْبِرت: أنَّ أبا سعيد يُفتى أنَّ المرأة لا تُسافر إلا مع مَحْرم، فقالت: ما كلهن ذوات مَحْرم )).
واختار هذا القول:
البغوي، والنَّووي، والصنعاني، والشوكاني، وابن باز، والألباني، وعبيد الله المباركفوري، والعثيمين، والنَّجمي، ــ رحمهم الله تعالى ــ.
وهو الراجح، لظاهر الأحاديث الواردة في النَّهي عن سَفر المرأة مِن غير مَحْرَم.
حيث لم تخصّ سَفرًا دون سَفر، فيدخل فيها جميع الأسفار، واجبة كانت أو مستحبَّة أو مباحة.
ومِن هذه الأحاديث:
أوَّلًا ــ حديثُ ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ.
إذ أخرج البخاري (1086 و 1087)، ومسلم (1338)، واللفظ له، عن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ )).
ثانيًا ــ حديث أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ.
إذ خرج البخاري (1088)، ومسلم (1339)، واللفظ له، عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:
(( لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ )).
ثالثًا ــ حديث أبي سعيد الخدري ــ رضي الله عنه ــ.
إذ أخرج البخاري (1864)، ومسلم (827 و 3261 و 1340)، واللفظ له، عن أبي سعيد الخدري ــ رضي الله عنه ــ قال: سمعت مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعًا أعجبْنني وأيقنَّني:
(( نَهَى أَنْ تُسَافِرَ المَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ )).
رابعًا ــ حديث ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ.
إذ أخرج البخاري (1862 و 3006)، واللفظ له، ومسلم (1341)، عن ابن ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(( "لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلاَ تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ"، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً، قَالَ: "اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ" )).
وقال الحافظ ابن المنذر النَّيسابوري ــ رحمه الله ــ في كتابه «الإشراف على مذاهب العلماء» (3/ 176)، في ترجيح هذا القول:
ظاهر الحديث أولى، ولا يُعلَم مع هؤلاء حُجَّة تُوجِب ما قالوا.اهـ
وقال الإمام البَغَوي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه «شرح السُّنة» (7/ 20)، في ترجيح هذا القول:
والأوَّل أَوْلى لظاهر الحديث.اهـ
وقال الإمام ابن تيميَّة الحرَّاني ــ رحمه الله ــ في شرح «عمدة الفقه» (2/ 174 - 175 - قسم الحج)، في بيان ترجيح هذا القول:
فهذه نصوصٌ مِن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم سَفر المرأة بغير مَحْرَم، ولم يَخصّ سفرًا مِن سَفر، مع أنَّ سَفر الحج مِن أشهرها وأكثرها، فلا يجوز أنْ يُغفله ويُهمله ويَستثنيه بالنِّية مِن غير لفظ، بل قد فَهِم الصحابة دخول سَفر الحج في ذلك، لمَّا سأله ذلك الرَّجل عن سَفر الحج، وأقرَّهم على ذلك، وأمرَه أنْ يُسافر مع امرأته، ويَترُك الجهاد الذي قد تعيَّن عليه بالاستنفار فيه، ولولا وجوب ذلك لم يَجُز أنْ يُخرَج سَفر الحج مِن هذا الكلام، وهو أغلب أسفار النساء، فإنَّ المرأة لا تُسافر في الجهاد، ولا في التجارة غالبًا، وإنَّما تُسافر في الحج، ولهذا جعله النبي صلى الله عليه وسلم جهادَهُنَّ، وقد أجمَع المسلمون على أنَّه لا يجوز لها السفر إلا على وجهٍ يُؤمَن فيه البلاء، ثم بعض الفقهاء ذَكر كلٌ مِنهم ما اعتقده حافظًا لها وصاينًا، كَنِسوة ثقات، ورجال مأمونين، ومنَعها أنْ تُسافر بدون ذلك؛ فاشتراط ما اشترطه الله ورسوله أحقّ وأوثق، وحكمته ظاهرة، فإنَّ النساء لَحْم على وضَم إلا ما ذبَّ عنه، والمرأة معرَّضة في السَّفر للصعود والنزول والبروز محتاجة إلى مَن يُعالجها ويَمسّ بدنها، تحتاج هي ومَن معها مِن النساء إلى قيِّم يقوم عليهن، وغير المَحْرم لا يُؤمَن، ولو كان أتقى الناس، فإنَّ القلوب سريعة التقلُّب والشيطان بالمرصاد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما خلا رَجلٌ بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما )).
قال أحمد في رواية الأثرم: لا تَحج المرأة إلا مع ذي مَحْرم، لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نَهى أنْ تحجَّ المرأة إلا مع ذي مَحْرَم، وليس يُشبِه أمْر الحج الحقوق التي تجب عليها؛ لأنَّ الحقوق لازمة واجبة مثل الحدود وما أشبهها، وأمْر النساء صعب جدًّا، لأنَّ النساء بمنزلة الشيء الذي يُذَبّ عنه، وكيف تستطيع المرأة أنْ تَحُج بغير مَحْرَم؟ فكيف بالضَّيعة؟ وما يُخاف عليها مِن الحوادث؟ ولا يجوز لها أنْ تُسافر بغير مَحْرَم إلا في الهجرة، لأنَّ الذي تهرب مِنه شرٌّ مِن الذي تخافه على نفسها، وقد خرجت أمُّ كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط وغيرها مِن المهاجرات بغير مَحْرَم، وفي حضور مجلس الحاكم لأنَّه ضرورة يُخاف مِنه أنْ يَضيع حقّ المدَّعي، وفي التغريب لأنَّه حدّ قد وَجَب عليها.اهـ
وقال العلامة العثيمين ــ رحمه الله ــ كما في «اللقاء الشهري» (53/ 11) في ترجيح هذا القول:
لكن إذا نظرنا إلى الحديث الصَّحيح وهو أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خَطَب، وقال: (( لا تسافر امرأة إلا مع ذي مَحْرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجَّة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: انطلق فحُجَّ مع امرأتك )).
فأمَره أنْ يَدَع الغزو ويَحجَّ مع امرأته، ولم يَقل الرسول ــ عليه الصلاة والسلام ــ: هل معها نساء؟ هل هي آمِنة؟ هل هي شابَّة؟ هل هي عجوز؟ هل هي جميلة؟ هل هي قبيحة؟ ما استفصل.
ومِن قواعد العلماء:
أنَّ ترْك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنَزَّل منزلة العموم في المقال.اهـ
قلت:
فإنْ تَحَذلَق متكلِّم يُخادِع نفسه وإخوانه، فقال:
النساء الآن تُسافر عبر الطائرات، وتقطع في ساعات قليلة ما كان يَقطعه الناس في الزَّمن القديم في أيَّام وليال عِدَّة.
فيُقال له:
أدرِك ما تقول، فإنَّك تَستدرك على ربِّك وخالقك الذي يعلَم ما سيُسافر بِه الناس في جميع الأزمنة، وما سَيستغرقونه مِن وقت، فردًا فردًا، وبلدًا بلدًا، وهو الذي نَهى النساء عن السَّفر مِن غير مَحْرَم، وما محمد صلى الله عليه وسلم إلا مبلِّغ عنه.
ناهيك عن كثرة الفساد والإفساد والمفسدين، وتزايد الأشرار والشرور في هذا الزَّمن، والبَون الكبير بينه وبين الأزمنة السابقة في الأمْن والفضيلة.
ولا نَزال نسمع قصص المسافرات بالمواصلات الحديثة، وما جَرى لهنَّ مِن الفساد والشَّر، وجَرى بسببهنَّ.
وأخرج البخاري في "صحيحه" (7068)، عن الزُّبير بن عَدي أنَّه قال:
(( أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الحَجَّاجِ، فَقَالَ: اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )).

وكتبه:
عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.